استهلاك المواد البترولية يرتفع ب3 بالمائة خلال سنة 2025    شوف سوم ''الطُزينة ملسوقة'' قبل رمضان بقداه    دورة تونس الدولية للجودو: المنتخب الوطني يظفر ب11 ميدالية    "شركة الفار" تقاضي إتحاد بن قردان وتتهم "مجهولين" بقطع أسلاك البث    توقيت العمل بالإدارات العمومية خلال شهر رمضان 1447 هجري / 2026    عاجل/ فاجعة تهز الصين..وهذه حصيلة الضحايا..    عاصفة عاتية تربك الحياة في نيوزيلندا    OPPO تطلق A6 5G نموذجين و A6x 5G، يوفران مزايا يومية من حيث القوة والأداء والسلاسة    الملعب التونسي: قائمة المرشحين لتدريب الفريق    في رمضان: اليك ''30 دبارة'' لتسهيل المهمة    عاجل/ تطورات خطيرة في حادثة العثور على أجنة في قمامة وشهادة صادمة تكشف..    غيبوبة في تلفزة التوانسة : كل ما تحب تعرفوا على مسلسل رمضان    شنوا يصير لبدنك كي تقص على القهوة؟...حاجات تصدمك    جندوبة: اضطراب وانقطاع في توزيع مياه الشرب بعدد من المناطق    عاجل : حملة كبرى على المحتكرين بتوسن : حجز أطنان من الغلال والخضر الفاسدة    عاجل: اليوم آخر أجل لإيداع التصريح الشهري لهؤلاء    بطولة ايطاليا : نابولي يحتفظ بالمركز الثالث بعد تعادله مع روما    الترجي في مواجهة حاسمة: من سيكون خصمه في ربع نهائي دوري الأبطال؟    هام: هذا ردّ النجم الرياضي الساحلي بعد ماتش الترجي    كأس العالم لسلاح السابر: المنتخب التونسي للوسطيات يُتوج بالذهبية    جرح قريب للقلب ووجيعة نفسية كبيرة...شهادة أمّ التلميذ المصاب في فاجعة معهد بورقيبة    معلومة غريبة في تونس: الكاميرا ممنوعة في قاعات النشاط برياض الأطفال !    عاجل/ "براكاج" مروع لسائق "تاكسي"..وهذه التفاصيل..    ''قرة العنز'' وقتاش توفى؟    وقتاش يدخل الربيع لتونس؟    لماذا ارتفع مستوى البحر في تونس؟..خبير في علوم المناخ يكشف..    خطوة جديدة نحو العالمية: سيدي بوسعيد تحت أنظار اليونسكو فهل تصبح تراثا عالميا؟    عاجل/ السعودية تدعو الى تحري هلال شهر رمضان..    كيفاش تتصرف كان ولدك قالك إنه تعرّض للتحرش؟    عاجل: بودة الأطفال هذه تواجه قضايا جديدة    اليك 5 خطوات بسيطة لجهاز هضمي صحي خلال رمضان    بداية من اليوم: جامعة الثانوي تدخل في سلسلة إضرابات إقليمية    كأس العالم لسلاح السابر: المنتخب التونسي للوسطيات يتوّج بذهبية منافسات الفرق    المجلس الوطني للحزب الجمهوري يتداول في الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية ويدعو إلى "حوار وطني جامع"    طقس اليوم : امطار متفرقة ورياح قوية نسبيا ببعض الجهات    السلفادور.. ضبط أكبر شحنة كوكايين بتاريخ البلاد    تداعيات ملفات إبستين في فرنسا.. تحقيقات قضائية بتورط مواطنين    زعيم كوريا يفتتح حيا سكنيا جديدا لعائلات قتلى حرب أوكرانيا    إدراج حصن غار الملح ضمن قائمة التراث الإسلامي لل'إيسيسكو'    وزارة التجارة .. برنامج رقابي خاص استعدادا لشهر رمضان    صدر حديثا .. "كتاب أجمل فسيفساء تونس" عبر عدسة صلاح جابر وسرد لأومبيرتو بابالاردو    غدا تحري هلال رمضان المعظم    أولا وأخيرا ..اللهم بارك في دجاج "المكينة"    «الخميس الأزرق» بصفاقس .. حين تتحوّل الثقافة إلى مساحة حوار ورؤية مشتركة    مع الشروق : استعادة الروح !    من مريض القلب الذي يمكنه صيام شهر رمضان؟    صفاقس.. لجنة الفلاحة البرلمانية تعاين أوضاع موانئ الصيد وتبحث عن حلول    ضربات موجعة للاحتكار: مداهمة مخازن ومسالخ عشوائية وحجز مواد غذائية وإيقافات    وزيرة الأسرة تدعو إلى تكثيف الرقابة على مؤسسات الطفولة    21 مخالفة اقتصادية خلال يومين بهذه الولاية في إطار العمل الرقابي الخاصّ بشهر رمضان..    