"عضوية فلسطين".. الاحتلال يستدعي سفراء الدول المؤيدة    أخبار النادي الإفريقي: «مَصيرية» للمدرب والصّغير يُحرج الاطار الطبي    أخبار النجم الساحلي...«ليتوال» تنعش الأجواء في بوشمة و«بونغونغا» على باب الرحيل    أخبار الأولمبي الباجي: تحويرات في التشكيلة وحذر من المفاجآت    تحطم مروحيتين للبحرية اليابانية في المحيط الهادئ    في معرض هانوفر ميسي 2024: التعريف بتونس كوجهة للابتكار في مجال الصناعة 4.0    أخبار المال والأعمال    بهدف تأسيس تكتّل جديد ..غدا... قمّة مغاربية ثلاثية في تونس    القصرين تالة: وفاة 4 أشخاص وإصابة 5 آخرين في حادث مرور    هدّدا سائق تاكسي بسكين: افريقيان ينفذان عملية براكاج في صفاقس    رئيس قسم أمراض الصدرية يُحذّر من تفشّي ''الربو''    النادي الصفاقسي محمد الكوكي وافق على تدريب الفريق الى نهاية الموسم    ظافر العابدين: ''السرطان أصاب كل أفراد عائلتي''    عشية «عيد الفصح»: أيام عصيبة تنتظر المسجد الأقصى    الرئيس يوجّه رسائل قوية للداخل والخارج: تونس قوّة خير لها أنياب    الدكتور هشام عوينة.. مرض الربو اصبح متفشيا في تونس    منوبة: يوم تحسيسي مفتوح للتقصي حول السيدا و الادمان    عاجل/ الرصد الجوي يصدر نشرة خاصة ويحذر..    عاجل/ مجزرة جديدة للكيان الصهيوني في مخيم نور شمسوز..وهذه حصيلة الشهداء..    مهرجان أسوان الدولي يُكرّم هند صبري    الأحد الرياضي : يُعيد إلى الوطنية الاولى بريقها.    تونس خلال 24 ساعة: 12 حالة وفاة وأكثر من 400 إصابة    حجز أكثر من 13 طن من الفلفل والطماطم على متن شاحنة أجنبية بهذه الولاية..    عاجل: وفاة معتمرة تونسية في حادث بالمدينة المنوّرة    وزير الفلاحة: الظرف صعب خاصة على مستوى الموارد المائية    مقاومة الحشرة القرمزية: منتدى الحقوق الاجتماعية يشجب عدم نجاعة الإجراءات الوقائية    وزيرة التربية: إدراج اللغة الإيطالية في برامج التعليم التقني    طقس الليلة    هيئة الانتخابات : سدّ 104 شغور بالمجالس المحلّية ومجالس الأقاليم، وبداية من الأسبوع المقبل تنظيم انتخابات جزئية في إقليمين (تصريح)    وزيرة التربية: إذا تكرّرت الفوضى بمدرسة النصر سأطبّق القانون    عائدات العمل والسياحة تغطي بالكاد 54 بالمائة من خدمة الدين الخارجي إلى حدود 10 أفريل 2024    مغادرة كلّ مصابي حادث الحافلة السياحية المستشفيات باستثناء حالتين قيد المتابعة الصحية بقسم العناية المركزة (المديرة الجهوية للصحة)    فشل مجلس الامن في اقرار عضوية فلسطين الكاملة في الأمم المتحدة يكشف مسؤولية المصوتين في هضم حقوق الشعب الفلسطيني (وزارة الشؤون الخارجية)    اليوم غلق باب الترشح لعضوية و رئاسة جامعة كرة القدم    الدورة 12 لعيد الرعاة : جبل سمّامة وجهة رعاة العالم مجددا    2024 بيت الشعر بالقيروان يكرم الشاعر الفقيد محمد الغزي في افتتاح معرض تونس الدولي للكتاب    رابطة ابطال افريقيا: الترجي الرياضي يواجه صان داونز بحثا عن تعبيد الطريق الى النهائي    كاس تونس لكرة القدم: تأهل الملعب التونسي والأهلي الصفاقسي وتقدم ساقية الداير الى الدور ثمن النهائي    فرنسا: ترحيل إمام جزائري بتهمة ''التحريض