قرار هام للبنك المركزي التونسي..#خبر_عاجل    الإطاحة بمُنفذي "براكاج" لطالب أمام مبيت منفلوري..وهذه التفاصيل..    "أنقذتني الكتابة" ثلاث مرات من موت روحي محقق ...!!.    الشروع في تركيز قسم للدراسات العربية الإسلامية في الأكاديمية المكسيكية برئاسة الاكاديمي رضا مامي    تعزيز التعاون الثقافي وتطوير الشراكات الثنائية محور لقاء وزيرة الشؤون الثقافية بسفيرة الهند في تونس    حين يغيب الفكر والإرادة: العنف المدرسي يحصد الأرواح    الدكتور الهاشمي الوزير يُكرّم بوسام الاستحقاق الوطني الفرنسي    حمدي حشّاد يكشف تفاصيل مرتفع ''الأزور'' وتأثيره على تونس    عاجل: وفاة بوبكر بن جراد أحد أعمدة الكرة التونسية    تعيين التونسي محمد بن يوسف مديرا عاما للمعهد الثقافي الإفريقي العربي    "المعارضة النقابية" تدعو إلى مؤتمر وطني استثنائي لإصلاح اتحاد الشغل واستعادة الثقة    عاجل: لأول مرة... صبري اللموشي يوضح حقيقة الأخبار المتداولة حول رفضه اللعب مع المنتخب سنة 1994    عاجل-فلكياً: رمضان فيه 29 يوماً من الصيام كيفاش؟    عاجل/ مستجدات محاكمة عبير موسي في هذه القضية..    كيفاش تحضّر بدنك لمن غير تعب؟ خطوات عملية لكل يوم    341 مخالفة اقتصادية خلال شهر جانفي بهذه الولاية..    تونس: السجن ل 3 أشخاص حوّلوا البريد لأداة تهريب المخدّرات!    عاجل/ عقوبات تصل الى السجن وخطايا ثقيلة ضد مرتكبي هذه المخالفات..    بعد 6 سنوات من التراجع: سدّ سيدي البراق بنفزة يسجّل ارتفاعًا قياسيًا في مخزون المياه    جندوبة: نقص مادة الأمونيتر يثير قلق الفلاحين.. ومنظمتهم تطالب بالتدخل    عاجل : وفاة ممثل تركي مشهور عن عمر 45 عامًا    عاجل: تحذير من بطاقات صحفيّة مزوّرة تحمل شعار الجمهورية    عاجل: الترجي يعلن عن تفاصيل شراء تذاكر مباراة رابطة الأبطال السبت القادم    رئيس مدير عام لمركز النهوض بالصادرات: ''تونس تفرض قيمتها في اليابان.. حضور قوي في أوساكا 2025''    طبيب تونسي: الجراحة الروبوتية تُقلّل من النزيف والألم بعد العملية    مفاجأة بعد أسبوع واحد فقط من تقليل الملح.. هذا ما يحدث لضغط دمك..!    بطولة فزاع الدولية لذوي الهمم: ياسين الغربي يُحرز فضية سباق 1500م كراسي    الرابطة الثانية: تعديل في برنامج مواجهات الجولة الرابعة إيابا    لجنة الصحة بالبرلمان تستمع لجهات المبادرة في مقترحات تشريعية تتعلق بذوي الإعاقة وإدماجهم    عاجل/ بشرى سارة: نحو تعديل أسعار المساكن الاجتماعية وتسهيل اقتنائها..    بطولة الكرة الطائرة: برنامج مواجهات اليوم من الجولة الثالثة ذهابا لمرحلة التتويج    بشرى سارة للشباب العاطل عن العمل..#خبر_عاجل    الدجاج يسيطر على طاولة التوانسة: إرتفاع الاستهلاك ب 50 %    عيد الحب 2026: سؤال من 6 كلمات لازم تسألوا    خسائر كبيرة في فيضانات نابل : نفوق آلاف الحيوانات وإتلاف 800 بيت نحل    وثائق جديدة.. جيفري إبستين حقق حلم الفيزيائي ستيفن هوكينج على جزيرته    الخارجية الفرنسية تبلغ النيابة العامة بظهور اسم دبلوماسي في ملفات إبستين    الذهب يتماسك فوق 5 آلاف دولار للأونصة    فاجعة: كلب مسعور يمزق أجساد 13 شخصاً..!    