وزير التربية يؤكد على ضرورة استعادة الانشطة الثقافية داخل المؤسسات التربوية    بن عروس: تظاهرة "قرية اللغات" بمعهد التنشيط الشبابي والثقافي ببئر الباي تفتح المجال أمام التلاميذ والطلبة للانفتاح على لغات وثقافات عدد من شعوب العالم    الاقتصاد التونسي يُسجّل نموًّا ب 2.5% خلال 2025    عاجل/ درجة انذار كبيرة ب6 ولايات..والرصد الجوي يحذر..    الرصد الجوي: درجة انذار كبيرة ب6 ولايات    تونس والسنغال: 6 عمليات ناجحة بتقنيات حديثة لتوسيع الصمام الميترالي بالقسطرة في مستشفى دلال جام    الإعلان عن نتائج الأعمال المقبولة في الدورة 24 لمهرجان الأغنية التونسية    بين تونس وأثيوبيا: دفع التعاون في المجال الصحّي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



رسالة مفتوحة إلى السيد الصحبي عتيق: إنه تمرد وليس فتنة !
نشر في حقائق أون لاين يوم 20 - 07 - 2013

الجميع صدمته التهديدات التي توجه بها الصحبي عتيق لشعبه بدعوى أنّ من يفكّر في "استباحة الشرعية سيستباح في شوارع تونس وستدوسه أقدام الثوّار". والواقع أنّ كلام الصحبي عتيق هو عرض يشي بخوف ناشط إخواني على مصير الأخونة بعدثورة 30 جوان المظفرة. ومعلوم أنّ ‘الأخونة' هي انتماء انصهاري يتحول تلقائيا إلى تبعية. ولأن التبعية تتعارض مع التعددية الطبيعية لانتماءات الفرد، ولأن التبعية تفترض التوحيد على صعيد الولاء فإن الكائن الاخواني يدخل في صراع مع عفويته ومع سجيته نفسها.
وفي تقديري أن حماسة الموقف يومها دفع الصحبي عتيق ليكون على سجيته فكشف كلامه أنه كإخواني يدرك السلطة كغنيمة وليس كمسؤولية حزبية ومدنية. فالاستباحة التي هدد بها شعبه تعني بالنسبة له عدم كفاية القانون لعلاج الخلافات السياسية؛ بل من الواضح أنه لا يعتبر الخلاف طبيعة سياسية بما أنه يتعامل مع الوضع تعامل الفقهاء مع فتنة وليس تعامل السياسي مع أزمة سياسية. ولندرك الطابع الاخواني لسلوك الصحبي عتيق يكفي أن نقارن بين تصريحات الصحبي عتيق موضوع النظر والتوضيح الذي أصدرته وزارة الداخلية عبر صفحتها الرسمية على ‘الفيسبوك' بخصوص التصريح الذي أدلى به وزير الداخلية حول نفس الموضوع، أي حول إمكانية التمرد في تونس على الطريقة المصرية. وفعلا، يعتبر التوضيح أن ما قيل بخصوص استعداد الوزارة لقمع التمرد المذكور ليس دقيقا على اعتبار أن الوزير تحدث حديثا عاما ولم يخصص كلامه على تمرد لم يجدّ بعد، ولأنه "ليس من طبع الوزير استخدام التهديد بل يعمل في إطار القانون." هكذا نأى الوزير بنفسه عن الوقوع في ما وقع فيه الصحبي من خروج عن القانون وذلك لأنه في حل من كل تبعية للمرشد ومن كل التزام بالأخونة. في المقابل، فإنه من الواضح أنه، حتى عندما تتعارض سجية الصحبي عتيق مع تعليمات المرشد فإن الأولوية في نظره تعود مطلقا لتلك التعليمات. و مثل ذلك تضايقه المتعاظم من تدخلات سنية بن تومية وذلك إلى حد تنظيم جلسة لمناقشة بقائها أو رفتها من عضوية الكتلة. مع ذلك فإنّ الصحبي عتيق استهل الجلسة بالتأكيد على ان الشيخ راشد الغنوشي يؤيد سنية تومية لحرصه على وحدة الصف والتماسك داخل الحركة. وهذه التبعية الكاملة للمرشد هي التي جعلته أقل حرية من بعض نائبات كتلته اللاتي بدون أقرب لقيم الشعب وللقيم المنبجسة من أسفل مما يجعلهن غير معنيات بالأخونة. فهذه النائبة الزغلامي تعيب، خلال الجلسة العامة المخصصة لمناقشة مسودة الدستور، تورطه في توجه يجعله يتخوف من الحرية، وهذه سنية تومية تنقد علاقة مشروع الدستور بالشباب ونسيانه لواقعة أن هذه الشريحة هي التي قامت بالثورة. وقد اشتهرت سنية تومية بتداعي لسانها ومع ذلك فإنه بالرغم من الكمّ الهائل من الطرائف التي ‘أنتجتها' فإنه لم يصدر عنها البتة ما يدل على ميول دموية وإرهابية. ذلك أن تداعي اللسان هو ضرب من المباشرة التي هي ارتجال يتسم بالعفوية وبالصدق، بصرف النظر عن ضحالة أو وجاهة المضامين.
