النهضة تؤكد على تشريك المرأة والشباب في تشكيل الحكومة    النهضة تؤكد: الحبيب الجملي شخصية مستقلة    عماد الدائمي يُعلن الحرب على الفساد    ليلى حدّاد إطلاق سراح الفهري بفضل شركة المحاماة لسمير ديلو    على الشريط الحدودي: العثور على «ثروة» مهرّب مدفونة تحت الأرض    تفكيك شبكة مخدرات زعيمها يتعامل فقط مع ابناء الميسورين والمشاهير في المطاعم    أريانة: عون أمن ينجو من محاولة قتل (صورة)    نجم الزيارة مهدي عياشي يكسر كل قواعد «ذو فويس» واحلام وراغب يلقبانه ب«سيد درويش» العصر!    نتائج الرابطة المحترفىة الثانية    برمجة قطار جديد ينطلق من محطة حمام الأنف في اتّجاه تونس    صفاقس ضبط شاحنة بصدد بيع 25 طنّا من السميد لإحدى المداجن    ''كوجينة جنّات والورقة الي بين سليمان وزينب''.. خفايا شوفلي حل بقلم حاتم بلحاج    ايرادات القطاع المالي ببورصة تونس تنمو ب، 9،6 في ظل تراجعات طالت قطاعي توزيع السيارات و الاتصالات    العاصمة: ايقاف عناصر عصابة سرقوا 300 مليون في سطو مُسلح على محل تجاري    تقنية طبية تعيد شابًا إلى الحياة بعد إصابته بسكتة قلبية مفاجئة    الأمين الشابي يكتب لكم: إلى روح الطفلة مهى التي قضت غرقا... «القافلة»    وفاة فنانة لحظات قبل إحيائها حفلا غنائيا ضخما    على هامش جلسته التقييمية: النجم الساحلي يحقق فائضا ماليا هاما.. والديون تناهز 50 مليارا    تفاصيل الأمر الحكومي الجديد المتعلق بتنظيم استغلال صيدليات البيع بالتفصيل    فيديو.. رئيس الجمهورية يستقبل مجموعة من شباب القصرين    صفاقس :اقليم الحرس الوطني يضرب بقوّة ويحجز 25 طنّا من السميد    سوسة: العثور على جثة رضيع حديث الولادة بأحد المصانع    التلفزيون الإيراني: إصابات في صفوف المتظاهرين وقوات الشرطة في عدة مدن إيرانية    حقل "نوّارة" يدخل حيز الاستغلال موفى 2019 ويسهم في التقليص من العجز الطاقي بنسبة الثلث    الاهلي المصري يحدد يوم 26 نوفمبر موعد تحوله الى تونس لملاقاة النجم الساحلي بابطال افريقيا    البوصلة : الحكومة لم تصدر سوى 10 أوامر حكومية من أصل 38 تتعلق بتفعيل مجلة الجماعات المحلية    قفصة.. حجز أكثر من طن من المواد والأسمدة الفلاحية    من لقاء ليبيا: الأولى لعبد النور 965 يوما.. الخاوي يفتتح عداده التهديفي.. ولأول مرة يغيب المحليون عن تشكيلة النسور    بين 20 و22 نوفمبر 2019.. تنظيم أول معرض للمياه المعالجة في تونس    تونس: صدور القائمة النهائية لمستشاري رئيس الجمهورية بالرائد الرسمي    باريس : إشتباكات بين المتظاهرين والشرطة ..غاز مسيل للدموع وإيقافات    مدرب أنتر ميلان يتلقى تهديدات بالقتل    الدورة الخامسة لمعرض هدايا الصناعات التقليدية فرصة لترويج منتوجات الحرفيين    بطولة العالم للالعاب القوى لذوي الاحتياجات الخاصة: 13 ميدالية لتونس منها سبع ذهبيات    الديوان الملكي السعودي ينعي أميرا من الأسرة الحاكمة    العاصمة.. إيقافات وحجز ومحاضر في حملة أمنية    تفاعلا مع السياسة، مطعم في صفاقس يقدم ''مقرونة كذابة'' و ''حمام محشي'' بسعر ''رخيص جدا ''    توقعات الأبراج ليوم السبت 16 نوفمبر 2019    تصفيات كأس افريقيا-التحضيرات لمقابلة غينيا الاستوائية: حصّتان في تونس قبل السفر يوم الأحد    أبرز اهتمامات الصحف التونسية ليوم السبت 16 نوفمبر    قرمبالية.. وفاة شخص وإصابة آخر في حادث بين شاحنة وسيارة    اتحاد الشغل يدعو الحكومة إلى المطالبة بعقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن لإدانة العدوان على غزّة    الكيان الصهيوني يخرق الهدنة ويستهدف غزة من جديد    قفصة.. انطلاق الأيام الطبية محمود بن ناصر بمشاركة 100 طبيب    كتب بخط قيس سعيد: نص تكليف رئيس الحكومة يثير اعجاب رواد "الفايسبوك"    بطاقة فنان متميز تثير جدلا بين الفنانين و مدير ادارة الموسيقى يتساءل... .