قروض دون فائدة: فتح باب التسجيل لتمويل مشاريع ذوي الإعاقة    اليوم الاثنين 27 افريل 2026 اخر اجل لايداع التصريح بالضريبة على الدخل للتجار    أكثر من 600 شركة لكراء السيارات في تونس    تونس: ملايين أيام العمل تضيع وغياب يصل إلى 15% في الوظيفة العمومية    اندلاع اشتباكات عنيفة في طرابلس..#خبر_عاجل    الرابطة الأولى: برنامج المباريات المتبقية للنادي الإفريقي والترجي الرياضي    من الإقصاء إلى الطموح... تونس تبحث عن التألق في دورات التحدي للتنس    باش تصّب المطر؟شوف وقتاش ووين؟    فلكياً.. هذا موعد عيد الأضحى    فاجعة تهز هذه المنطقة.."براكاج" ينتهي بجريمة بشعة..    افتتاح الدورة الثامنة من مهرجان قابس سينما فن    برونزية لأحمد العبيدي في بطولة إفريقيا للجمباز الفني    ذهبية لإيمان الساعي وبرونزية لريم السليمي في البطولة العربية لألعاب القوى    الرابطة الثانية: برنامج مواجهات اليوم من الجولة 11 إيابا    عاجل: معروضات ممنوعة في معرض تونس الدولي للكتاب    فيلم "مايكل" يحطم ارقام قياسية في أسبوع واحد رغم هجوم النقاد    قرار قضائي في حق شوقي الطبيب    الحماية المدنية : 425 تدخلا خلال 24 ساعة الماضىة    أمين مال غرفة أصحاب سيارات التاكسي "قريبا تعريفة جديدة"    قرصنة جديدة لسفينة شحن قبالة هذه السواحل..#خبر_عاجل    800 ألف تونسي يعيشوا بالقروض الصغرى    ال Bac Blanc...وقتاش؟    هل يُحج عن من مات ولم يحج؟ الإفتاء تحسم الجدل    شوف شنوا تعملك دقيقة صمت ؟    عاجل : لا صحة لفرض سوريا تأشيرة أو ''نظام كفيل'' على دول المغرب العربي    آيفون ما يخدمش بعد ''ما توفا'' البطارية؟ الحل بسيط    في بالك المطر صبّت: شوف كميات قداش وصلت؟    بطولة اسبانيا : فياريال يتغلب على سيلتا فيغو ويحكم قبضته على المركز الثالث    تعريفة جديدة للتاكسي الفردي..وهذه التفاصيل..    اتحاد الفلاحين: جزء هام من أضاحي العيد عند ''القشّارة''    من الحرب إلى صحتك.. كيف تتحول الأزمات العالمية إلى ألم يومي؟    هل يمكن العلاج نهائيا من مرض ضغط الدم؟    الجلوس ولا الوقوف لصحتك ؟ شوف الحقيقة الصادمة!    ابدأ أسبوعك بالدعاء... كلمات بسيطة تغيّر يومك بالكامل    حمام الأنف : العثور على جثة آدمية    "أكسيوس": إيران تقدم مقترحا جديدا لإنهاء الحرب    بطولة إفريقيا للجودو نيروبي: ميدالية فضية لتونس في مسابقة الفرق مختلط    الإعلان عن القائمة القصيرة لجوائز الإبداع بمعرض تونس الدولي للكتاب    مقتل ملكة جمال في المكسيك على يد حماتها ب12 رصاصة!    أسعار النفط ترتفع على خلفية إلغاء جولة جديدة من المفاوضات بين واشنطن وطهران    زغدان: جزء من الأضاحي عند الوسطاء    انتصار حلف المقاومة بقيادة إيران وأهمية الدائرة الثالثة/ الإسلامية لخلاص الأمتين (1/ 2)    في افتتاح تظاهرة «خزاف المتحف» بسوسة...قصر الرباط... وِجْهَة مبدعي الخزف    مخالفات وحجز مواد غذائية    مع الشروق : امتحانات.. يقطعها العيد!    إنجاز نحو 2000 قسطرة قلبية و280 عملية إذابة جلطة بعد سنة من إطلاق وزارة الصحة منصة "نجدة"    الجبة التونسية ولباس عروس المهدية في طريقهما لليونسكو: ملف وطني جاهز للتسجيل    باش تروّح بالطّيارة؟ شوف التخفيضات الجديدة لصيف 2026    فتح باب الترشح لمنح جديدة للدراسة في اليابان    صفر حالة شلل أطفال في تونس    بشرى للمسلمين: هذا موعد عيد الأضحى 2026 فلكيًا    باجة: قنطرة الخمسة تتزين بعرض ضوئي مبهر    الكاف: الملتقى المغاربي للإبداع الأدبي: الماء في الأدب المغاربي    تراجع في صابة الفراولة هذا الموسم ب50%..وأسعار تصل الى 7 دنانير!    تحسن طفيف في الميزان التجاري التونسي خلال الثلاثي الأول من 2026    ملتقى التشغيل لسياحة ومستقبل المهن السياحية يوم 28 أفريل 2026 بالمنستير    ميناء جرجيس: انطلاق أول خط دولي منتظم لنقل البضائع    شوف طقس الأحد: شمس وسحاب... وأمطار مفاجئة بعد الظهر بهذه المناطق    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



