كريم أحراس: تونس تُهدر فرصًا كبرى في قطاع الفوسفاط وتفقد كفاءاتها الشابة    وزير المالية القطري: تداعيات الحرب على إيران ستظهر بعد شهرين    مونديال التايكواندو للاواسط والوسطيات - آدم الدجبي يودع منافسات وزن تحت 63 كلغ منذ الدور 64    مواجهات نارية في نصف نهائي دوري الأبطال    رئيس الجمهورية يستقبل وزير الشؤون الخارجية بروندا    مفاوضات مرتقبة بين واشنطن وطهران وترمب يتحدث عن لقاء لبناني إسرائيلي    رويترز.. الجزائر اشترت مئات آلاف الأطنان من القمح الصلب لتعزيز مخزونها الوطني    أسطول الصمود ينطلق من برشلونة نحو غزة لكسر الحصار    تهديد إيراني بإغلاق باب المندب وقائد الجيش الباكستاني يصل إلى طهران    الشعراء يغادرون المدينة    الشّعر ومحنة الاعتراف ...متى يؤخذ مأخذ الجدّ و يحتل مكانه اللائق؟    قراءة في «أرشيف الرماد» للشاعر سعيف علي الظريف /ج1 السّرد المجنون والطريف ...    دوري ابطال اوروبا.. البيارن وارسنال يطيحان بريال مدريد وسبورتينغ لشبونة    تقلبات جوية: إجراءات استباقية وتحذيرات في أريانة    معرض تونس الدولي للكتاب .. أزمة إدارة أم غياب رؤية؟    عاجل/ اطلاق صفارات الانذار إيذانا بتنفيس سد بني مطير..    الانتحار «أمام الكاميرا» خطر جديد يتهدّد الأطفال والمراهقين    مع الشروق : حين يلفظ المزاج الأوروبي الكيان المحتل    مجلس وزاري مضيق يعرض استراتيجية الفلاحة 2026–2030 ورئيسة الحكومة تؤكد على تعزيز الأمن الغذائي والسيادة الغذائية    والي تونس يوصي باتباع أقصى درجات الحيطة والحذر تبعا للتقلبات المناخية المنتظرة الليلة وصباح الخميس    ارتفاع صادرات الصناعات الغذائية التونسية إلى بولونيا: الأرقام    ما تأثير المشروبات الغازية على العظام؟    لليوم الثاني.. إطلاق نار بمدرسة في تركيا ومقتل 9 أشخاص    نابل: المعهد التحضيري للدراسات الهندسية بنابل يحتضن تظاهرة "يوم المهندس" في دورتها التاسعة    صدمة نفطية: تونس أمام نافذة فرص، مع تمويلات من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في المتناول    حفل عمرو دياب يثير جدلاً في مصر...علاش ؟    جندوبة : قطع طرقات بسبب فيضان وادي البربر    دقة تحتفل بشهر التراث بالتاريخ والفن والثقافة    إصابة مفاجئة في الترجي: هذا اللاّعب تحت المجهر الطبي    صدمة في دبي: برج العرب باش يتسكر عام ونص!..علاش؟    " سليانة... تنظيم يوم تنشيطي تحت شعار"تراث أجدادنا " احتفاء بشهر التراث    الاحتفاء بتونس في الدورة الرابعة من معرض الكتاب العربي الكندي من 24 إلى 26 أفريل    الرابطة الثانية: القطيعة بالتراضي بين سبورتينغ بن عروس والمدرب إسكندر مجبورة    تحذير للحوامل.. مواد في منزلك قد تؤثر على تكوين وجه الجنين وتسبب تشوّهات!    وقتاش تنجم دخل الماكلة للرضيع؟    الفيفا يُلزم الجامعة التونسية بجدول صارم للمونديال    عاجل/ تحطّم طائرة بهذه المنطقة..وهذه حصيلة الضحايا..    وزارة الصحّة تنظّم ورشة عمل لتعزيز التنسيق متعدد القطاعات في إطار نهج "صحة واحدة"    أحكام بالسجن ضد راشد الغنوشي و11 سياسيا وناشطا    في لقاء حواري مع طلبة منوبة: الفنان رؤوف بن يغلان يجيب عن سؤال"كيف تكون الجامعة أغورا مسرحية؟"    