رمضان 2026.. هذه أهم المسلسلات اللى يستنى فاها التونسي    عاجل: الإدارة الوطنية للتحكيم تكشف حقيقة لقطة هدف الافريقي    عاجل: إمكانية اسناد اللون البرتقالي التحذيري لهذه المناطق    ترمب يلوّح بحاملة طائرات ثانية إذا فشلت المفاوضات مع إيران    كاس ألمانيا: فرايبورغ يتأهل للمربع الذهبي على حساب هرتا برلين    مداهمات أمنية تُطيح بشبكات ترويج مخدرات بالوسط المدرسي بسيدي حسين    عاجل/ تونس تحت تأثير منخفض جوي جديد..أمطار وانخفاض حاد في الحرارة..    عاجل/كلاسيكو "الجدل التحكيمي": إدارة التحكيم تحسمها بخصوص مباراة الافريقي والصفاقسي..(فيديو)    الطقس اليوم.. أمطار متفرّقة ورعدية تشمل هذه المناطق..#خبر_عاجل    رئيس هذه الدولة يُعلن نجاته من محاولة اغتيال..شكون؟    عاجل/ إطلاق نار في مدرسة بكندا..وهذه حصيلة الضحايا..    تعزيز مقاربة "الصحة الواحدة" بين تونس ومؤسسة ميريو الفرنسية    هجوم أمريكي غير مسبوق.. سيناتور يتوعد مصر وتركيا وقطر    إطلاق «سينما الأجنحة الصغيرة» في غزّة .. عندما تتحوّل السينما إلى مساحة شفاء وأمل لأكثر من نصف مليون طفل    قناة "تونسنا" تطلق "هذا المساء وصابر الوسلاتي أول الضيوف    رؤية هلال رمضان مستحيلة...علاش؟    عاجل-باجة: اكتشافات أثرية ب هنشير الماطرية تكشف أسرار المعبد الروماني    عاجل/ تقديرات فلكية تحسمها بخصوص موعد أول يوم من شهر رمضان..    توزر: تسارع التحضيرات لشهر رمضان في المنازل وحركية في المطاحن التقليدية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



وسقطت الأقنعة في معركة الإعلام
نشر في الشعب يوم 15 - 09 - 2012

الصحافة مستهدفة والاعلاميون في فوهة العاصفة التي تسعى إلى وضع اليد على الاعلام العمومي واستئصال الأصوات الحرّة والرافضة ومحو بؤر المعارضة والممانعة من المشهد الاعلامي كي يستتب الإجماع ويسود الانضباط ويستأسد الخوف... وفي سبيل ذلك استنجدت الشرذمة النهضاوية بكلّ ما لديها من أسلحةثقيلة وخفيفة لمحاربة الاعلاميين الشرفاء الذين أبوْا الدخول في بيت الطاعة صاغرين أذلاّء ليصبحوا من جُنْدُ الطغاة الجدد وذلك بافتعال القضايا العدلية والاعتداءات الجسدية والمصادرة المكشوفة والصنصرة والإقالة وتنصيب الخدم والجلاوزة والذي لم تقتصر على الحقل الاعلامي بل مسّت كلّ مفاصل الدولة.. والأخطر في كل ما حدث استخدام القضاء والزج به في قرارات سياسية جائرة، وغني عن البيان أنّ هزّ مصداقية هذه المؤسسة ونسف استقلاليتها ممّا إيذان بنهاية العدل ومقدّمة لزوال المجتمعات لأنّ الصراعات السياسية أمر وارد ومقبول في أي مجتمع، أمّا أن يقحم القضاء فيها ويوظّف سلاحًا بأيدي من يملكون القوّة لفرض إرادتهم، فهذا لم يعد مقبولا ولا معهودا في أي مجتمع فما بالك بتونس الثورة...