كوابيس الجنة"... عندما تحل لعنة شياطين السياسة والمال القذر
نشر في حقائق أون لاين يوم 11 - 06 - 2021

لنتفق منذ البداية أن رواية "كوابيس الجنة" لصاحبها فؤاد خليفة شابير هي استثناء قصصي بامتياز مضمونيا و بنائيا. هذه الرواية الصادرة عن دار وشمة والتي تزيّن غلافها بلوحة "أشباح ذهبية" لنور أحمداش، جاءت لتقدم لنا نموذجا متميزا من الأعمال الروائية التي مزجت بين السرد والعمل الاستقصائي حول موضوع المخدرات الذي بات حديث الساعة في بلادنا.

تميزت هذه الرواية التي بلغ عدد صفحاتها 308 صفحة بتناول موضوع آني وجريئ قلّ ما تم التطرق اليه بالنظر الى حساسيته وخطورته. تسليط الضوء على موضوع المخدرات وانتشارها داخل الاحياء الشعبية والمؤسسات التربوية والتعليمية والتعمق في ادق تفاصيل حياة المروجين الخاصة ونظمهم الحياتية بأسلوب قصصي جميل وجذاب جعل من هذه القصة التي مزج فيها الكاتب بين الأسلوب السردي والأسلوب الاستقصائي مرجعا نادرا لتمثل مدى استفحال هذه الظاهرة داخل مجتمعنا.

محاكاة الكاتب للعديد من الوقائع داخل" حي الخربقة "الذي نشأت فيه معظم شخصيات هذا العمل الروائي المتماسك، واصراره على جعل هذا الحي مسرحا للعديد من الوقائع والأحداث والجرائم وأحداث العنف يترجم مدى حرصه على الالتصاق بالواقع التونسي المعيش. اذ لا تخلو اليوم أحياؤنا الشعبية من الشمال الى الجنوب من تفاقم ظواهر العنف والترهيب والاغتصاب وبيع الخمر خلسة وترويج المخدرات بأنواعها ولم يعد تناول هذه المواضيع الحارقة من قبيل المحظورات بل أصبح حديث القاصي والداني. والأخطر من ذلك هو "تطبيع" المجتمع التونسي مع هذه الظواهر الخطيرة وقبولها على أساس أنها تندرج في إطار التطورات المجتمعية التي تشهدها كل الدول وهو أمر مرفوض وغير ذي منطق لما تمثله هذه التغيرات من تأثيرات سلبية على تماسك البناء المجتمعي.