على الكراهية ضد اليهود''    استدراج قُصر عبر الانترنت وابتزازهم جنسيا .. "الاطفال الذين تربّيهم الشاشات يقعون حتما ضحاياها"    قابس: انقطاع ماء الشرب ببعض المعتمديات    حامة الجريد: استرجاع القطع الأثرية المسروقة من موقع يرجع إلى الفترة الرومانية    معرض الدولي للكتاب: جناح خاص بوزارة الأسرة ومشاريعها    القصرينية تحسم الجدل حول خبر طلاقها من زوجها    مداهمة نوادي ليلية في قمرت.. وهذا ما تم تسجيله    حجز مخدرات وضبط مروّجيها بمحيط مؤسسات تربوية في هذه المناطق    خطير/ العالم الهولندي يحذّر من مشروع لحجب الشمس.. يدعمه بيل غيتس!!    دراسة تكشف أصول "القهوة الصباحية".. كم عمرها؟    قفصة : الاعدادية النموذجية تتحصل على أفضل عمل متكامل    شملت شخصيات من تونس..انتهاء المرافعات في قضية "أوراق بنما"    عاجل/ إتحاد الفلاحة: "تدهور منظومات الإنتاج في كامل البلاد"    منظمة الصحة العالمية تعتمد لقاحا جديدا عن طريق الفم ضد الكوليرا    المنستير للجاز" في دورته الثانية"    منوبة: حجز طُنّيْن من الفواكه الجافة غير صالحة للاستهلاك    خطبة الجمعة..الإسلام دين الرحمة والسماحة.. خيركم خيركم لأهله !    منبر الجمعة .. الطفولة في الإسلام    ضروري ان نكسر حلقة العنف والكره…الفة يوسف    موعد أول أيام عيد الاضحى فلكيا..#خبر_عاجل    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أطوار محاكمة عاشور بعد غرق الباخرة الرابطة بين صفاقس وقرقنة
فصل جديد من تاريخ الإتحاد العام التونسي للشغل (5): إكراه وكيل الجمهورية على إلقاء مرافعة النيابة فيسقط مغشيا عليه وينقل إلى المستشفى
نشر في الشعب يوم 12 - 09 - 2009

بعد قضاء عطلته، يعود الأستاذ منصور الشفي ليروي لنا وللنقابيين وعموم القرّاء والمواطنين أطوارًا من تاريخ الإتحاد العام التونسي للشغل، خاصة وأنه التصق بالإتحاد وبقضاياه ومشاكله وصعوباته وعاشر العديد من مسؤوليه ومنهم بشكل خاص الزعيمين الراحلين أحمد التليلي والحبيب عاشور.
في هذه الحلقة الجديدة من روايته للوقائع التي عايشها، يتحدّث الأستاذ منصور عن أطوار محاكمة شهيرة في تاريخ الاتحاد وتاريخ الزعيمين المذكورين وهي المحاكمة التي حصلت اثر غرق الباخرة التي كانت تربط بين صفاقس وجزيرة قرقنة.
كما تحدّث الأستاذ عن مظالم سلّطت على عدد من المحامين والقضاة بسبب ممارستهم النزيهة لوظيفتهم وانحيازهم للحق.
في يوم 7 جويلية 1965 أصدر القاضي الهادي بوزيان قرار إحالة الحبيب عاشور على محكمة ناحية صفاقس من أجل هضم جانب قاضي التحقيق أحمد شراقة وذلك لقوله لرابح عطية مدير شركة إحياء جزر قرقنة «اعط لها السيد (أي أحمد شراقة) الأوراق التي يريدها». وبقينا ننتظر تعيين القضية أمام حاكم الناحية ولم يحصل ذلك التعيين الاّ بتاريخ 30 ديسمبر 1965. أمّا بقيّة القضايا التي كان متعهّدا بها القاضي أحمد شراقة فقد صدر قرار الختم فيها بتاريخ 31 أوت 1965.
وقد قام الحبيب عاشور بإستئناف قرار ختم البحوث وعينت القضية أمام دائرة الإتهام التي كان يرأسها رئيس محكمة الإستئناف الصادق الآجري والذي كان من اليوسفيين القدامى، وقد تعامل مع القضية بكل حذر خشية أن يذكر بماضيه.
