بقلم: شكري بن عيسى (*) الفوضى العارمة التي حدثت بالامس في معبر راس جدير.. وطلق النار الذي تعرض له احد الامنيين.. وغيرها من الاحداث التي رافقت تدفق القادمين من ليبيا.. تبعث برسالة قوية ان المقاربات الامنية ضيقة جدا بل وعاجزة عن مواجهة ازمة انسانية تعيشها جارتنا الشرقية.. تصريح وزير الخارجية التونسي بالتوازي (لشمس اف ام) الذي لم يستبعد فيه حصول "النموذج الصومالي" في ليبيا هو دليل فاضح على تخبط المقاربة التونسية ازاء الوضع الدقيق لهذا البلد الشقيق.. غياب مقاربة سياسية ودبلوماسية وانسانية وحقوقية شاملة بدا جليا واضحا.. الحكومة انطلقت بعبارات التهديد (بالغلق) والوعيد.. والتنبيه والاشتراطات والتذكير بالقواعد.. في الوقت الذي يتدخل فيه راس الدبلوماسية التونسية ويعطي ابشع الأنعات في اتجاه بلد يعيش ازمة دقيقة يوجه التنبيه للاجئيه بعدم التدخل في السياسة التونسية!!! الخطة التونسية المبنية على اولوية الامني اثبتت فشلها.. فلا هي استوعبت المشكل المعقد متعدد الابعاد ولا حققت النتائج التي بشرت بتحقيقها.. عمليا ولوجستيا وواقعيا لا يمكن غلق المعابر او الحدود مع بلد.. والجغرافي والتاريخي والانساني في الحالات العادية لا يسمح بذلك.. فما بالك في حالات الكوارث.. حيث تصبح الاغاثة تساوي الحياة.. والحياة يدافع عنها اصحابها حتى الموت.. في مواجهة بعض الالاف (في حدود عشرة الاف) حدث ما حدث.. فماذا لو كانت عشرات و مئات الالاف وملايين مثلما حدث في 2011.. لما كانت تونس في وضع ثوري تعيش انهيارا اقتصاديا وانفلات امني.. كيف ستكون نجاعة المقاربة الامنية!!!!؟؟؟ طبعا هناك حساسية للوضع داخليا في تونس.. استحقاق انتخابي عالي القيمة.. ووضع امني هش جدا.. ووضع اقتصادي دقيق.. وامكانية حصول انهيار امني واجتماعي مطروحة الى حد.. ولكن لا يمكن تجاهل حاجة اشقائنا الليبيين للاغاثة.. تونس متداخلة ليس جغرافيا وتاريخيا مع ليبيا بل اجتماعيا والنسيج الاجتماعي متشابك في الجنوب والمصالح الاقتصادية عالية.. التبادل التجاري والتشغيل.. والخدمات بين الصحية والسياحية.. عالية الحجم.. واليوم حتى باعتبار المصالح لا يمكن ادارة الوجه على ما يعانيه اشقاؤنا.. فغدا قد يقع التخلي عن خدماتنا.. التطاحن فعلا على اشده.. وليبيا اليوم اصبحت ساحة مفتوحة للتناحر السياسي الداخلي باذرع عسكرية واقتصادية.. ولكن ايضا ساحة لتنازع دولي واقليمي.. والرهانات عالية لاطراف النزاع المحليين والدوليين.. بقايا الثورة وبقايا القذافي في مواجهة بالتوازي.. غلق المطار وحرق 20 طائرة والحريق الهائل في خزاني محروقات في موقع يحوي قرابة 90 مليون لتر وقود.. وموت قرابة 60 قتيل في بنغازي و100 قتيل في طرابلس.. ومئات الجرحى.. وغلق اغلب الدول الاجنبية لسفاراتها واجلاء دبلوماسييها ورعاياها.. مظهر لبداية كارثة.. انطلقت شرارتها منذ عملية "الكرامة" المزعومة على يد حفتر منذ منتصف ماي الفارط بدعم