حرص فؤاد شابير صاحب المجموعة القصصية" لا شيء مما تظن "من خلال هذه الرواية على جر القارء بأسلوب سلس وشيق في رحلة عالم المخدرات المليء بالأهوال والمخاطر. عالم تستباح فيه كل الحرمات وتنتهك فيه كل القيم وتزهق فيه الأرواح دون خوف ولا ندم. عالم مستقل بذاته وخفي لا تكاد تنخرط فيه حتى تصبح جزءا منه لا انت قادر على مغادرته ولا هو سامح لك بمفارقته. عالم، الوالج اليه مفقود والخارج منه مردود. عالم مليء بالسحر في ظاهره لكن داخله مرجل يغلي ويحي بالانفجار في اية لحظة. عالم، شبهه الكاتب بالجنة. لكنها جنة مليئة بالهموم والكوابيس. تضاد بنى عليه شابير هذه الثنائية. فالإحساس باللذة داخل هذه الجنة سرعان ما يتحول الى كابوس مؤرق. فهذه المادة الخفيفة وغير الدسمة والمنعشة هي في الأصل سم يحول مستهلكها الى هامّة بشرية قد تفتك بغيرها في أي لحظة دون شفقة او رحمة.

الخشبة، سوسن، شكري، مالك، سكامبيا، الطاهر، ليون، منى... ثماني شخصيات أثثت هذا العمل الروائي وحملت القارئ الى تمثل العديد من الأحداث المتشعبة في علم الجريمة كاملة الأوصاف. ولعل ما ميز تعامل الكاتب مع شخصياته هو طريقة عرضها للقارئ والتي قامت على ثنائيات عديدة كالفعل ورد الفعل، والفاعل والمفعول به، والراوي والمتحدث عنه، والمؤثر في الاحداث والمتأثر بها، والضحية والجلاد.

شخصيات حرص القاص والروائي التونسي فؤاد خليفة شابير على تمكينها فرصة التعبير عن نفسها وتقديمها بشكل ذاتي وكأنه يراهن عليها ويمنحها فرصة الجلوس على كرسي الاعتراف وتقديم شهادتها الذاتية بعيدا عن كل الضغوطات التي تتعرض لها داخل عالمها المشحون. وما يمكن استقراؤه أن الكاتب نجح في كسب هذا الرهان اذ أن الروايات الثمانية التي قدمها بشكل متتابع كانت متماسكة الى أبعد الحدود اذ تطابقت دون أن يكون هناك تكرارا لسرد الأحداث أو مللا في إعادة تقديمها كلما دعت الضرورة الى ذلك.

ولعل هذا الأسلوب يكون سلاحا ذو حدين اذ بقدر ما يجعل القارء ينفر من هذه الشخصيات المستوحاة من الواقع طبعا ويلفظها بقدر ما يجعل من إمكانية التأثر بها او الاشفاق عليها فرضية ممكنة جدا بالنظر الى البراعة التي ابداها الكاتب في تصوير المشاهد وتخيلها.

اذ بقدر ما توجد شخصيات" منفّرة" ومسيطرة توجد شخصيات أخرى متورطة في الفعل الاجرامي لكنها تتلحف برداء الضحية المفعول بها وغير القادرة بسلبيتها المفرطة على رد الفعل ودرء الوقوع في الخطيئة. ولعل شخصيتا الخشبة وسوسن اللتان تبدوان أقل تأثيرا في صيرورة الأحداث او في سيرورتها من أكثر الشخصيات جلبا للتعاطف بالنظر الى وقوعهما القسري بين مطرقة البيئة الاجتماعية المنشئة والمتسمة بالقذارة والتهميش والفوضوية وسندان الظلم والتحكم والقهر. الخشبة وسوسن هما نموذج حي عن عدد لا يحصى من الشباب التونسي الذي تختنق به اليوم أحياؤنا الشعبية المفقرة والمهمشة والتي ترزح تحت سطوة المتنفذين من بارونات الفساد والافساد والذين يستنجدون بوسطاء ووكلاء متموقعين في منزلة بين المنزلتين من امنيين فاسدين وسياسيين انتهازيين لتنفيذ رغبات اسيادهم عبر توظيف من هم أقل منهم شأنا.