وقد صدر قرار دائرة الإتهام بتاريخ 4 ديسمبر 1965 قاضيا بإحالة الحبيب عاشور وفخرالدين الكاتب ورابح عطية على المحاكمة وبعد حفظ تهم التدليس والسماح بسياقة باخرة بدون رخصة بقي الحبيب عاشور محالا من أجل إرتكابه لجريمة المشاركة في إصدار شيك بدون رصيد وتجهيز سفينة فاقدة لبعض الأوراق القانونية.
وبتاريخ 30 ديسمبر 1965 حضر الحبيب عاشور وكان مرفوقا بي وبالأستاذ محمد بن للونة أمام حاكم ناحية صفاقس الذهبي العباسي وقد كان آنذاك هو حاكم الناحية الوحيد بصفاقس بالنسبة للقضاء الجزائي أما بالنسبة للقضاء المدني فقد كان الرئيس الهادي بن الصادق الذي أصبح في نهاية مسيرته القضائية الموفقة رئيسا لمحكمة التعقيب هو المتعهد به.
ولابدّ لي هنا أن أفتح قوسين لأعرف القرّاء الكرام بالمحامي الشجاع الحاج محمد بن للونة، شارك في النضال الوطني منذ شبابه وانتمى مثل أخوته عبد الرحمان وأحمد للحزب الحر الدستوري الجديد وكان ثلاثتهم من أبطال النضال بالساحل وبالعاصمة.
وبعد الإستقلال إنتخب محمد بن للونة عضوا بالمجلس التأسيسي وقد قام بدور هام في صياغة فصول الدستور وبعد ذلك وعندما أصبح محمد فرحات رئيسا للمحكمة الشعبية التي حاكمت اليوسفين عيّن الرئيس الحبيب بورقيبة محمد بن للونة وكيل الدولة للمحكمة العليا وقد كانت له مرافعات متطرفة ندم عليها فيما بعد الندم الشديد خاصة بعد أن طالب بعقوبة الإعدام للطيب الزلاق وتنفيذ الحكم فيه وقد إستقال محمد بن للونة من المحكمة العليا وأصبح من أكثر المتشددين في الدّين وعاد لمباشرة المحاماة وفي سنة 1967 انضمّ لنا للدفاع في قضية اليسار التونسي (آفاق وبعض الشيوعيين) وأسس مرافعته على التنديد بكلّ شجاعة بالتعذيب.
وفي سنة 1972 أصبح وزيرًا للعدل وإثر خلاف بينه وبين الرئيس بوريبة أقاله من الحكومة فأنتخبه المحامون عميدا لهم في عملية تحدّ لبوريبة وفي سنة 1978 وقف للدفاع عن القيادة الشرعية للإتحاد وقد نشب أثناء المحاكمة خلاف بينه وبين رئيس محكمة أمن الدولة فأصدرت المحكمة قرارًا بعزله من المحاماة لمدّة سنتين وقد كان بن للونة قريبا جدّا من محمد المصمودي وصديقا له.
وأعود للمحاكمة فأقول: انّنا لم نكن نعلم شيئا عن القاضي الذهبي العباسي وكان الإنطباع العام لدى محاميي صفاقس أنّه عديم الشخصية وأنّه سيقضي بالإدانة كما طلب منه وقد فوجئنا عند إفتتاح الجلسة بأنّ القاضي قد خصّص جلسته الكاملة لقضية وحيدة هي قضية الحبيب عاشور وكان في القاعة جمهور غفير وقد ساعد إيجاد مكروفونات بالقاعة هذا الجمهور على متابعة المحاكمة.
وكان العديد من الصحافيين الأجانب ومن مبعوثي وكالات الأنباء العالمية قد حضروا إلى صفاقس لمتابعة المحاكمة وخصّصت لهم مقاعد في جانب القاعة وقد تعرفت يومها على صحفيين كثيرا ما قرأت لهم أمثال ميشال دوري الذي أصبح فيما بعد ولعدّة سنوات مراسلا لصحيفة لوموند وجوزات بن ابراهم وهي صحافية لامعة كانت على جانب كبير من الجمال وذات ثقافة واسعة وهي ذات أصول يهودية وانتقلت بعد فترة إلى فرنسا حيث أصبحت صحافية بصحيفة لونوفيل أبسرفاتور.