تراجع تدريجي للتضخم في تونس مع تواصل مجهود الدولة لتحسين القدرة الشرائية    نبيل بوذينة يمزج "الهاوس" بروح أذرية ولمسة عائلية    أسوام مواد البناء شاعلة نار..شوف كيفاش؟    هذه القطعة الصغيرة السبب في ضعف سيارتك وزيادة استهلاكها من essence    عاجل : هذه مستجدات منصة تشغيل من طالت بطالتهم    الطقس باش يتحسّن...أما وقتاش؟    البسملة في الصلاة: نقولوها جهراً ولا سرّاً؟    أبطال إفريقيا: الترجي الرياضي يشد الرحال لمواجهة صن داونز    أريانة: إحباط شبكة دولية لترويج 10 ملايين قرص مخدر    أحكام بالسجن بين 6 و10 سنوات لعصابة تروّج المخدرات في الوسط المدرسي بالكرم الغربي    إياب ربع نهائي دوري أبطال أوروبا: ماتش بايرن ميونخ ضد ريال مدريد..وقتاش ووين تتفرّج؟    يُناقش في يوم دراسي بالبرلمان: أبرز تفاصيل مقترح قانون تنظيم الجمعيات    الليلة وغدوة الصباح: الشتاء باش تضرب بقوة في المناطق هذه    طقس اليوم: أمطار غزيرة بهذه المناطق مع تساقط البرد    فتح باب التسجيل عن بعد لإحداث مؤسسات تربوية خاصة للسنة الدراسية 2027-2026    يوم مفتوح لتقصي امراض الصوت والحبال الصوتية يوم 18 افريل 2026 بمستشفى الطاهر المعموري بنابل    شنوا حكاية ''التسريب المتعلق بشيرين عبد الوهاب ؟    حدث فلكي نادر لن يتكرر قريبا...شنّوة وهل تونس معنية؟    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



داعش ومشتقاتها : حركات طبيعية وليست غريبة عن المجتمع التونسي

من التنشئة الدينية.. إلى تدجين المجتمع وتصنيم الحداثة
في سنوات نشأته الأولى يتلقى الطفل أولى لبنات تكوينه النفسي والإجتماعي انطلاقا من التعليم الديني والقرآن، فيشحنون وجدانه البريء بحقائق كونية مطلقة تتمحور حول إله ووسيط تولى إرسال رسالة كونية.
فيحدثونه عن الفتوحات والغزوات والغنائم والكفار ونشر الدعوة وأرض الجزيرة المباركة والولاء للمسلمين.
فتنشأ في وجدانه البريء قناعات بالاستعلاء والحصول على الحقائق المطلقة، كما تتركز في ذهنيته ولاءات بريئة لكل من يحمل نفس القناعات والعقيدة.
لكن ومع تقدمه في السن يكتشف أنه يعيش في إطار حضاري يطغى عليه طابع الهزيمة والانحدار، وتنشأ لديه قناعة بأن عقيدته الإجتماعية يجب أن تكون مركّزة على هزم الجميع من شعوب وقوميات وحضارات حتى يصنع تموقعه الحضاري.
ومع تقدمه في السن أكثر يضيفون له شحنة من العقلانيات والأدبيات هي أشبه بخلطة هجينة مركّبة ومستوردة، ثم يضيفون له كيميائيات من قبيل (الجمع بين الأصالة والحداثة ؛ التصالح مع الماضي ؛ الإنفتاح الكوني مع الحفاظ على الخصوصيات).
وفي الحقيقة فإن هذه الخلطة تحدث مجتمعا هجينا قد يبدو منفتحا ومتنوعا ومنتاسقا، لكنه منوّم ومغيّب وغارق في الهوس والتشتت. فهناك كتلة اجتماعية تنساق عشوائيا وراء العولمة واستهلاك قشور وملذات الحداثة ومنتجاتها المادية والأخلاقية المستوردة، وهذا يكون على حساب الأبناء والأحفاد (القروض المجحفة التي سيتحمل تبعتها الأبناء والأحفاد ؛ الانفتاح العشوائي ؛ الاتفاقيات الاقتصادية العشوائية).
وكتلة ثانية تستهلك أيضا قشور الحداثة وملذاتها لكنها تعيش في هوس ديني بأن هذه المرحلة ظرفية وبأن النصر قادم لا محالة وأن ذلك يتطلب أسلمة المجتمع والتدرج، وهذا يتجلى في احدى نظريات السيد قطب عندما قال بأن الانقلاب الحضاري على الغرب يتطلب حوالي 3 قرون.
