الديوانة: إعلانات مناظرات منسوبة إلى الديوانة لا أساس لها من الصحّة    أرقام صادمة.. كيف أثر فيروس كورونا على اقتصاد العالم؟    هذه الدول تبيع جنسيتها بأسعار مخفضة بسبب أزمة كورونا    إحالة إعلامي لبناني للمحاكمة بتهمة الإساءة إلى تركيا    طقس اليوم: ارتفاع درجات الحرارة و امطار متوقعة ببعض الجهات    الفسيفساء في عين حمام    أعلام من الجهة    ارتفاع عدد الأطباء المتوفين في مصر بسبب كورونا إلى 105    القصرين: القبض على الأجانب الأربعة المصابين بكورونا والفارّين من مركز الحجر الصحي الإجباري    159 إصابة جديدة بفيروس كورونا في ألمانيا    وزير بريطاني: لا حاجة لارتداء الكمامات في المتاجر    اليوم: اجتماع أوروبي يبحث العلاقات مع تركيا    شورى النهضة يقرّر ..تكليف الغنوشي بإطلاق مشاورات حول بديل الفخفاخ    مع الشروق.. مسؤولون... بلا «باك»    استراتيجية الحوكمة المحلية    القصرين: القبض على الأجانب الفارين من مركز الحجر الصحي    مسؤول قطري: تجربة استثنائية بانتظار مشجعي مونديال 2022    اللجنة الفنية والعلمية المكلفة بملف ادراج جربة في التراث العالمي تنطلق في اعداد مخطط عملها    طقس اليوم..الحرارة في انخفاض    شبهة تضارب المصالح الموجهة لرئيس الحكومة : مجمع سوتام فاليس يوضح    الجزائر: نأمل انتهاء الأزمة الليبية ونرفض التقسيم    لا شيء يمنع التيار و حركة الشعب من المشاركة في الحكومة الجديدة    بسبب شبهة رشوة: الاحتفاظ بطبيب نساء وتوليد في سيدي بوزيد    عبير موسي تعلّق على قرار شورى النهضة    برشلونة يعلن: نهاية موسم غريزمان    وزارة الداخلية: احباط 4 محاولات اجتتياز للحدود خلسة وضبط 59 على شخصا بكل من المحرس وسوسة ونابل    نجم المتلوي يتعادل ( 0 - 0 ) مع هلال الشابة    مشاركة هامة في الجولة الثانية لكأس تونس لسباق الدراجات الهوائية بمنوبة    يوميات مواطن حر: قد يعاد على جيلنا القادم هراء التغيير    البابا متالم بعد تحويل متحف ايا صوفيا إلى مسجد    نفطة: مربو الأغنام والإبل يشتكون من الإستيلاء على أراضي الدولة    الجامعة التونسية لكرة القدم توفر تربصا مجانيا باسبوع لفائدة اندية الرابطة الاولى    دراسة تؤكد: قرابة نصف المؤسسات السياحية سرحت جزءا من أعوانها    جربة: جيش البحر يحبط رحلة «حرقة» ل8 تونسيين    ايقافات وحجز في حملات للشرطة البلدية    عدنان الشواشي يكتب لكم : لا تنسوا أنّنا نحن الذين إنتخبناكم    مخلوف: شرطة الحدود بمطار جربة توقف الدكتور محمد هنيد    مدرب أتلانتا بعد هدفي رونالدو من ركلتي جزاء: هل نقطع أذرع اللاعبين؟؟!    صورة: كادوريم ''الحمدلله لقيت المرا الي نحبها و نتمناها''    الفنان قصي الخولي وزوجته مديحة التونسية يحتفلان بعيد ميلاد ابنهما (صور)    جندوبة: ضبط شخصين بصدد اجتاز الحدود البرية خلسة    تاجيل الجلسة العامة الانتخابية للجامعة التونسية لكرة اليد الى ما بعد اولمبياد طوكيو    ارتفاع في الحرارة مع ظهور الشهيلي محليا وتوقع نشاط خلايا رعدية بعد ظهر الاحد بالوسط الغربي    الجيش الليبي يحدد شروط فتح حقول وموانئ النفط    استمرار الاحتجاجات في مالي.. والرئيس يعلن حل المحكمة الدستورية    أشهر روايات عن الحب    أغنية لها تاريخ: «لوكان موش الصبر»....أغنية واجه بها «منتقدي» حبّه    باكالوريا 2020: فتاة تقدم على الانتحار بعد ان ضبطت في محاولة غش    وزير الفلاحة: صابة الحبوب لن تغطي سوى 5 أشهر من الاستهلاك    في لقاء بمقر الجامعة: الجريء ينطق بلسان حمودية.. ويؤكد أنه لن يترشح لرئاسة النادي الإفريقي    بن علية: العائدون على متن باخرة دانيال كازانوفا من مرسيليا منذ 1 جويلية الجاري عليهم التزام الحجر الصحي الذاتي    وزير الفلاحة أسامة الخريجي من المهدية..7 ملايين قنطار تقديرات صابة الحبوب    ثقافة تخريب المركز، و سيكولوجية الفوضى!!.    وعلاش هالفرحة الكلّ بحاجة خاصّة بلتراك..    صلاح الدين المستاوي يكتب: أربعينية الشاذلي القليبي غاب فيها ابراز رؤيته التنويرية للاسلام    أبو ذاكر الصفايحي يعجب لأمر البشر: ما أشبه قصة مايكل جاكسون بقصة صاحب جرة العسل    محمد الحبيب السلامي يسأل: رئيس حكومة يصلي خلفه كل الأحزاب...    أريانة: حجز 30 طنا من السكر المدعم و3 أطنان من المخلّلات المتعفّنة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