وقد تمّ تصوير المحاكمة وتسجيلها من طرف الإذاعة وجريدة العمل لسان الحزب الاشتراكي الدستوري وعلمنا فيما بعد أنّ الحبيب بوريبة قد أحضر جمعا من المسؤولين بقصر قرطاج لمشاهدة فيلم المحاكمة.
وكان قد حضر معنا الى صفاقس رايموند نيكولاي المحامي السويسري الشهير والمكلّف من طرف منظمة (الإتحاد العالمي للنقابات الحرّة) السيزل بمتابعة قضية الحبيب عاشور.
وكنت قبل يوم من المحاكمة قد تقابلت معه بتونس رفقة الحبيب عاشور ثم رافقنا الى صفاقس على متن سيارة الحبيب عاشور وكان إنطباعنا عنه سيئا للغاية.
وتركز كلامه على الحديث عن أحمد التليلي في عبارات سيئة نتيجة خصومة بينهما.
وقد علمنا فيما بعد أنّه جاء إلى تونس قبل يومين من المحاكمة وكان في إستقباله بالمطار محمود بن عزالدين عضو المكتب التنفيذي للإتحاد الذي كان في ذلك الوقت يترأسه البشير بلاّغة وكان مكلّفا بالعلاقات الخارجية وهو من أنصار أحمد بن صالح.
وبالجلسة قمت بتقديمه إلى السيد حاكم الناحية وكان مرتديا لزيّ المحاماة.. وجلس معنا في مقاعد الدفاع ليتابع المحاكمة حيث تكلّف زميلنا فيكتور حاسيد المحامي بصفاقس بترجمة ما يدور بالجلسة وترجمة المرافعات له.
وعلمنا فيما بعد أن أحمد التليلي عندما اتفق مع السيزل على تكليف محام من أوروبا للحبيب عاشور قد اتصل بالفرنسي بادنتار المحامي الفرنسي الشهير والذي أصبح فيما بعد وزيرا للعدل في عهد الرئيس ميتران لكن بادنتار اعتذر لأنّه كان في تلك الفترة مشغولا بقضيّة له في اليابان.
وقد روى لنا أحمد التليلي بعد رجوعه من منفاه أنّ الزعيم المغربي المهدي بن بركة قد أشار عليه بنيكولاي ورافقه لزيارته بمكتبه بجنيف.
وكان المهدي بن بركة قد عرفه لمّا إنتدبته السيزل للدفاع عن محجوب بن الصديق الزعيم النقابي المغربي الشهير وإن كان قد روى لنا المحامي الجزائري الرزقي بوزبدة والذي كان في الوقت نفسه محاميا للزعيم النقابي المغربي لصدّيق كيف أنّ نيكولاي تلاعب بقضيته مع الملك الحسن الثاني كما أنّ نيكولاي كان صديقا حميما للرئيس الغيني الدكتاتور أحمد سيكوتوراي وكان مكلّفا طيلة عدّة سنوات بطبع كتبه ونشرها في أوروبا وهي كتب لم تكن تجد أيّ قارئ لها ولكن ذلك لم يمنع نيكولاي من جمع ثروة طائلة من وراء طبع تلك الكتب كما أنّه توصّل إلى أن يصبح في وقت من الأوقات مكلّفا برعاية إبن باتريس لوممبا.
كلّ هاته المعلومات عن نيكولاي لم نكن نعلمها عندما حضر معنا لأوّل مرّة الى محكمة ناحية صفاقس لكن أحمد التليلي أخبرني عند رجوعه من منفاه بأنّّه تحصّل مؤخرا على معلومات تثبت تورّط نيكولاي في مقتل المهدي بن بركة وأنه سوف يشركني معه في تكوين ملف ضدّ نيكولاي لكن المرض لم يمهل أحمد التليلي للقيام بتلك الأعمال كما لم يمهله للقيام بعمل أجلّ بالنسبة لمنظمة الإتحاد العام التونسي للشغل وهو عودته هو وصديقه الحبيب عاشور رحمها اللّه رحمة واسعة على رأس المنظمة.