وفي نفس الاطار وفي تطوّر لافت ومنعطف خطير أقدمت النّهضة على تعيينات بنفسجية نوفمبرية على رأس مؤسسات اعلاميّة دون استشارة هياكل المهنة تتمثّل في رموز إعلام العار التابعة لعبد الوهاب عبد اللّه ممّن تفنّنت في تزيين وتجميل الديكتاتورية وأضفت هالة من القدسيّة على المخلوع وجعلت منه وليا من أولياء اللّه الصالحين، وقديسًا لا يمكن الاقتراب منه، بل هو المصطفى الذي لا ينطق عن الهوى ولا يقول غير الحكمة ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من السماء، وأيّدت مسعاه ومأتاه في السرّاء والضرّاء، وكذّبوا كلّ من خالفه وفنّدوا ما قالوا ولو صدقوا، وأبغضوهم ولو أحسنوا، وكفّروهم ولو وحّدوا، ونعتوهم بالخيانة والعمالة مهما سموْا وتساموْا، وأحصوا حسناته وخرصوا على زلاّته ومزالقه، وحبّروا فيه كتبا ومقالات وأهازيج وحاكوا حوله قصصًا كلّما خيال، وأشاعوا ما أمكن عقيدة التوحيد حوله، وأذاعُوا سرَّ التأييد للقائد المغوار، وزعموا وأنّه واحد صمد وأنّ الوطن ما ولد غيره كفئا أحد، وتسابقوا أسبوعيا في وضع صوره المنمّقة في واجهة صحف الانحطاط والرخص والعمالة، واستشهدوا في مقالات الخزي والسّقم بأقواله الخالدة، عملوا وُشاة لدى عبد الوهاب عبد الله ومشوا بين زملائهم بالنّميمة لعلّ أوسمة العار النّوفمبرية توشّح صدورهم. وليس أدل على ذلك من تعيين قائد الانقلاب على نقابة الصحافيين في العهد البائد في منصب مدير عام لواحدة من أعراق الصحف التونسية «الصباح».. هذ هي النهضة تعيد إنتاج منظومة الاستبداد، واستنساخ سياسة اعلامية بنفسجية عليلة شعارها«ليس لنا مشكلة»، تريد صحافة محنّطة ولغة خشبيّة وخطابا فاقدا لأي مصداقية يذكرنا بصحافة أوروبا الشرقيةزمن السّتار الحديدي، خطاب قوامه الزركشة والزخرقة ودعائمه التكتم والتصحّر والتعتيم الممنهج لتضمن استمراريتها ووجودها وتتخذ منه حصنا منيعا يستر العيوب ويدفع الأذى، لأنّ تعدّده وانفتاحه قد يفتح على ملفات وسجلات أرادتها النهضة سريّة ومجهولة لدى الرأي العام... هذه الشرذمة تريد من الاعلام ان يكون بوقا لها، ينحاز لإنجازاتها الوهميّة ونجاحاتها المزوّرة ومكاسبها المزيّفة... ولكن الأحرار يردون وعلى تجار الدين المارقين بأنّهم سينحازون لضوء القمر في ليل الاستبداد الدّيني، سينحازون للشعب الذي تُطحَنُ ثورته بالسيوف والسكاكين والهراوات السلفيّة والبوليسيّة والميليشيات الزرقاء، سينحازون لصرخات الألم التي يطلقها أولئك الذين يتعرّضون للتّعذيب في محاضر الشرطة النهضاوية وسجون الكاهن الأكبر، سينحازون لفجر الحرية الذي أطل بنوره بأمل في حياة حرّة وكريمة، سينحازون لهذه الحريّة دون خوف، لأنّ الخوف قضى نحبه في هذه الربوع... فقل للذين يصادرون حرية الكلمة أنّهم أوباش وإمّعات تسبح عكس التيار، وقل للذين لا يعرفون سوى حزب واحد وزعيم واحد وجريدة رسميّة واحدة تنْهَقُ بإسمه أن يعودوا فيلزموا بحورهم وكهوفهم لأنّ الزمن غير الزمن والسياسة غير السياسة... لأنّّه لا وجود لأي صحافي على هذه البسيطة غير منحاز للحق تجاه الباطل، وللعدالة تجاه الظلم.. فهل يكون الاعلام حرّا دون أن يدين ويشهّر بجرائمهم وغطرستهم وإفلاسهم؟ أفيقُوا يا كهنة المعبد، لقد انهار العالم الوردي وكلّ ما بقي هو الكابوس ومخلّفاته، الجريمة ونتائجها.. وما جموع هذه الشرذمة الحاكمة الفاسدة للعنف والتصفية الفضائية والعزل للمناوئين الاّ ضعف من حيث أرادت لها أن تظهر قوّتها.. ولم تدرك بعد شعب تونس صار أقوى من القمع والبطش، ولكن من عادة الطغيان أنّه أعمى... هم لايفقهون وفي غيّهم سائرون، يرتكبون ما يرتكبون، وله مطالب شعبهم يتجاهلون.. انّهم ينتحرون وسيرحلون.. ولو نفعت هذه السياسة نظام بن علي لنجّتْهُ من السقوط التراجيدي، لأنّها ببساطة سلاح الضعفاء والمعزولين ووسيلة المهزومين الذين لا يرون لمستقبلهم أفقا عكس ما صرّح به صهر الكاهن الأكبر والتلميذ النجيب من أن حكمهم سيستمرّ لسنوت وأنّهم لا يفعلون سوى تطهير الاعلام حتى لا يتحوّل الى منابر للدعاية المعادية لهم.. مسكين هذا الجاهل يتوهّم أنّه يتعامل مع أطفال أو قطيع من الأنعام يدجّل عليه أو يعيد على مسامعه ما تلقّنه من المرشد الأعلى.. ونحن نسأل هل بصحافة المجاري التي تمارس التّخوين والتّكفير والتّحريض في تجاوز صارخ لكل الضوابط الأخلاقية والقانونية في حملة مترعة بالحقد والكره لشيطنة وتشويه المناضلين والأحرار يقوم بها مرتزقة ومسوخ ومشوهون مصابون بالهذيان والحُمّى سيستمر الحكم لسنوات يا وزير الهانة والغلبة؟ العجب كل العجب من زمن يستبدّ فيه الجبن والنّذالة والخسّة بصحافيين، فلا يقدرون على بلوغ الرشد والأنوار ويستطيبون العيش في الكهوف والزوايا المظلمة، ولا يتكلّمون إلاّ بلسان السلطان ولا يسلكون الاّ وفق تعاليمه.. رهط من الاعلاميين افتقد ملكة العقل واتخذ من التطاول وسبّ المعارضين سببا للبقاء على مسرح الأحداث، وكفّنته التعليمات والمنافع والغنائم وعلّبت أفكاره... ولكن التاريخ لن يرحمهم وسيلقي بالمرضى نفسيّا والمرتشين والمزيفين الى مزبلته. أمّا لماذا ؟ لأن لا شيء ثابت ان حنفيّة المجاري المفتوحة على مصراعيها هذه الأيام ستُثني المستهدفين عن المضي قدما في نضالهم وكفاحهم، لأنّهم ليسوا من الهشاشة بمكان حتى تُغيّر صحف صفراء بوليسية ومخابراتية قناعاتهم فيتخلّوا عن مسار طويل من العمل الوطني ويهرعوا صاغرين الى مأدبة هذه الشرذمة الحاكمة والتي كان عليها أن تحمي كرامتنا وأعراضنا من صراصير استباحت أعراض الناس وارتضت لنفسها أن تقتات من انتهاك حقوق الآخرين، بيْد أنّها تستمرئ هذا الصّنيع في حق خصومها والسيد نورالدين البحيري رئيس النيابة العمومية كلّه سعادة وغبطة بهذا السلوك المشين، والشيء من مأتاه لا يستغرب.. هذه النيابة التي تتحرّك بفاعلية قُصوى مع نبيل القروي وبن سعيدة وعادل الحاجي وسفيان الشورابي وسامي الفهري وغيرهم.. ولكن، ويا لسخرية القدر! أرادوا أن يحاكموا صحافيين منحهم القدر شرف فضح هذه الشرذمة الزرقاء، فدافعوار عن أنفسهم بشجاعة الأبطال في حضرة عمائم ترتدي بزّة القضاء في الداخل، وميليشيات وغوغاء في الخارج... في الداخل قاض ليس محايد، بل طرف يجادل ويصيح ويتوتّر ويغضب، وفي الخارج بطلجيّة نهضاوية مدجّجة بالهراوات والسّلاسل لقمع أي تحرّك تضامني معهم.. داخل المحكمة محامون شرفاء يخوضون معركة ليس في إطار القانون سعيا إلى تكريس الحق وإظهار العدل وتبرئة منوبيهم، بل في اطار اللاّقانون، في عمق أدغال قانون الغاب، وخارج المحكمة كلاب سائبة مسلحة بالارهاب والحقد والكراهية تنتظر التعليمات والأوامر من الولي الفقيه لتُعربد.. حاولوا