لأن وجودها من وجوده... فلا مكان لك يا سقراط
أفكار متقاطعة
نشر في الشعب يوم 26 - 10 - 2013

نام الملازم الأول سقراط الشارني ابن الكاف العالية، نام واقفا في قبره ليلة الخميس 24 أكتوبر، ومعه نام شهداء الحرس الوطني وقوفا... ناموا وقوفا لأنهم تعلّموا من سقراط اليوناني «أن الموت ليس إلا فزّاعة»... وبالمقابل شاهدنا رئيس الحكومة علي العريض متسربلا بالذل والخوف والذعر لأنه لم يتعلّم من الفيلسوف سقراط أنّ «قلة الدين وقلة الأدب وقلة الندم عند الخطأ وقلة قبول العتاب أمراض لا دواء لها»...
لقد كان الأجدى برئيس الحكومة المؤقتة أن يقوم بتسجيل مقطع فيديو ويبثه على شبكة التواصل الاجتماعي، مثلما فعل سابقا، ويقي الصحافيات والصحافيين شر الانتظار المقيت الذي فاق الساعات الخمس...
وكان الأجدى برئاسة الحكومة أن لا تقرن كلمة العريض بالكارثة التي أودت بحياة ستة أعوان من الحرس الوطني بسيدي علي بن عون، فشهود العيان أكدوا أن إطلاق النار بدأ في الساعة الثانية و35 دقيقة، في حين أن علي العريض كان من المفترض أن يلقي كلمته في الساعة الحادية عشرة... ثم الساعة الثانية بعد الزوال... لينطق على الساعة السابعة مساء...
وكان أيضا الأجدى بالسيد علي العريض أن يحيلنا على آخر خطاب ألقاه باعتبار أن ما قاله مساء الأربعاء 23 أكتوبر لم يختلف عما أدلى به سابقا، فحكومته شرعية، والمعارضة فاشلة ومهمة الحكومة محاربة الإرهاب...
كان الأجدى كذلك بالسيد محمد المنصف المرزوقي رئيس الجمهورية المؤقت أن يعلن في كلمته ليلة الأربعاء الحداد الدائم، بدل الخروج كل يومين أو ثلاثة لإعلان حالة الحداد إثر العمليات الغادرة التي تستهدف الأمنيين في مختلف جهات البلاد...
ولكن أعتقد جازما أنه كان الأجدى بالطبقة السياسية والمدنية والحقوقية والنقابية وبمختلف الفئات الشعبية التي خرجت يوم 23 أكتوبر إلى الشوارع... كان الأجدى بها أن تستوعب جيدا... أن فاقد الشيء لا يعطيه...
+++
أثناء الحرب العالمية الثانية كان الجنود السوفييت يغنون أغنية تقول: إذا فقد الجندي ساقيه في الحرب يستطيع معانقة الأصدقاء... إذا فقد يديه يستطيع الرقص في اﻷفراح وإذا فقد عينيه يستطيع سماع موسيقى الوطن... وإذا فقد سمعه يستطيع التمتع برؤية اﻷحبة... وإذا فقد الجندي كل شيء يستطيع اﻹستلقاء على أرض وطنه... أما إذا فقد أرض وطنه فماذا بمقدوره أن يفعل...
وإننا اليوم بصدد فقدان وطننا... تونس، بعد أن فقد الشعب التونسي أمله في تحقيق «السميق» الحياتي من أمن وشغل وحرية... وها نحن نتحول تدريجيا من العيش في وطن إلى العيش داخل ثكنة واسعة تمتد على مساحة 162 ألف كيلومتر مربع ولا شعار لها سوى ذاك المبدأ الأصولي القائل «إذا تعارض سببان فالأجدر أن نتحمّل الحد الأدني بدل الحد الأقصى»، وما الحد الادنى إلا الحكومة المستبدة فهي أفضل من «الفتنة»...
لقد فشلت الحكومة الحالية في كل شيء إلا في نزع صفة «المؤقتة» عنها، فقد حولت كل الأنظار عن طبيعتها الزائلة وجعلت من «الإرهاب» مشجبا دائما تعلق عليه فشلها من جهة وتستثمر الوقت من الجهة المقابلة لتستمر في وثبها الحيواني على السلطة... ولعل اقتران العمليات الإرهابية في كل مرة بانسداد الأفق أمام الحكومة خير دليل على ارتباط وجودها بوجوده...