أستطيع القول الآن وبعد سنوات طويلة من هاته المحاكمة ان الدفاع المتمثّل في الأستاذ بللونة وفي شخصي كان وبدون أي إدّعاء أو غرور على مستوى رفيع وقد أشاد الحبيب عاشور في مذكراته بدفاعنا عنه.
وكان ان إختلى الذهبي العباسي للمفاوضة وكم كان سرورنا عظيما لمّا فاجأنا بالحكم بعدم سماع الدعوى.
ولم يكن محمد فرحات الوكيل العام للجمهورية متوقّعا لهذا الحكم بالرغم من أنّه كان مقتنعا بأنّ عبارة (أعط لها السيد الأوراق التي يريد) لا يمكن ان تكوّن بالنسبة للحبيب عاشور جريمة هضم جانب حاكم التحقيق.
ورجع نيكولاي مع الحبيب عاشور ومعي الى تونس العاصمة.
ومن الغد وعند الظهر أذاعت الإذاعة التونسية خبر إلتقاء نيكولاي بالرئيس بوريبة، وفي تصريح له عبّر نيكولاي عن سروره بالحكم على الحبيب عاشور بعدم سماع الدعوى وهو ما يظهر أنّ العدالة التونسية شفافة. وعلمنا فيما بعد أنّ الرئيس بوريبة لمّا إستقبله قال له أرأيت كيف أنّ القضاء التونسي مستقل.
لكن الحبيب بوريبة أعطى بعد ذلك تعليماته الى محمد فرحات بإستئناف ذلك الحكم وبعد مدّة استدعي الحبيب عاشور للحضور أمام المحكمة الابتدائية بصفاقس بوصفها محكمة استئناف لأحكام الناحية وكنت أنا محاميه ووقع نقض الحكم الإبتدائي والقضاء مجدّدا بالإدانة والسجن لمدّة ثلاثة أشهر مع تأجيل التنفيذ وقد ترأس الجلسة القاضي المنصف الحمزاوي.
أمّا القاضي الذهبي العباسي فبعد ثلاثة أيّام فقط من إصداره الحكم بعدم سماع الدعوى تمّت نقلته الى محكمة بأقصى الجنوب ولم تبق له أيّة مسؤولية قضائية وقضى كامل الفترة اللاحقة معاقبا أي طيلة خمس سنوات الى أن رجع الحبيب عاشور إلى الاتحاد سنة 1970 فطلب من وزير العدل في حكومة الهادي نويرة الأستاذ محمد الفيتوري المحامي برفع المظلمة التي سلطت على القاضي الذهبي العباسي وهو ما قام به في وقت وجيز ولم ينتظر إجتماع المجلس الأعلى للقضاء بل نقله الى سوسة ومنحه كلّ الترقيات التي حجبت عنه في الفترة السابقة.
وكان قبل ذلك أن أتم القاضي أحمد شراقة التحقيق في القضية إذ أصدر بتاريخ 1965/8/31 قرارا بختم البحث حيث تقرّرت إحالة الحبيب عاشور على المحاكمة هو وبقية المتهمين معه رابح عطيّة ومحمد البعتي ومنصور حميدة وفخرالدين الكاتب وفي نفس ذلك الأسبوع رافقت الحبيب عاشور الى صفاقس حيث قمنا بإستئناف قرار ختم البحث وبقي الملف لدى محكمة الإستئناف بصفاقس حيث لم تنظر فيه دائرة الإتهام التابعة لمحكمة الإستئناف الاّ بعد ثلاثة أشهر من ذلك التاريخ أي 1965/12/4. وفي تلك الفترة بالذات دخل علالة العويتي الكاتب الخاص للرئيس بوريبة على الخط وربط علاقة مع الحبيب عاشور وأصبح يستدعيه للمقاهي أو للمطاعم بالضاحية الشمالية وكان يسعى للحصول من الحبيب عاشور على مطلب في العفو من الرئيس وكان القصد منه في اعتقادي وكما أظهرت بعض الأحداث ذلك هو إحداث قطيعة بين الحبيب عاشور وأحمد التليلي في الخارج ليقال لأحمد التليلي هذا الشخص أي الحبيب عاشور الذي تقول عنه أنّه مظلوم وجندت نفسك للدفاع عنه هاهو يطلب العفو ويعتذر عمّا صدر عنه.