ولذلك شد انتباهي بشكل خاص قول الصحفية كوثر زنطور -في معرض مقارنتها بين أداء سلمى بكار وأداء محرزية لعبيدي- بأن "سلمى بكار لا تخاف من تداعيات كلماتها." [1] أي أنها لا تخشى التورط في ما تورط فيه الغنوشي عندما اعتبر الجيش والأمن غير مضمونين وذلك عندما أطلقت حميمية المجلس الذي ضمه إلى إخوانه السلفيين لسانه فوضعته على قلبه وصار يظهر ما يبطن. وبالعودة لكوثر زنطور فإنها تواصل كلامها قائلة: "أما محرزية لعبيدي، فآليات الاتصال عندها تعتمد على منصبها والهالة التي باتت تتمتع بها بفضل هذا المنصب، سواء داخل الكتلة أو داخل هياكل حزب حركة النهضة، أو على مستوى تعاطيها الاعلامي فهي لا تكاد تنزل من عليائها، تأمر وتنهي، تتحرك بنرجسية كبيرة، وإن كانت تنفي ذلك باستمرار- فإن زميلاتها في كتلة حركة النهضة، يؤكدن هذا الأمر، بل أكثر من ذلك أصبحت علاقتها بعدد منهن، وخصوصا اللاتي يتمتعن بشخصية قوية، فاترة إلى أبعد حد." وهذا الفتور غير مستغرب لأنه من الصعب مصادقة من لا يؤمن إلا بالأخونة والذي يبلغ به الجموح إلى حد مطالبة المخرج التلفزي المكلف بتغطية مداولات المجلس التأسيسي بوجوب تركيز كاميرا التصوير على النواب المتدخلين دون سواهم وعدم تصوير النواب المحتجين وتهديدها له بتقديم شكوى للهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري. ولفرط تأكدها من عدالة مطلبها فقد التزمت علنيا بالاعتذار في حال أقرت الهيئة بأنها مخطئة. وهو ما حصل خلال هذا الأسبوع ولا يبدو مع ذلك أن محرزية تنوي الاعتذار. إنها منتوج ‘الأخونة' بامتياز وهو ما يجعلها أشبه منها بالصحبي عتيق وباقي صقور النهضة منها بزميلاتها النائبات اللائي حافظن على علاقات متنوعة مع الحراك الشعبي الموالي للثورة والذي كان من أهم علاماته اعتماد مجلة الانتخابات الماضية لقانون المناصفة.