لماذا لا نريد التميز ؟    غدا بمسرح الأوبرا ..حفل موسيقى الباروك «Une nuit à la cour»    عائشة بيار «إذاعة صفاقس» : تونس اليوم بعد الانتخابات تكتب تاريخا جديدا    طقس اليوم: تقلبات جوية متوقعة ورياح تتطلب كل اليقظة    نادي منزل بوزلفة.. مواجهة وادي الليل بالتشكيلة المثالية    أمريكا تدعو حفتر إلى وقف هجومه على طرابلس وتحذر من تدخل روسيا    قتلى في انفجار وسط بغداد.. ومطالب "إسقاط النظام" مُستمرة    القيروان .. مداهمة محل عشوائي لتعليب الزيت المدعم    طرق الوقاية وعلاج إحمرار العين عند الأطفال    قشور الموز تخفض الوزن    متابعة/ «سناء» بعد أن أبهرت التونسيين بصوتها مع جعفر القاسمي تكشف ما تعرضت له من عائلتها    الاحتكار ضار بالاقتصاد والمجتمع    الاحتكار إضرار بحاجة الناس    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





لأن وجودها من وجوده... فلا مكان لك يا سقراط
أفكار متقاطعة
نشر في الشعب يوم 26 - 10 - 2013

نام الملازم الأول سقراط الشارني ابن الكاف العالية، نام واقفا في قبره ليلة الخميس 24 أكتوبر، ومعه نام شهداء الحرس الوطني وقوفا... ناموا وقوفا لأنهم تعلّموا من سقراط اليوناني «أن الموت ليس إلا فزّاعة»... وبالمقابل شاهدنا رئيس الحكومة علي العريض متسربلا بالذل والخوف والذعر لأنه لم يتعلّم من الفيلسوف سقراط أنّ «قلة الدين وقلة الأدب وقلة الندم عند الخطأ وقلة قبول العتاب أمراض لا دواء لها»...
لقد كان الأجدى برئيس الحكومة المؤقتة أن يقوم بتسجيل مقطع فيديو ويبثه على شبكة التواصل الاجتماعي، مثلما فعل سابقا، ويقي الصحافيات والصحافيين شر الانتظار المقيت الذي فاق الساعات الخمس...
وكان الأجدى برئاسة الحكومة أن لا تقرن كلمة العريض بالكارثة التي أودت بحياة ستة أعوان من الحرس الوطني بسيدي علي بن عون، فشهود العيان أكدوا أن إطلاق النار بدأ في الساعة الثانية و35 دقيقة، في حين أن علي العريض كان من المفترض أن يلقي كلمته في الساعة الحادية عشرة... ثم الساعة الثانية بعد الزوال... لينطق على الساعة السابعة مساء...
وكان أيضا الأجدى بالسيد علي العريض أن يحيلنا على آخر خطاب ألقاه باعتبار أن ما قاله مساء الأربعاء 23 أكتوبر لم يختلف عما أدلى به سابقا، فحكومته شرعية، والمعارضة فاشلة ومهمة الحكومة محاربة الإرهاب...
كان الأجدى كذلك بالسيد محمد المنصف المرزوقي رئيس الجمهورية المؤقت أن يعلن في كلمته ليلة الأربعاء الحداد الدائم، بدل الخروج كل يومين أو ثلاثة لإعلان حالة الحداد إثر العمليات الغادرة التي تستهدف الأمنيين في مختلف جهات البلاد...
ولكن أعتقد جازما أنه كان الأجدى بالطبقة السياسية والمدنية والحقوقية والنقابية وبمختلف الفئات الشعبية التي خرجت يوم 23 أكتوبر إلى الشوارع... كان الأجدى بها أن تستوعب جيدا... أن فاقد الشيء لا يعطيه...
+++
أثناء الحرب العالمية الثانية كان الجنود السوفييت يغنون أغنية تقول: إذا فقد الجندي ساقيه في الحرب يستطيع معانقة الأصدقاء... إذا فقد يديه يستطيع الرقص في اﻷفراح وإذا فقد عينيه يستطيع سماع موسيقى الوطن... وإذا فقد سمعه يستطيع التمتع برؤية اﻷحبة... وإذا فقد الجندي كل شيء يستطيع اﻹستلقاء على أرض وطنه... أما إذا فقد أرض وطنه فماذا بمقدوره أن يفعل...
وإننا اليوم بصدد فقدان وطننا... تونس، بعد أن فقد الشعب التونسي أمله في تحقيق «السميق» الحياتي من أمن وشغل وحرية... وها نحن نتحول تدريجيا من العيش في وطن إلى العيش داخل ثكنة واسعة تمتد على مساحة 162 ألف كيلومتر مربع ولا شعار لها سوى ذاك المبدأ الأصولي القائل «إذا تعارض سببان فالأجدر أن نتحمّل الحد الأدني بدل الحد الأقصى»، وما الحد الادنى إلا الحكومة المستبدة فهي أفضل من «الفتنة»...