كان الحبيب عاشور رافضا لذلك العرض رفضا مطلقا وسأعود لهذا الموضوع في مكانه من رواية هاته الأحداث واكتفي الآن بهاته الإشارة العابرة فقط.
أعود إذن لموضوع المحاكمة لأتابع أنّه صدر قرار دائرة الإتهام التي كان يترأسها الرئيس الأوّل لمحكمة الإستئناف بصفاقس الصادق الآجري والذي قضى بإحالة الحبيب عاشور على المحكمة الابتدائية بصفاقس لمقاضاته من أجل ارتكابه جرائم المشاركة في إصدار شيك بدون رصيد وتجهيز سفينة فاقدة لبعض الأوراق القانونية.
وتلقى الحبيب عاشور بعد أيّام استدعاء للحضور لدى المحكمة الجناحية بصفاقس يوم 12 جانفي 1966 التي ستنظر في التهم الموجهة إليه والتي سبق ذكرها.
كانت الملفات قد وضعت على ذمتنا في الوقت المناسب وقد قام بترجمتها الى الفرنسية المرحوم عمر بوزيد الذي شغل منصب الكتابة العامة للإتحاد الجهوي للشغل بصفاقس وهو في نفس الوقت رئيس كتبة محكمة الإستئناف بصفاقس وتمكنا في وقت مناسب من تسليم المحامي نيكولاي نسخة مترجمة الى الفرنسية من ملف جملة القضايا وعهد بالقضية لرئيس المحكمة الابتدائية بصفاقس المنصف الحمزاوي والذي لم يكن يجلس في العادة الاّ في القضايا المدنية لكن بصفة إستثنائية طلب منه محمد فرحات أن يتعهّد بالملف ويقضي في القضية كما طلب من وكيل الجمهورية بصفاقس بولبابة بن يحيى إلقاء مرافعة النيابة العمومية وكانت مرافعة مكتوبة.
ولئن عرف عن المنصف الحمزاوي أنّه أقدر أبناء جيله من القضاة وأبرزهم الا أنّه ذو مزاج متعجرف وطبع عصبي حادّ وينصاع للتعليمات التي تصدر له.
فبعد ان تلا المنصف الحمزاوي قرار دائرة الإتهام، بدأ بإستنطاق الحبيب عاشور الذي كان بحالة سراح ثم قام بإستنطاق محمد البعتي سائق الباخرة ومنصور حميدة اللذين كانا بحالة إيقاف ثم رابح عطية وفخرالدين الكاتب.
وركّز رئيس المحكمة عند استنطاقه للحبيب عاشور على السؤال لماذا وقع تأخير تاريخ الشيك حيث لم يكن مؤرخا بيوم صدوره فأجاب الحبيب عاشور أن ذلك كان ليترك الوقت الكافي لمدير شركة التأمين للرجوع إلى تونس والإتصال بمدير البنك لتذكيره بالإعتماد الممنوح من البنك لشركة إحياء جزر قرقنة (سومفيك).
وبالرغم من أننا قدمنا بالجلسة شهادة من بنك «الشعب» (بنك الجنوب سابقا، أو التجاري بنك حاليا) تثبت وجود القرض الممنوح لشركة إحياء جزر قرقنة وأنّ الإعتماد قابل للتصرّف فيه وأن ما كان موجودا بالبنك بحساب (السومفيك) يتجاوز الخمسين ألف دينار الاّ أنّ المحكمة لم ترد الإقتناع بذلك.