وكتلة ثالثة تتكون من المهمشين الذين قد يلتجئون إلى الميوعة والإنحلال والإنحراف والسرقة والجريمة، أو إلى التنظيمات الإسلامية الجهادية للتفجير وقطع الرؤوس.
وهذا ما يضعنا أمام ضرورة مراجعة مسألة التربية الدينية بتدريس الأديان الأخرى. وإدراج مادة الفلسفة بطريقة ممنهجة في سنوات التعليم الأولى (هذا معمول به في الدول المتقدمة).
الرجعيات تكمل بعضها
بعد هروب بن علي، كان من الطبيعي أن تطفو الرجعيات الاجتماعية على السطح، وهذه الرجعية لم تكن خارج إطار الموروث. فكان الإلتجاء إلى الحطام الروحي للدولة الوطنية برمزيتها البورقيبية بالنسبة للكتلة الحداثوية، والحطام الروحي للخلافة العثمانية التي تبلورت انطلاقا من الإيديولوجية الإخوانية المتماهية مع الأردوغانية بالنسبة للكتلة الإسلاموية.
هذا المشهد قد يساهم في الانحطاط التدريجي للتماسك الصوري للدولة إلى حين حصول قطيعة مادية تؤدي إلى قطيعة معرفية في ما يخص مفهوم الدولة والوطن وقواعد الإدارة السياسية الاجتماعية.
هذه القطيعة قد تكون متمثلة ماديا في هروب "النخب" خارج البلاد من سياسيين وفاعلين إعلاميين واجتماعيين ومتحككين على عتبات المنظمات الممولة من الخارج. لأن نفوذهم ورصيدهم يسمح بذلك. وبالتوازي ستبرز أزمة اقتصادية واجتماعية وأمنية خانقة، تمس البرجوازية الصغيرة والمتوسطة التي انخرطت سواء عن وعي أو عن غير وعي في الدفاع عن مصالحها الطبقية الصغيرة واللهث الطفولي وراء أوهام الايديولوجية الصغيرة كالحفاظ على "نمط" المجتمع وأسلمة المجتمع وما إلى ذلك من الخرافات.
قد يبدو هذ االمشهد قاسيا ومزعجا لكنه متوقع جدا إذا لم تتحمل جميع الأطراف مسؤولياتها بالتخلي عن الأنانية ولعبة المحاور وأوهام الإيديولوجية الصغيرة. وفي ظل مشهد كهذا ستكون الأفضلية للتنظيمات الجهادية التي قد تنجح في تولي مسألة الإدارة الإجتماعية والسياسية على طريقتها التي لا تحتاج إلى تعريف.
إذا تناولنا المسألة بموضوعية نقول ان داعش (ومشتقاتها) هي حركات "منطقية" و "طبيعية" لمواجهة حالة تاريخية إجتماعية معيّنة.... فالشعوب تحتاج أحيانا إلى عملية "رفت" (حسب المعمول به في المصطلحات البيداغوجية)...حتى تعود إلى مجرى التاريخ وحتى تتدرب على المرور إلى مرحلة الإنسانية و حتى لا تظن أنها تمردت على "الطبيعة" و "سنن التاريخ".
فالكثيرون يعتقدون أن ما يعيشونه هو حالة طبيعية. وذلك من جراء التخدير والتنويم الذي تعرضوا له جراء العولمة والحداثة الصورية والاستعراضية التي أدخلوا فيها رغما عنهم... فالكثير من المثقفين يعتقدون أنهم مثقفون لكنهم في الواقع أغبياء .. والكثير من الحداثيين يعتقدون أنهم حداثيون لكنهم لا يُدركون أنهم بصدد استهلاك قشور الحداثة ومنتجاتها المادية والأخلاقية والثقافية كالبقرة التي تستهلك الأعلاف المركبة. ..