إذلال الصحافيين، فاكتشفوا انهم لا يذّلون.. أرادوا ان يروهم ضعفاء مستسلمين طالبين الصفح والعفو، فأظهروا لهم كبرياء وشموخا وإباء وأنفة وبسالة محاربين لا يرفّ لهم جفن في قول الحقيقة.. عملوا على إهانة القروي وبثينة قوية والحاجي وحتّى أيوب المسعودي، فأهانوهم وفضحوهم.. سارعوا الى محاكمتهم بتهمة حرية الكلمة والتعبير فحاكموا نذالتهم وبؤسهم وسفالتهم. لقد أريد لهذه المحاكمات (صحافيين، نقابيين، سياسيين) ان تكون زجرا وترهيبا لكل مكونات المجتمع المدني، فكانت مهزلة وفضيحة مدويّة لأسوأ ما عرفته تونس الثورة من إهانة لقيم الحق والعدالة والقانون، وستظلّ عارًا وشنّارا يلاحق بالخزي والسخرية كل الذين تورّطوا في تأليفها وإخراجها.. بكل أسف نلاحظ تحوّل الضحية في العهد البائد الى جلاّد أسوأ من جلاده السابق، يعذّب النقابيين والموقوفين، والتعذيب ليس دليلا على الوحشية والحيوانية فقط، بل برهانا لا تخطئه البصيرة على الافلاس التام لهذه الزمرة الحاكمة بأمنها وميليشياتها وقضائها ومؤسساتها.. وماذا ننتظر أكثر من ذلك؟ ليس أمامنا الاّ أن نبكي ونحزن ونطلق عقيرتنا بالصياح على ما صنعنا بأنفسنا.. نحن من جاء بهم من كوكب مظلم لا قبس من النورفيه.. ووقعنا وياويلنا في شرهم ولا نلوم إلاّ أنفسنا.. فقد كانت هناك وقائع كثيرة تدلّ على معدن وطينة هذه الحركة .. كانت صورتها عارية: شياطين إنس بسلاسلهم وأصفادهم وأقفاصهم جاؤوا لينتقموا وينهبوا ويدمروا بلدا له ثلاثة آلاف سنة حضارة... كيف لم ننتبه؟ منهم من خرج من الكهوف، وآخرون عادوا من عاصمتيْ النور والضباب ليسرقوا ثمار الثورة ويُلوّثوا دماء الشهداء الزكية لتصبح مثل وجوههم وضمائرهم.. أترانا ندرك حجم الخطيئة التي ارتكبنا؟ لقد استقبل الخليفة السادس وفد من نقابة الصحافيين ولم يبخل علينا كالعادة بابتسامته الصفراء موهما الناس أنّه يتحاور!؟ وأغدق الوعود ولكن بعد قليل أُدين سامي الفهري من أجل برنامج سياسي ساخر ينتقد أعضاء هذه الشرذمة ورجاءً لا تُقنعونا بغير ذلك. وتصدر فيه بطاقة ايداع بالسجن في نفس اليوم الذي أصدر فيه الرئيس المصري مرسوما يحضر سجن الصحافيين احتياطيا واعدا بثورة تشريعية في الغرض.. ولكن كيف لنظام القمع والارهاب ان يخوض حوارا حقيقيّا أو يتخذ هكذا قرارات؟ وأي مصلحة له في ذلك وعقيدته قائمة على البطش والفتك والحوار مع العبيد فقط؟ وأي حوار هذا الذي لن ينتهي الاّ بعد أن يتمّ الإطباق على كلّ مفاصل الدولة وإخضاعها إلى العمامة وتحويلها إلى إمارة أو خلافة وقتل وسحل وسجن كل من ينتظرون نتائج هذا الحوار في المستقبل غير المنظور؟ لقد أثبت حزب النهضة أنّه حزب جمود عقائدي لا يرى ولا يسمع ولا يستوعب التحوّلات والمتغيّرات، أثبت أنّه حزب انتهاكات لا حزب حريّة، حزب مصادرة للفكر، لا حزب أفكار فحتى المرأة ينظرون إليها عورةً رغم أنّ الإسلام دين حرية ومساواة للمرأة ومنحها الاحترام وحرم استعبادها وإذلالها وجعل منها شريكًا للرجل ولنا في السيدة خديجة أبلغ مثال حين كانت سيدة على الرجال وتعمل معهم، والغريب أن حتى جيوب الردّة النسويّة في المجلس التأسيسي تبْدو أنّها تخوض معركة مع الشّق وليس لهن غير عوراتهن يفتخرون بحفظها في الوقت الذي تخوض فيه المرأة التونسية معركة التحرّر والمساواة الكاملة بعد ان شعرت أن