التدرج الهرمي الذي اعتمده شابير المتخصص أيضا في البرمجيات الإعلامية في روايته التي ستنافس 34 رواية أخرى لنيل جائزة الكومار الذهبي لهذه السنة والقائم على الأساس الذي عرضناه آنفا كان مخالفا لما هو مألوف في بقية الروايات الأخرى التي يعتمد جلها على فتح المجال للقارئ للتعرف على الشخصية الرئيسية والمحورية في العمل القصصي. تعمّد شابير أن ينيط عهدة مسك طرف الخيط السردي لشخصية "تافهة" وتأثيرها يكاد يكون منعدما في سير الأحداث ليس خروجا عن المألوف أو تفرّدا واستثناء بل كان مبنيا أساسا على مماثلة لطبيعة الموضوع الذي بنى عليه روايته. فشخصية "الخشبة" والتي يدل اسمها على تفاهتها حتى في خيالنا الشعبي هي اسفل الهرم الذي ترتقي فيه الشخصيات بارتفاع مهامها وأدوارها وتأثيراتها في سير الأحداث و تطورها الى غاية الوصول الى رأس الهرم، مصدر القوة والتأثير والماسك بخيوط اللعبة والمتحكم في بقية الشخصيات.

لقد أبدى فؤاد خليفة شابير صاحب العديد من المقالات السياسية نشرت له في الكثير من الصحف التونسية جراءة كبيرة في استهداف الماسكين بخيوط تجارة المخدرات دون مواربة او تمويه.
اذ من خلال استنطاق شخصياته خصوصا النافذة منها يسقط شابير ورقة التوت عن فئة من السياسيين التونسيين ورجال الأعمال الفاسدين وبارونات التهريب والتجارة الممنوعة والموازية وشبكات ترويج عالمية اتخذت من بلدنا سوقا مزدهرة لبضاعتها ونقطة عبور وعن كل الذين يقفون وراء استشراء هذا الوباء بتواطئ خفي من أطراف متنفذة داخل أجهزة الدولة وفي مراكز عليا في مؤسسات سامية من نواب ووزراء وغيرهم.

يقول شابير على لسان الشخصية المحورية في هذا العمل وهي شخصية مالك المحامي وأحد أفراد العصابة النافذين الذي أصبح عضوا في مجلس النواب : "كان سفري خارج البلاد أخطر حدث يمكن أن يقع لي. أتسلم جواز سفر ديبلوماسي أزرق خاص واسافر في مهمة رسمية ثم أعود بحقيبة تعج بعقاقير مخدرة : اكستازي، سي دي، كوكايين هيروين..."

وتضيف هذه الشخصية التي ربطت علاقات متشابكة مع كل القيادات العليا في البلاد : "كانت مكاتب وزراء الدولة مفتوحة أمامي على مصراعيها. يعلمون أنهم سينالون دعما كبيرا من أجل خدمات بسيطة ينفذونها لي. أتعجب كيف تسير الأمور في هذا البلد. تخيفني الأحزاب في حملاتها الانتخابية الرنانة حتى انني استعد للهروب من البلاد في صورة اخذت مقاليد الحكم. لكن لا شيء يتغير. كبار الموظفين يتحكمون في سياسات البلاد. والوزير الذكي هو من يهادن هؤلاء.
لا شيء يتغير. رجال أعمال يمتلكون آلاف الملايين دون معامل ولا موظفين يعقدون صفقات وهمية ويتجولون كالملوك. يقاومون التهريب بمطاردة أصحاب الاكشاك البائسة ومن يعرضون سلعهم الرخيصة على قارعة الطريق".

لعل طرح هذا الموضوع الذي يأتي في سياق اجتماعي وسياسية واقتصادي متعفن ليس من قبيل الترف الثقافي بل هو ضرورة ملحة يجب ان يتم من أجلها تجنيد كل الوسائل المتاحة من وسائط إعلامية وثقافية وغيرها لكشف هؤلاء الشياطين الضالعين في هذا التخريب الممنهج لمجتمعنا ولجيل من شبابنا التلمذي، وبالأخص اولئك الذين يتحصنون بمناصبهم العليا وعلاقاتهم المتشعبة بأصحاب السلطة والمال الفاسد.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.