بقلم: شكري بن عيسى (*) لا ندري الحقيقة بعد ان خرج علينا اليوم رئيس الجمهورية قيس سعيد، في علاقة بفضيحة الفخفاخ وتداعياتها على الائتلاف الحكومي، رافعا الدستور، لماذا استعرض بعض فصوله بكل قوة و"بطش"، ولم يشر الى بقية الفصول ذات الصلة حتى مجرد اشارة؟؟!! هل ان بقية الفصول "اكلها الحمار" كما يذكرنا في حديثه سابقا كل مرة عن انتهاكات الدستور؟؟!! ام ان "عمى الفصول" والعياذ بالله اصابه ما حجب عنه رؤية فصول جوهرية في الدستور، تستدعي التطبيق لا تقل اهمية وقيمة عن الفصول المستعرضة؟؟!! والحقيقة فلا اعتقد لا هذا ولا ذاك، فالدساتير في القرن الواحد والعشرين، مكتوبة بالحبر السائل والرقمي فضلا عن السمعي البصري، ولا تقدر الاحمرة والحيوانات عامة عن اكلها، وهي المحروسة كل ثانية باعين الشعب والقوى المدنية والاعلامية والاكاديمية.. كما ان "عمى الفصول" لا يصيب الاستاذ المتمرّس في القانون الدستوري، خاصة وانه لم يدخل بعد عمر المرض السياسي والفكري، الذي يمكن ان يدفع بصاحبنا نحو اضمحلال بعض الفصول، ذات الالوان التي لا تسرّ ولا تروق سياسيا. سعيد اليوم خرج علينا رافعا الدستور وهو الساهر على احترام الدستور بموجب القانون الاعلى للبلاد (الفصل 72)، لكنه في مرافعته عن الفخفاخ الذي كان مصدر ترشيحه لقيادة القصبة، لم يشر سوى لحالتي "استقالة رئيس الحكومة"، وحالة "سحب الثقة" من الحكومة، وهما على التوالي موضوعي الفصلين 98 فقرة 1 و 97 من الدستور، وهو قول سليم اذ هما الحالتين اللتين بعدهما يمكن اقامة المشاورات من اجل حكومة جديدة. لكن الحقيقة ان كان من غير السليم كما اكد ساكن قرطاج الدخول في مشاورات لتشكيل حكومة دون سقوط الحالية، فالثابت ان الحالتين المذكورتين ليستا الوحيدتين لسقوط الحكومة، اذ توجد حالات اخرى هي الاكثر ملاءمة للانطباق على وضعية الحال. فالدستور اذ عدد حالتي الاستقالة وسحب الثقة، عند انسداد الافاق للعمل الحكومي وانعدام الاستقرار وافتقاد المشروعية، فهو ايضا لم يهمل حالة عرض الحكومة على البرلمان من اجل اختبار الثقة، وهي الاقرب بالنسبة لواقعة وملابسات الحال. فاقامة المشاورات تكون ايضا بعد فشل تجديد الثقة من البرلمان، عند طلبها من رئيس الحكومة او من رئيس الجمهورية، وهما على التوالي موضوع الفصلين 98 فقرة 2 و99 من الدستور، وهما الفصلان الاجدر باستدعائهما في صورة الانسداد الحاد الحالي، فضلا عن كونهما يتطابقان مع مبدأ "المشروعية" الذي لطالما ذكرنا به الرئيس القانوني. فاليوم التأزم فاق كل حدود الى حد تعطّل النشاط الحكومي في جزء كبير، وازمة الثقة فاقت التصارع بين مكونات الائتلاف الحكومي المتناحر (سياسيا) كل يوم، وتوسّعت الى ازمة ثقة من شرائح واسعة متعددة من داخل المجتمع ازاء الفخفاخ، على خلفية فضيحة تضارب المصالح. وكان من الاجدى وحسما لكل جدل ولتجاوز حالة العطالة التي اضرت بالوطن ومصالحه العليا وامنه القومي، ان يتم طلب الثقة على الحكومة ان لم يكن من ساكن القصبة فمن ساكن قرطاج لحسم الجدل وتجاوز المأزق، ولكن يبدو ان استاذ القانون الدستوري تعامى عن هذه الحلول الدستورية، المستوجب ان يقع استدعاؤها في مثل هذه التصدعات السياسية. وسعيد ايضا يبدو انه لم يلحظ فصول تكريس الحوكمة الرشيدة وحسن التصرف في المال العام والشفافية والنجاعة والمساءلة، موضوع الفصول 10 و11 و15 من الدستور، كما لم يلحظ مبادىء الشفافية والقيم والاخلاق السياسية والاستقامة والنزاهة، التي لا يتوان الرئيس الشفاف على تذكيرنا بها في كل خطاب ومناسبة. والظاهر ان سعيد ينساق اليوم وراء خطيئة اصلية péché originel، بعد خرقه للفصل التسعين للدستور في فقرته الثانية، الذي يفرض ان لا يمارس رئيس الحكومة واي عضو منها مهنة اخرى، وهو ما داسه استاذ القانون الدستوري عند ترشيحه الفخفاخ، واليوم لا يريد ان يعترف بخطيئته الاصلية، التي تجاوزت شغل مهنة ثانية الى شبهات فساد صارخة، ولذلك فهو يكابر ويعاند ويندفع للتغطية عنها بسلسلة جديدة من الخروقات. والامر لا يقف عند هذا الحد اذ حكومة فقدت مشروعيتها الاخلاقية امام شعبها، بعد فضائح متعددة خطيرة متعلقة بسوء التصرف وتضارب المصالح، كما فقدت مشروعية الاداء من خلال تعمق الاختلالات على عديد المستويات، حيث تتصاعد المخاطر الامنية في الجنوب، كما تتعدد الانهيارات الاجتماعية، في الكامور والدكاترة المعطلين وفي الحوض المنجمي وعمال الحضائر.. ولا يمكن سياسيا ومنطقا ان تستمر كما لا يمكن ان تستمر في شكل جديد مثلما اعلن الفخفاخ العشية في هروب الى المجهول.. وهذا في مناخ انهيار اقتصادي على خلفية جائحة كورونا، واختلال التوزانات المالية الهشة اصلا، مع امكانيات عودة الوباء لا قدر الله، ومع ذلك يختار سعيد الهروب الى الامام (بالاشتراك مع اتحاد الشغل) وتجاهل الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي والامني، فضلا عن المستوجبات القيمية والاخلاقية، وهو ما يضع مصلحة البلاد واستقلالها موضع استهداف عميق، المستوجب الاعلى المحمول على رئيس الجمهورية بموجب الفصل 72 للدستور.. الفصل المفتاح الذي على اساسه يتم تقييم اداء ووظيفة الرئاسة، وكان الاخلال في خصوصه مثيرا للغاية !! (*) باحث في الفلسفة السياسية وفي القانون العام