والكثير من الملحدين يعتقدون أنهم تطوّروا "كثيرا" لكنهم في الواقع أغبياء ويعيشون في حالة تخبّط .... والثري الذي جمع ثروة لا يُدرك انه لن يجد الخبز ليأكله بمجرّد امتناع الولايات المتحدة عن تزويد تونس بالفرينة حتى ولو كان في جيبه ملايين الدينارات ....والكثير من الفنانين لا يُدركون أنهم مجرّد مهرّجين رغم تصفيق آلاف الجماهير لهم .... والمستهلك للمنتجات المادية والفكرية والثقافية المستوردة من الدول الأخرى لا يدرك انه لا علاقة له بهذه المنتجات ولم يساهم في إيجادها....
فالكثيرون ممن يدعون الحداثة والعلمانية يفشلون في أول امتحان لنكتشف أن في عقلهم الباطني الكثير من العنصرية والجهوية، والكثير من القاذورات التي هي من مخلفات العولمة والتحديث الشكلاني...
هذا المشهد الذي يطغى عليه الكثير من الرداءة والانحلال قد تتلقفه سنن الطبيعة والتاريخ بظهور حركات شبيهة بداعش لتعيد المجتمع إلى مدرسة ابتدائية هي منه وإليه حتي يعيد حساباته ويدخل مرحلة الإنسانية على قواعد سليمة.
المسألة الدينية والتدريب على الحداثة المنتجة
بعد زحف التيارات التكفيرية والإرهابية الإسلامية على تونس بداية من التيار الإخواني وصولا إلى أنصار الشريعة وغيرها من التنظيمات. اكتشف الكثير من التونسيين الإسلام على حقيقته وأصبح الكثيرون وخاصة من فئة الشباب والمراهقين يتبرؤون من الإسلام وأحيانا يتهجمون عليه. كما برزت ظاهرة الإلحاد ونبذ القيم الدينية التقليدية، وهذه الظاهرة تزحف رويدا رويدا سواء في العلن أو في الخفاء.
وفي هذه النقطة لن نقيم الموضوع من منظور أخلاقوي عقائدي، إنما سنضع الأمور في إطارها. ففي عهدي بورقيبة وبن علي كان التونسيون بصفة عامة متصالحون مع الدين مهما كانوا بعيدين عن الإلتزام بشعائره، وكانت كتلة اجتماعية واسعة تستمد قيمها انطلاقا من الموروث الديني، حتى وإن كانت بعيدة عن الإلتزام بالشعائر الدينية.
وعلينا أن لا ننكر أن هذا التصالح كان في إطار الديكتاتورية ولم يكن في إطار الحرية. أما الآن فلقد تغيرت الأمور بعد أن أصبحت مجالات التعبير متاحة للجميع. وما من شك أن التيارات الدينية المتشددة
هي المسيطرة على الساحة إذ نجحت في استقطاب فئة واسعة من الشباب الذين تبنوا تدينا متشددا وخطيرا.
إذا كان التدين الوهابي والقاعدي الذي طغى على فئة واسعة من الشباب يمثل ظاهرة خطيرة لا يشك فيها أحد، فإن ظاهرة الإلحاد والإبتعاد عن القيم الإجتماعية التقليدية المشتقة من الدين، التي برزت كرد فعل طبيعي على زحف التيارات التكفيرية والإرهابية الإخوانية وغيرها، تطرح نقاط استفهام عديدة.
إذ يجب علينا الإعتراف بأن المجتمع التونسي غير مهيئ للإنتشار الكاسح لهذه الظاهرة، فالمجتمع التونسي ورغم ارتفاع نسبة التمدرس ورغم التطور النسبي لمناهج التعليم الجامعي ورغم الحداثة الصورية والإستعراضية الطاغية، إلا أنه مجتمع غير مهيئ لتقبل الإلحاد ولا حتى الحداثة في مضامينها الناضجة ومنتجاتها المادية والثقافية والأخلاقية.
وهنا علينا الإقرار بان الدين هو أنجع المدارس الإبتدائية لتدريب الشعوب على المرور إلى مرحلة الإنسانية إلى حين الوصول إلى برادايم جديد يمكنها من التطور والدخول إلى الحداثة الحقيقية المنتجة وليس الحداثة المركبة والصورية والإستعراضية. وهذا ما يضعنا أمام حتمية إحداث قاعدة نظرية لتدين مدروس يلتجئ إليها الشاب أو حتى الكهل وذلك لتجنب أكبر قدر من السلبيات وحتى يكون التدين عاملا محفزا للتدريب على الحداثة المنتجة وليس عائقا.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.