منجي المازني ما يؤسف له أنّ نظام التعليمات نفذ إلى ما لا يجوز النّفاذ إليه : ألا وهو المجال الثقافي وبصفة أدق إلى فئة المثقّفين الذين من المفترض أن يتميّزوا عن غيرهم بنزعتهم العقلانية النقدية والاحتجاجية وبميلهم إلى الاستقلالية في اتخاذ المواقف وعدم الحيادية باعتبارهم صنّاع مواقف لأنّهم يدركون مشاكل المجتمع الحقيقيّ. إلاّ أنّنا للأسف نجد أنّ أغلب المثقّفين يدورون في فلك السلطة ويأتمرون بأوامرها وتعليماتها ويلمّعون صورتها البشعة بما يفقدهم شرف الانتساب إلى الثقافة. ويبقى المثقّف الحق هو من يقول لا للسلطة. ويكون قوّة اقتراح فيقترح عليها الحلول لقضايا النّاس الواقعيّة. ولعلّ خير ما نستهلّ به الموضوع هو ما ورد في التسريب المنسوب إلى نبيل القروي وهو يعطي التعليمات لصحافيي قناة نسمة لشنّ هجمة على منظّمة "أنا يقظ". إنّ كلّ من تابع مجريات الأحداث يستنتج دون عناء أنّ الأمور والأحداث لازالت تجري وفق منطق الاستبداد،منطق التعليمات، ووفق هوى اللّوبيات. هذه المعاينة لا تتعلّق بالمجال الإعلامي فحسب بل تتجاوزه إلى كلّ المجالات والقطاعات. ففي القطاع الإعلامي غالبا ما نلاحظ أنّ الصحفي أو المنشّط أو المحلّل السياسي يستميت في الدفاع عن وجهة نظر معيّنة وفي استحضار كلّ المستندات والمسوّغات المهمّة إلى حدّ التأثّر والغضب والاحتجاج على صاحب الرأي المخالف. تأثّر وانفعال وإحساس بالغ يوحي للمشاهد والمتلقّي العادي بأنّ المتدخّل يملك الحقيقة المطلقة. في حين أنّ هذه المشاهد والمواقف لا تعدو إلاّ أن تكون جزءا من مسرحية محبوكة السيناريو والأداء والإخراج بالنسبة للمشاهد الواعي العالم بخبايا الأمور وبما وراء الأخبار والكواليس. والوضع لا يختلف كثيرا في المجال الإداري الذي يسير هو الآخر وفق نظام التعليمات الصّادرة عن اللّوبيات المتواجدة في مختلف مفاصل الإدارات. فمنذ أن ينتدب الموظّف بالإدارة يقع اختباره حول مدى استعداده ومدى تحمّسه لتطبيق التعليمات بدون أن يتفطّن لذلك. ومن بين الأسئلة التي يمكن طرحها عليه : هل لك اعتراض على أنّ هذا اللّون جميل ؟ فصيغة السؤال تدلّ على الجواب. واللّبيب من الإشارة يفهم. وقس على ذلك في الصفقات والانتدابات وكلّ الأمور المتعلّقة بالإدارة. وهو ما يمكن تسميته بصناعة الرأي العام الإداري. نستنتج من ذلك أنّ من أراد أن ينضمّ إلى منظومة التعليمات فما عليه إلاّ أن يكون جوابه قطعا بالإيجاب لا بالسّلب. وعند ذلك يكون قد أمّن،بحسب أهل الحلّ والعقد في نظام التعليمات، مستقبله المهني وتدرّجه السريع في السلّم الوظيفي. ومن أجاب بعكس ذلك فقد وضع نفسه على طريق العمل والنضال والكفاح من أجل محاربة التهميش وفرض الاستحقاق المهني واسترجاع الحقوق. فعلى سبيل المثال يتمّ انتداب موظّفين من نفس الدرجة والمستوى التعليمي. يفرّق بينهما فقط نظام التعليمات. الأوّل تتعدّد الامتيازات الممنوحة له ليغدو موظّفا سام في ظرف وجيز حتّى ليحسبه الجاهل بنظام التعليمات فقيه زمانه لا يأتيه الجهل لا من بين يديه ولا من خلفه. أمّا الثّاني فيقع