و تلك المسافة بين إخلاص للمد الشعبي الثوري وبين رغبة عارمة في تسخير ذلك المدّ لفائدة ‘أخونة الدولة' هي ما عمّق الهيكلة العمودية لحركة النهضة من ناحية ولعمل كتلة النهضة في المجلس التأسيسي من ناحية أخرى. ومن أسطع الأمثلة على عدم تعويل صقور الكتلة على بقية نواب الكتلة في تحصين مسار ‘أخونة الدولة' أن نفس أعضاء لجنة الصياغة والتنسيق التي رفضت اللجان التأسيسية مشروع الدستور الذي اقترحته هم الذين يمثلون النهضة ضمن لجنة التوافقات ؛ حتى المقرر العام للدستور أرادوه عضوا في لجنة التوافقات ليكون الخصم والحكم على نحو يوحي إما بعناد يتعارض مع أبسط مقتضيات التوافق أو بنقص في الكفاءات التي لها القدرة على تحصين الرهانات الاخوانية. ولعله من نافل القول أن الكفاءة، في سياق تحصين الأخونة من خلال سعي متواصل لتفكيك الدولة العميقة لدعم دولة التمكين، تتطابق مع القدرة على المناورة وعلى تقليص الفارق بين قوة الحجة وحجة القوة. وما تهديدات الصحبي عتيق لشعبه إلا لحظة قصوى في هذا الاتجاه. ولعله إن كان لتلك التهديدات من مزية فإنها ذات صلة بالمساعدة على تبسيط إدراك مدى التماثل الحاصل بين صقور النهضة وبين أعضاء ما يسمى برابطات حماية الثورة. وفعلا، لا بد أن نذكر أنّ حركة التمرد الأولى في تونس لم تأت فكرتها من مصر ولكن ترتبت عن إخلال النهضة بالتزامها بمدة سنة لكتابة الدستور وبقبول الغنوشي -خلال برنامج ‘الصراحة راحة' التلفزي- بشرعية أن يُقال لهم ‘ديقاج' لو خلفوا التزامهم؛ ومع ذلك فقد هددت النهضة وتوعدت يوم 23 أكتوبر 2012 دعاة انتهاء شرعية الحكومة والمجلس التأسيسي، كما جندت إلى جانبها الرابطات لترهيب خصومها. وأكتفي ها هنا بالتذكير ببيان صادر عن المجلس الجهوي بتونس لما يُسمى ب'رابطة حماية الثورة' موقّع من رئيسه مصطفى الطهاري وفيه نقرأ: "نحمد الله أن وهبنا هذه الفرصة التاريخية –والمقصود فرصة 23 أكتوبر- التي لن نضيعها هذه المرة لإبادة أعداء الثورة وأعداء الشعب الذين استهانوا بثورتنا وبدماء شهدائنا ونعد أبناء وطننا بمحرقة لكل من ستسول له نفسه المساس بثورتنا والانقلاب عليها."
هكذا يتبين وجه القرابة بين تهديدات الصحبي عتيق لشعبه وتهديدات مصطفى الطهاري بما أن كليهما يريدها فتنة وذلك لكي يستفيد من المقدس رخصة استباحة المعارضين وسحق الخصوم. هكذا بدا الصحبي عتيق لا يرقى حتى لوعي داعية مثل الداعية عبد الكريم سروش، الذي تحدث عما أسماه انقلاب البداهات. وقد كتب المذكور قائلا: "من أهم العلائم التي تشير إلى أننا تركنا عالما ودخلنا في عالم آخر هو أنّ البداهات السابقة التي كنا تعيشها في مرحلة سابقة قد خرجت عن إطار البداهة وأخلت مكانها لبداهات أخرى. فما كان قاعدة وقانونا في المرحلة السابقة قد أصبح استثناء في هذه المرحلة وما كان استثناء قد تبدل إلى قاعدة. فقتل المرتد مثلا لم يكن بحاجة إلى دفاع عقلاني في السابق بل كان من البديهيات ولكن في الحال الحاضر فإنّ مثل هذه البداهة قد سقطت عن هذا الحكم الشرعي ورأينا أعاظم الفقهاء والمتكلمين وجدوا أنفسهم ملزمين بالدفاع عن هذا الحكم." [2] في المقابل، يمكن الجزم أنّ إنكار صلاحية انقلاب البداهات المشار إليه يمثل الأرضية التي تجمع بين سعي الدعاة المنتمين للنهضة لأسلمة المجتمع وسعي صقورها لأخونة الدولة. ولعل المنصف بن سالم كان يتلذذ بانطباع التواصل التراثي الذي يوحي به تواتر مصطلح ‘الشورى' هو أحد أسباب تصريحه بخيلاء خلال الاجتماع الذي عقدته النهضة لانتخاب خليفة لحمادي الجبالي كمرشح لرئاسة الحكومة: "مجلس الشورى هو أعلى سلطة في البلاد." وفعلا، منذ سقوط حكومة حمادي حبالي بعد تمرد الشعب عليها إثر اغتيال الشهيد شكري بلعيد فإننا لم نعد نشهد أي أثر –ولو لفظي- للتسليم والحرص على استمرارية الدولة. إذ بدون التسليم بتلك الاستمرارية فإنه لا مجال للحديث عن تغول السلطة السياسية على الدولة، وهو السبب الذي قامت الثورة من أجل محاربته و وضع حد له.
**محمد بن حمودة: استاذ جامعي
[1] ) ضمن مقال لكوثر زنطور بعنوان "سلمى بكار ومحرزية العبيدي: الحاكمتان بأمرهما في المجلس الوطني التأسيسي"، ورد بجريدة ‘المغرب'، يوم الأحد 14 جويلية 2013، ص 4
[2] ) د. عبد الكريم سروش، الدين العلماني، ترجمة أحمد القبانجي ، دار الانتشار العربي، الطبعة الأولى 2009، ص 92


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.