وبعد الإستنطاق الذي أجراه رئيس المحكمة، أعطيت الكلمة للأستاذ بولبابة بن يحيى الذي كان وكيلا للجمهورية بصفاقس وبالرغم من ان صفته تلك كفيلة بأن تعفيه من الحضور بالجلسة حيث كان بإمكانه كما جرت العادة تكليف أحد مساعديه الاّ أنّ وكيل الجمهورية العام محمد فرحات الذي كان مكلّفا بإدارة القضية كما سبق لي أن ذكرت قد أجبره على حضور الجلسة بنفسه وإلقاء مرافعة النيابة العمومية، وكان بولبابة بن يحيى لا يخفي قناعته ببراءة الحبيب عاشور، وما أن بدأ في إلقاء المرافعة التي تضمنت إدانة شديدة للحبيب عاشور حتى بدأ العرق يتصبّب غزيرا منه وأخذ وجهه يصفرّ وخفت صوته ثم سقط من كرسيه مغشيا عليه فرفعت الجلسة وحمل الرجل على عجل للمستشفى، وبعد برهة زمنية استأنفت المحكمة عملها وقدّم المساعد الأول لوكيل الجمهورية مرافعة النيابة العمومية.
ثم أعطيت الكلمة للمحامين لإلقاء مرافعاتهم، وكنت أنا أول المرافعين وكنت متمكّنا من الملف وأعرف جزئياته وألقيت مرافعة استمرّت أكثر من ساعة استقطبت الانتباه ثم تبعني بقية الزملاء.
وبعد انتهاء المرافعات أعلن المنصف الحمزاوي ان المحكمة تعلن عن اختلائها للمفاوضة وقال: ان المحكمة ترى من واجبها التقدّم بالشكر للأستاذ منصور الشفي من أجل المرافعة القيّمة التي ألقاها.
وسرّ صديقي الحبيب عاشور رحمه اللّه بمرافعتي سرورا شديدا.
لم يكن يساورنا اي أمل في الحكم فنحن نعلم مسبقا موقف الرئيس بوريبة وإصراره على الحكم بالسجن على الحبيب عاشور وأمره لمحمد فرحات بذلك. وقد صدر الحكم بعد ظهر يوم 12 جانفي 1966 قاضيا بسجن محمد البعتي سائق الباخرة ومنصور حميدة الميكانيكي مدة عام وقد كانا بحالة إيقاف، وسجن الحبيب عاشور مدة أربعة أشهر وسجن فخرالدين الكاتب مدة شهرين (وهي المدة التي كان قضاها في السجن) ولذلك لم يقم بإستئناف الحكم، وحكم على رابح عطية بثلاثة أشهر سجن. ورجعنا الى تونس لنوصل نيكولاي المحامي السويسري وقد أصبح له كامل الملف ثم أرسلنا بعد مدّة قصيرة نسخة من الحكم الإبتدائي مترجما وطلبنا منه بالإتفاق مع السيزل تكليف أكبر اختصاصي فرنسي في القانون الجزائي البروفسير جورج لوفاسير بتحرير استشارة كتابية حول جريمة الشيك بدون رصيد التي حُوكم الحبيب عاشور من أجلها وفعلا قام نيكولاي بتسليم هاته الإستشارة المستفيضة وكنا هيأناها لتقديمها لدى الطور الإستئنافي وقد انتهت هاته الإستشارة الى أن جريمة الشيك بدون رصيد غير وجيهة بالنسبة للحبيب عاشور.
وقد لفتت قضية الحبيب عاشور نظر محمد فرحات الى المنصف الحمزاوي فبقي راعيا لمسيرته القضائية فبعد بضع سنوات قضاها في ترأس المحكمة الابتدائية بصفاقس ثم بضع سنوات أخرى ترأس فيها محكمة سوسة ألحق بالوكالة العامة للجمهورية بتونس ليصبح المساعد الأول لمحمد فرحات فيما أصبح عبد السلام المحجوب المساعد الثاني له وقد انتهى المنصف الحمزاوي في أواخر حياته المهنية مدعيا عاما لدى وزارة العدل ومديرا للمصالح العدلية وأصبح عبد السلام المحجوب رئيسا أولا لمحكمة التعقيب.
المهمّ أنّني وبعد بضعة أيّام عدت صحبة الحبيب عاشور إلى صفاقس لتسجيل مطلب إستئناف ولم تعيّن القضية أمام محكمة الإستئناف الاّ يوم 2 مارس 1966.
في الأثناء كانت قد وصلتنا الإستشارة التي حررها البروفسور لوفاسير.