لقد فشلت الحكومة الحالية في كل شيء إلا في نزع صفة «المؤقتة» عنها، فقد حولت كل الأنظار عن طبيعتها الزائلة وجعلت من «الإرهاب» مشجبا دائما تعلق عليه فشلها من جهة وتستثمر الوقت من الجهة المقابلة لتستمر في وثبها الحيواني على السلطة... ولعل اقتران العمليات الإرهابية في كل مرة بانسداد الأفق أمام الحكومة خير دليل على ارتباط وجودها بوجوده...
ضمان الجيش والأمن هو الهاجس الذي يؤرق حلم حركة النهضة (مثلما قال الغنوشي) حتى تجثم على صدر تونس إلى ما لا يعلمه إلا الضالعون في الاستبداد (مثلما قال خذر)، فكانت التعيينات المدروسة على رأس المؤسستين أولا ثم شن حرب على النقابات الأمنية وتشويه المنتمين إليها وفي نفس الوقت استخدام أخطر الأسلحة ضد المدنيين (الرش) وتدجيج الشوارع والمدن بما منحته قطر وتركيا من أدوات القمع لا لحماية المواطنين بل لترهيبهم واستعراض القوة والجبروت... وبعد الفوشيك الليلي ها نحن ندخل المرحلة الأخيرة وهي التصفيات الجسدية المدروسة التي طالت العسكريين في الشعانبي ثم الأمنيين في قبلاط وأعوان الحرس الوطني في سيدي علي بن عون بعد عودة «الأخوة المجاهدين» من سوريا وقد تعلموا وتدربوا على فنون الغدر وعادوا إلى «كفار» تونس وعلمانييها وسافراتها لاستباحة دمهم في المراكز الأمنية وفي واضحة النهار... ولكن دائما وأبدا عند انعزال «إخوتهم في الحكومة»... ومع كل عملية غادرة «تبشرنا» الحكومة بمطاردة «المشتبه بهم» أو بحجز بعض الأسلحة والذخائر وطبعا سيتم فتح تحقيق قضائي لن يُغلق كالعادة... ووحدها الجنازات الشعبية لشهداء الوطن تدفع الظلمة عن أعيننا...
ولكن هل سيتواصل صمت المؤسسة الأمنية والعسكرية أمام تساقط أبنائها وأمام الإصرار على تخريبها من الداخل للانقضاض عليها؟ أعتقد أننا بتنا على قاب قوسين من انقلاب أمني وعسكري وشيك على الحكومة السياسية، فالأرواح المتساقطة هنا وهناك ستكون الجسر الأخير لبداية مرحلة جديدة، مرحلة ستثبت فيها المؤسسة أنها قادرة على إخماد جيوب الإرهاب والكشف عمن يموّلها ويسهّل مهماتها القذرة... فهل يُعقل أن مؤسستين عمرهما يتجاوز نصف قرن يستعصي عليهما كنس مجموعات من الأنفار المتناثرين في المغاور والدهاليز... مجموعات نصفها كانت الأعين الرقيبة زمن بن علي ويعرفهم الأمنيون واحدا واحدا... ولنا في الجيش الحر السوري خير مثال على نجاحه في دحر المخربين والإرهابيين القادمين من عدة بلدان مدججين بالأسلحة والمال...
الواجهات مفتوحة على كل من يرفض استمرار هذه الحكومة، فقائد القوات المسلحة الذي يصل متأخرا إلى الثكنة العسكرية بالعوينة يوم 18 أكتوبر لتأبين عونيْ الحرس الوطني يحيل الأمنيين إلى القضاء بعد أن رفعوا في وجهه بمعية العريض وبن جعفر شعار «ديقاج»، ورئيس الحكومة علي العريض وقف قاموسه اللغوي عند كلمتي «المغامرين» و»الفوضويين» لينعت بها المعارضة التي أوصلته إلى الحكم ويتوعدها في كل مرة، وبالمثل، لم يخرج رئيس المجلس الوطني التأسيسي من جبة «الجبهيات» الزائفة وصار مثل رقّاص الساعة يتنقل بين المقرات الحزبية بحثا عن توافق موهوم... فوق أرض مضرجة بالدماء والدموع...
هكذا نفقد تونس بين حرب نارية يلعلع فيها الرصاص على صدور الأمنيين والعسكريين وحرب كلامية يشنها الفريق الحكومي في خطبه الرسمية وعبر المنابر الإعلامية، وحرب سياسية تعصر خاصرة الوطن بأدوات قديمة أثبتت فشلها في كل مرة...
ولكن، ورغم كل هذه الحروب، سيظل النشيد الرسمي موسيقى الوطن وسيظل العلم التونسي عاليا ولن ننكّسه حدادا على شهدائنا لأنهم ماتوا وقوفا لأجلنا ولأجل حريتنا... ولن يكونوا «جثثا في حالة وفاة»... بل هم أيقونات نار ونور لدرب جديد أوله ليس ببعيد... لأن الشعب التونسي بدأ يتعلّم حكمة سقراط التي يقول فيها «إن كان ضيوفي عقلاء فعلى المائدة ما يكفيهم، وإن لم يكونوا عقلاء فعلى المائدة أكثر مما يستحقّون»...


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.