خليجي.. ولا تزال في اوجها حتى بعد اندحار قوات الجنرال المتقاعد مساء الثلاثاء عن بنغازي.. تونس فرطت منذ سنوات ما بعد الثورة في التدخل الدبلوماسي واحداث التوازنات الممكنة ومحاولة قطع الطريق امام الهيمنة الاجنبية التي تستهدف الثورة الليبية والنفط الليبي ووحدة البلد.. وتسعى لخلق الفوضى لتحقيق اعلى درجات الاستفادة.. الحكومة الحالية بطريقة ادارة الشركات اغمضت عيناها على الانساني الحقوقي وعلى طريقة "البلاك ووتر" قررت رفع "العصا في وجه من عصا".. وعجزت عن معالجات دبلوماسية كان يجب ان تندفع فيها اكثر حتى من اندفاعها في ما اسمته حربها على الارهاب.. فالعمق الليبي عالي القيمة من الناحية الامنية والاقتصادية والاجتماعية وخاصة السياسية.. والاستقرار في تونس لا يمكن تحقيقه دون استقرار الوضع في ليبيا.. وكان يجب منذ الثورة احداث كتابة دولة في الخارجية خاصة بليبيا وتعديد البعثات نحو هذا البلد الشقيق.. وتعميق التعاون وخاصة السياسي الدبلوماسي.. تداخل تونس بين الفرقاء في ليبيا هو واجب اخوي ولكن ضرورة للنظام والامن العام التونسي.. الذي لا يمكن فصله عن النظام والامن العام في ليبيا الى حد توحد النظامين.. استيعاب الازمة الليبية اليوم ليس خيارا.. بل هو واجب وضرورة من اجل امن تونس.. ومواجهة امكانية تسريب الاسلحة او تسلل عناصر ارهابية او دخول ميليشيات يمكن ان يتم عبر التخطيط المحكم والتنظيم والمراقبة.. وايضا تشريك الليبيين اللاجئين.. انفسهم.. لأن فعالية اي حل امني تسقط على مدى حدود تفوق 500 كلم.. توحيد المواقف بين الرئاسة والحكومة ضروري.. ولا نفهم حقيقة اقتصار "خلية الازمة" على اعضاء من الحكومة دون اخرين من الرئاسة.. والقضية تتجاوز تونس لتشرك المجتمع الدولي من دول جوار اقليمية واوروبية وامم متحدة ومفوضية لاجئين.. ووجب ان تشمل داخليا المجتمع المدني والمواطنين.. الحل الامني في الخلاصة فضلا عن فشله الواقعي يمكن ان يتسبب في كوارث لتونس.. ويضاعف الخطر من تسرب اسلحة والزج بتونس في الفوضى.. التي يبرر بها انصار هذه المقاربة خيارهم.. فالضغط والمنع في وجه حالات دقيقة قد يسبب الانفجار.. ويخلق عداوة مبررة ضد تونس.. والتهديد بالغلق الذي رفعه جمعة لا يشكل لا دليل جرأة ولا تمسك بالسيادة الوطنية.. كما انطلقت "الكتيبة" في مدحه.. بل دليل قصر نظر.. وقصور في المقاربة.. فالانساني يتجاوز كل الاعتبارات.. و"عدم رد اللاجئين" و"حق الاغاثة" مبادىء قانونية واخلاقية.. عالية الاعتبار لا يمكن تحت اي مسمى انتهاكها.. وعندما تُقَيَّد القيم والاخلاق بين الاجوار فالانفلات والفوضى والانفجار يصبح اقرب الى الاستقرار لا قدر الله احتد التأزم في الصراع بين الزنتان ومصراتة.. في طرابلس.. وبين مجلس شورى الثوار وقوات حفتر.. في بنغازي.. وتداعت الامور الى الانهيار بمزيد سكب البنزين على النار من الدول الاجنبية الداعمة للصراع الدموي والتقاتل بين الاخوة الاعداء..