المشروع الحداثي يتراجع ولا يترك لها الاّ العورة تشتغل بها. الحقيقة التي لا مراء فيها أنّنا انتخبنا أفّاقين وشذّاذ آفاق ودجّالين استعْدَوْا الجميع حتى الأقلام الحرّة التي انتصرت للشعب وهو في عزّ محنته، وساندته وشدّت من عزائمه وغامرت بحياتها من أجل حريته، ولكن حين يصبح المشروع السلفي الذي يمثّله اخوان الضّلالة والظلام هو البديل، فالديكتاتورية السياسية أهون بكثير، على الأقل بن علي لم يقل يوما أنّه ينطق باسم الله ويحكم بشرعه، ولئن كفرنا في حياتنا، فإنّه لم يفعل في ديننا شرّ صحيح ولكنّه أهون من هذا البلاء الأزرق لأنّ ديمقراطية العقائد المتزمتة والمغلقة والمتعصّبة ليست سوى مشروعا للانتحار الجماعي وبالتالي فإيديولوجي نصف رشيد يتحدّث باسم الشعب خير من ايديولوجي أعمى يتحدّث باسم الشعب.. وإذا كانت النّهضة ترتكب بحق الشعب والدولة الجريمة تلوى الأخرى باسم الديمقراطية والشرعية فكيف يلام نظام بن علي على ما ارتكبه وهو القادم الى الحكم بانقلاب لا شرعية له؟ تصرّف بن علي ديكتاتورًا، ويتصرّف الغنّوشي خليفةً. فأين الاختلاف؟ جرائم بن علي مماثلة للنظام الذي خلفه، فكيف نحاسب واحد ونتجاهل الآخر؟ ونزيد في حرقة السؤال اذا كانت السلطة القائمة اليوم تزعم الشرعيّة، فلماذا الخوف من الرأي الآخر؟ لماذا دولة الخوف إذا كانت تحكم بالحق والعدل؟ لاشيء واضح، ولكن الثابت انّ الثورة ضدّ الطغيان لم تنته والمواجهة مازالت على أشدّها، وشعب تونس صنع حدثا وتاريخا ولن يرضخ ويستسلم لهذه الطّغمة وسيكون شديدا على الخونة واللصوص... سيصنع التاريخ مجدّدا وسيحاول انتاج الأسطورة من جديد، سينهض كطائر الفينيق ليصنع المعجزة مرّة أخرى ولن يبخل على الوطن بأبطال جدد ليطرقوا باب الخلود... نحن ندرك أنّ المعركة لم تكن سهلة ولا هي سهلة اليوم أو غدا، ولكن من أسقط عرش الجنرال بن علي، سيجبر هذه الخفافيش على الهروب في جنح الظلام.. يا ويلهم؟ لقد ساقهم القدر الى هذا الشعب كي ينتحروا والتاريخ لا ينجز أعماله العظمى دون تضحيات عظمى.. جاؤوا مثل الجراد، غزاة ومرتزقة ومطايا ليتربعوا على قمّة السلطة بعد أن خدعوا الناس بأنّهم سيحتكمون الى كتاب الله في تصريف شؤونهم، قدموا أنفسهم أنّهم أوصياء
على خلق اللّه، وفاتهم ان لا وصاية لأحد على أحد ما عدا اللّه.. فالحكم للّه وحده وحتى الرسول برّأ نفسه من أي سلطة دينية لأنّه مُبْلغ عن الله كلماته لا غير. فكيف يزعم مخلوق أنّه وصيّ على دين اللّه، في الأخير، ليعلمْ تجار الدين وزبانيتهم أنّهم عندما يحكمون بقسوة، فلا يبْكون اذا حكم عليهم بقسوة أشد وعندما يرسلون قطعان السلفية لإرهاب الناس وترويعهم، فليس عسيرا أن يعيشوا هم ذلك مجدّدا.. شيء من عدالة الواقع هو ما سوف يشكّل قدرهم... لا يوجد قانون يسمح بذلك (الانتقام والثّأر) ولكنّه عدل، فمن زرع حصد.. هكذا نحن وهذا قدرنا ننجح ونفشل، ولكن بعد كل فشل نعود أقوى ممّا كنّا، نبْني ونُعيد البناء.. صنعنا مجْدا، وقادرون على صنع آخر أعظم منه.. واللّه لن يضيع بلدا فيه أحرار كالمسعودي والحاجي وقويعة ونجيب الشابي وحسين العباسي وشكري بالعيد والناصر العويني والصغير أولاد أحمد ومية الجريبي وأحلام بالحاج وحمّة الهمامي وراضية النصراوي وغيرهم...


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.