تجميد مساره المهني إلى أجل غير مسمّى حتّى ينصاع إلى التعليمات. ويذكر في هذا الصدد أنّ أحد المسؤولين أبى الانصياع إلى التعليمات الفوقية فسحبت منه كل الامتيازات مرّة واحدة (الوظيفة والسيارة ...) فلم يستطع تحمّل الصدمة وأصيب بانهيار عصبي ودخل مستشفى الرّازي. وبقي على حاله تلك إلى يوم النّاس هذا. هذا وأنّ نظام التعليمات المذكور يصنّف الموظّفين إلى فريقين اثنين. ويحاول كلّ فريق الإجابة على السؤال الكلاسيكي : "أيّهما الأسبق الدجاجة أم البيضة". ففي حين يتهم الفريق الثاني الفريق الأوّل بالانحناء للتعليمات والرّضا بتطبيق التعليمات من دون فسح المجال للطاقة الإبداعية الكامنة في الإنسان. فإنّ فريق التعليمات يتّهم الفريق الثّاني بالقصور في استيعاب المسائل ذات الصّلة بالاختصاص وبالتراخي في أداء الواجبات المهنيّة. والحقيقة أنّ الخلل يكمن بداية في منظومة التعليمات سيئة الذّكر. ويعتقد أنّ جلّ الإدارات قد انخرطت كلّيّا في نظام التعليمات. وقليلة هي الإدارات التي نأت بنفسها عن الانضواء تحت راية هذا النّظام. فمثلا جواب الإدارة "ارجع غدوة" هو الجواب السّحري الجاهز لكلّ أنواع الأسئلة في علاقة بخدمات الإدارة. والذي يوحي بأنّ الموظّف صاحب الإجابة المذكورة منخرط في نظام التعليمات بمثل انخراطه في صندوق التقاعد. لأنّ هذا النّظام يحمي منخرطيه. والأثر يدلّ على المسير. وما يمكن الإشارة إليه هو أنّ نظام التعليمات هو نظام عنكبوتيّ قد تغلغل في مفاصل الإدارات والمؤسّسات على طريقة الشبكة العنكبوتية. فلكلّ مؤسسة أو إدارة لوبي ونظام تعليماتي تنفرد به. ولكل إدارة حقل مغناطيسي خاص بها. وينجذب الموظّفون إلى الحقل أو يبتعدون عنه أو يتم استبعادهم بحسب نوعيتهم. لم يتوقّف نظام التعليمات عند حدود الإعلام والإدارة بل تغلغل إلى جل مناحي الحياة إلى حد الإقامة والاستيطان في لاوعي الإنسان. بحيث تكون التعليمات السلبية هي التي توجهه لا شعوريّا. ولنا في التراث الشعبي أمثلة كثيرة تزخر بتمجيد التعليمات : "هاني معاكم لا تشكّوا فيّ"، "أنا اللحم وأنت السكين" "إلّي تراه راكب على فركة قلّو مبروك الحصان"، لا تدخّل إيدك للمغاغر ولا تلسعك اللّفع"... لقد فرّ المخلوع وبقيت التعليمات. بل لازالت مستوطنة في لاشعور أغلب التونسيين لأنّ الثورة جاءت على عجل ولم تنفذ لأعماق ضمائر غالبية النّاس. ويعبّر عن هذه الحالة الشّاعر عمر أبو ريشة بقوله : ربّ وامعتصماه انطلقت ملء أفواه الصبايا اليتّم لامست أسماعهم ...لكنّها لم تلامس نخوة المعتصم فالتغيير إذن لا يزال يحوم حول السطح. وهو ما أكّدته المطالب الحينيّة للطّبقة الشّغيلة والنّخبة على حدّ السواء. وترجمت إلى زيادات فوريّة في الأجور في حين لا يزال مفجّرو ثورة 17-14 بلا شغل. والتغيير الشّامل يتطلّب مزيدا من الوقت للقضاء على التعليمات السلبيّة المستوطنة في أذهان النّاس، والتي تشكّلت وطبعت سلوكهم على مدى عقود من الاستعمار والاستبداد، وذلك عبر إجراء الدراسات والتحقيقات الضرورية والمبادرات من أهل الاختصاص والفاعلين السياسيين.