ضمان الجيش والأمن هو الهاجس الذي يؤرق حلم حركة النهضة (مثلما قال الغنوشي) حتى تجثم على صدر تونس إلى ما لا يعلمه إلا الضالعون في الاستبداد (مثلما قال خذر)، فكانت التعيينات المدروسة على رأس المؤسستين أولا ثم شن حرب على النقابات الأمنية وتشويه المنتمين إليها وفي نفس الوقت استخدام أخطر الأسلحة ضد المدنيين (الرش) وتدجيج الشوارع والمدن بما منحته قطر وتركيا من أدوات القمع لا لحماية المواطنين بل لترهيبهم واستعراض القوة والجبروت... وبعد الفوشيك الليلي ها نحن ندخل المرحلة الأخيرة وهي التصفيات الجسدية المدروسة التي طالت العسكريين في الشعانبي ثم الأمنيين في قبلاط وأعوان الحرس الوطني في سيدي علي بن عون بعد عودة «الأخوة المجاهدين» من سوريا وقد تعلموا وتدربوا على فنون الغدر وعادوا إلى «كفار» تونس وعلمانييها وسافراتها لاستباحة دمهم في المراكز الأمنية وفي واضحة النهار... ولكن دائما وأبدا عند انعزال «إخوتهم في الحكومة»... ومع كل عملية غادرة «تبشرنا» الحكومة بمطاردة «المشتبه بهم» أو بحجز بعض الأسلحة والذخائر وطبعا سيتم فتح تحقيق قضائي لن يُغلق كالعادة... ووحدها الجنازات الشعبية لشهداء الوطن تدفع الظلمة عن أعيننا...
ولكن هل سيتواصل صمت المؤسسة الأمنية والعسكرية أمام تساقط أبنائها وأمام الإصرار على تخريبها من الداخل للانقضاض عليها؟ أعتقد أننا بتنا على قاب قوسين من انقلاب أمني وعسكري وشيك على الحكومة السياسية، فالأرواح المتساقطة هنا وهناك ستكون الجسر الأخير لبداية مرحلة جديدة، مرحلة ستثبت فيها المؤسسة أنها قادرة على إخماد جيوب الإرهاب والكشف عمن يموّلها ويسهّل مهماتها القذرة... فهل يُعقل أن مؤسستين عمرهما يتجاوز نصف قرن يستعصي عليهما كنس مجموعات من الأنفار المتناثرين في المغاور والدهاليز... مجموعات نصفها كانت الأعين الرقيبة زمن بن علي ويعرفهم الأمنيون واحدا واحدا... ولنا في الجيش الحر السوري خير مثال على نجاحه في دحر المخربين والإرهابيين القادمين من عدة بلدان مدججين بالأسلحة والمال...
الواجهات مفتوحة على كل من يرفض استمرار هذه الحكومة، فقائد القوات المسلحة الذي يصل متأخرا إلى الثكنة العسكرية بالعوينة يوم 18 أكتوبر لتأبين عونيْ الحرس الوطني يحيل الأمنيين إلى القضاء بعد أن رفعوا في وجهه بمعية العريض وبن جعفر شعار «ديقاج»، ورئيس الحكومة علي العريض وقف قاموسه اللغوي عند كلمتي «المغامرين» و»الفوضويين» لينعت بها المعارضة التي أوصلته إلى الحكم ويتوعدها في كل مرة، وبالمثل، لم يخرج رئيس المجلس الوطني التأسيسي من جبة «الجبهيات» الزائفة وصار مثل رقّاص الساعة يتنقل بين المقرات الحزبية بحثا عن توافق موهوم... فوق أرض مضرجة بالدماء والدموع...
هكذا نفقد تونس بين حرب نارية يلعلع فيها الرصاص على صدور الأمنيين والعسكريين وحرب كلامية يشنها الفريق الحكومي في خطبه الرسمية وعبر المنابر الإعلامية، وحرب سياسية تعصر خاصرة الوطن بأدوات قديمة أثبتت فشلها في كل مرة...
ولكن، ورغم كل هذه الحروب، سيظل النشيد الرسمي موسيقى الوطن وسيظل العلم التونسي عاليا ولن ننكّسه حدادا على شهدائنا لأنهم ماتوا وقوفا لأجلنا ولأجل حريتنا... ولن يكونوا «جثثا في حالة وفاة»... بل هم أيقونات نار ونور لدرب جديد أوله ليس ببعيد... لأن الشعب التونسي بدأ يتعلّم حكمة سقراط التي يقول فيها «إن كان ضيوفي عقلاء فعلى المائدة ما يكفيهم، وإن لم يكونوا عقلاء فعلى المائدة أكثر مما يستحقّون»...


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.