فتولّت الجامعة النقابية للبريد برئاسة صديقي محمد عزالدين (وهو الذي أصبح فيما بعد عضوا بالمكتب التنفيذي للإتحاد العام التونسي للشغل وحُوكم اثر أحداث جانفي 1978) طبع هاته الاستشارة وقمت أنا والحبيب عاشور بحملها الى مكتبي ومن هنا تمّ توزيعها على العديد من النقابيين وعلى طلبة كلية الحقوق وبلغت الى باريس حيث قام الطلبة المنضمّون الى الحركة اليسارية «آفاق» بترويجها ونشرها بين الطلبة بل أكثر من ذلك فقد نظمت ملتقى حولها وكتب عنها بالمجلة التي يصدرها التنظيم. ثم توليت على عجل أنا والأستاذ محمد محفوظ (وكان قد انضمّ للمحاماة) ترجمتها وطلب منّي المحامي محمد بن الناصر ان ينضم لي في الدفاع عن الحبيب عاشور كما اتصل بي الأستاذ الطاهر الأخضر وطلب مني ان كنت لا أرى مانعا في أن ينضمّ لي في الدفاع والترافع في القضية. أعلمت الحبيب عاشور بتطوع المحاميين الشهيرين اللذين كانا قمة الدفاع التونسي.
ولابد لي أن أقدّم للقرّاء هذين المحاميين المتميزين اما محمد بن الناصر فقد كان شبه مختص في القضاء الجزائي وكان قد باشر المحاماة في بداياته في مدينة فصة حيث انتمى للحزب الحر الدستوري الجديد ودخل السجن هناك وكان يعمل مع أحمد التليلي وصديقا له ولم يختلفا الاّ نتيجة الخلاف اليوسفي البوريبي اذ كان محمد بن الناصر على رأس المتحمسين لصالح بن يوسف في قفصة ممّا تسبّب في إعتداء البورقيبيين عليه وضربه الضرب المبرّح حتى كسرت يداه وكاد يقتل لولا أنّه تمكّن من الهروب واثر ذلك خشي على نفسه فانتقل الى تونس العاصمة هو وعائلته وبدأت شهرته في التنامي ولم يتردد في الدفاع عن المعارضين فقد دافع عن اليوسفيين في المحاكمة التي حكم فيها على بن يوسف بالإعدام غيابيا ودافع عن المحامين الذين حوكموا في بداية الستينات وعلى رأسهم العميد الخلادي والصادق بوهلال وحاول الدفاع عن عبد العزيز العكرمي في قضية مؤامراة 62 لكنه منع من دخول المحكمة العسكرية. وأمّا الطاهر الأخضر فقد كان زميل دراسة للمنجي سليم والهادي نويرة وانضم للمحاماة سنة 1936 حيث التحق بمكتب الأستاذ حسن قلاّتي للتمرّن به وكان اتجاهه بالخصوص للقانون المدني لكن ذلك لم يمنعه من القيام بمرافعات شهيرة في الجزائي لانه كان ذا فصاحة لافتة في اللغتين العربية والفرنسية وهو ما بوّأه المكانة الأولى في المحامة لمدة سنوات عديدة وقد انتمى هو الآخر لللحزب الحر الدستوري الجديد أواخر الثلاثينات وبعد ان زجّ ببورقيبة وبن يوسف وصحبهما في السجن انتمى للديوان السياسي السرّي وبقي معتبرا كمناضل وطني من الصف الأول الا انّه عندما أصبح محمد الصالح مزالي وزيرا أولا أيّام المقيم لافوازار والذي جاء بالإصلاحات المزعومة والتي رفضها الحزب الدستوري فيما بعد انخدع الطاهر الأخضر وقبل ان يكون وزيرا للعدل وبعد الاستقلال حوكم مع محمد الصالح مزالي سنة 57 من أجل خيانة الوطن وبقي بالسجن لمدة سنتين ونصف وأوقف عن العمل بالمحاماة لمدّة ست سنوات ولم يعد للمباشرة الاّ في أواخر سنة 1963.
كان هذا هو فريق الدفاع عن الحبيب عاشور في الطور الاستئنافي وكان لي شرف التنسيق بين أعضائه. وسأتعرّض في الحلقة القادمة الى أطوار المحاكمة لدى الإستئناف.
(يتبع)


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.