الميساوي يخلف السليمي في تدريب حمام الأنف    رازي القنزوعي يغادر الأحد الرياضي؟    انطلاق منتدى الأعمال التونسي التركي المنعقد في اسطنبول    القصرين: حجز 7.5 كلغ من مخدر الزطلة في فوسانة    بية الزردي تعوض علاء الشابي    ملتقى رمضان يوم الاحد القادم بصفاقس    رئيس الدولة يتحادث مع رئيس حركة مشروع تونس    منوبة: إيقاف الدروس بالمدرسة الابتدائية سيدي سالم التباسي بالجديدة احتجاجا على انعدام التواصل مع مديرها    تفكيك شبكة مختصة في التدليس ببن عروس    وزارة التربية: تمكين كافة اولياء تلاميذ الاعدادي والثانوي من بطاقات اعداد ابنائهم عبر ارساليات بريدية    حجز 25 طنا من النحاس المهرب بسوسة    توزر: الإدارة الجهوية للتجهيز تواصل تدخلاتها لفتح الطرقات المغمورة بالرمال جراء العواصف الرملية    تحرش واتجار بالبشر في حق المقيمين في مركز الاحاطة والتوجيه الاجتماعي بصفاقس (جمعية براءة)    جمعيات تطالب بفتح تحقيق ''جدي وموضوعي حول اخلالات بمنظومة التلقيح في تونس أدت إلى إعاقات ووفيات جراء وباء الحصبة''    فتح باب التّرشح لأيّام قرطاج الموسيقيّة لسنة 2019    سوسة :وفاة تلميذ بكالوريا سقط من نافذة سيارة بسبب الاحتفال بالباك سبور    رسالة عائلات شهداء وجرحى الثورة إلى الرأي العام ” إنّي أَتهم    روسيا: نجاح أوّل عمليّة في العالم لزراعة كبد ورئتين في آن واحد لطفل    الغنوشي: ''عندي ثقة أن الشعب سينتخب النهضة مثل 2011 لأنها أوفت بوعودها''    كأس افريقيا : على عكس ما روّجته الصحافة المصرية، تونس لم تطالب بتغيير مدينة السويس    في العوينة : إغتصاب أجنبية تحت التهديد بموس    القيروان: الشرطة البلدية تحجز 300 كغ من معجون التمر ومواد مدعمة بمستودع لصنع الحلويات    الجهيناوي لغسان سلامة: تواصل الحرب والمواجهات العسكرية في ليبيا ستكون له عواقب وخيمة على كامل المنطقة    بعد القبض على الأميرة العربية..مهمة افريقية جديدة لأبناء الجنرال لومار    الكاف : انتهاء الدراسية التمهيدية لمشروع الطريق السيارة الكاف – تونس    هنا الهوارية : إنخفاض ملحوظ في أسعار الخضر والغلال    مفاجأة: تقارير استخباراتية تم تجاهلها قبل 10 أيام من تفجيرات سريلانكا    محمد عبو الامين العام الجديد للتيار الديمقراطي ، ومرشح الحزب للانتخابات الرئاسية    رئيس الجمهورية يشرف على موكب أداء اليمين الدستورية للعضوين الجديدين بالمجلس الأعلى للقضاء    بنزرت تستعد ليوم الجهات بمدينة الثقافة    الدورة السابعة لمهرجان قفصة الدولي للفرجة الحية .. إقبال شبابي كبير على الافتتاح وغدا موعد مع عرض    الجزائر: إيقاف 5 رجال أعمال مقربين من بوتفليقة للتحقيق معهم في قضايا فساد    الناطق باسم الجيش الليبي: 10 كيلومترات تفصلنا عن دخول مركز العاصمة    عاجل/ رفع درجة التأهب وسط العاصمة الليبيّة طرابلس    محاولة تهريب 5800 حبة من الحبوب المخدرة إلى الجزائر    بالصور/ سامي الفهري يرسل محضر تنبيه لفيصل الحضيري.. وهذا فحواه    بالفيديو: درة أخصائية نفسية في ''المايسترو ''    الطرابلسي: بطاقات العلاج الالكتروني "لاباس" ستمكن من اضفاء الحوكمة والشفافية على التعاملات    المتحدث باسم حكومة سريلانكا: التفجيرات التي وقعت في البلاد نفذت بمساعدة شبكة دولية    بداية معاملات الإثنين ..شبه إستقرار ببورصة تونس    26 أفريل.. رجال أعمال من روسيا يزورون تونس    هل تقرّر الرّابطة إعادة مباراة الملعب القابسي والنّادي الصفاقسي؟ (صور)    سمير الوافي يهنىء علاء الشابي : "الثالثة ثابتة"    أخبار النجم الساحلي ..اليوم يلتحق شرف الدين باللاعبين والترجي من بين المهنئين    إدارة الغذاء والدواء الأمريكية توافق على بخاخ أنف لجرعات الأفيون الزائدة    د .شكري الفيضة: (أستاذ التسويق الالكتروني بجامعة تونس) .. التونسي يميل الى المسلسلات المدبلجة    طقس بداية الاسبوع: سرعة الرياح تصل الى 90 كلم/س    ممثل كوميدي يفوز برئاسة أوكرانيا    بعد نهاية مباراة المنستير والترجي ..احتجاجات ومواجهات بين الأمن والجماهير    بالفيديو: طرد مهين لوزير جزائري سابق من مسيرة باريسية    صحتك أولا : هذه الأطعمة تخفض ضغط الدم    الشرطة البئية : قرارات غلق وحجز وإتلاف كميات من الخضر والغلال    حظك اليوم : ماذا تقول لك الأبراج..    مورينو يقدم رؤيته: من إلى نهائي رابطة الأبطال برشلونة أم ليفربول؟    الكاتب العام للاتحاد العام للأطباء البيطريين :عشرة مسالخ فقط تتوفر على شروط السلامة الصحية ومواصفات الذبح    قبلي: التعريف بدور الزيتونة في تجذير الهوية العربية الاسلامية خلال فعاليات ملتقى سيدي ابراهيم الجمني الخامس    في الحب والمال/هذا ما يخفيه لكم حظكم اليوم السبت 20 افريل 2019    مشاهير ... كونفوشيوس    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





داعش ومشتقاتها : حركات طبيعية وليست غريبة عن المجتمع التونسي

من التنشئة الدينية.. إلى تدجين المجتمع وتصنيم الحداثة
في سنوات نشأته الأولى يتلقى الطفل أولى لبنات تكوينه النفسي والإجتماعي انطلاقا من التعليم الديني والقرآن، فيشحنون وجدانه البريء بحقائق كونية مطلقة تتمحور حول إله ووسيط تولى إرسال رسالة كونية.
فيحدثونه عن الفتوحات والغزوات والغنائم والكفار ونشر الدعوة وأرض الجزيرة المباركة والولاء للمسلمين.
فتنشأ في وجدانه البريء قناعات بالاستعلاء والحصول على الحقائق المطلقة، كما تتركز في ذهنيته ولاءات بريئة لكل من يحمل نفس القناعات والعقيدة.
لكن ومع تقدمه في السن يكتشف أنه يعيش في إطار حضاري يطغى عليه طابع الهزيمة والانحدار، وتنشأ لديه قناعة بأن عقيدته الإجتماعية يجب أن تكون مركّزة على هزم الجميع من شعوب وقوميات وحضارات حتى يصنع تموقعه الحضاري.
ومع تقدمه في السن أكثر يضيفون له شحنة من العقلانيات والأدبيات هي أشبه بخلطة هجينة مركّبة ومستوردة، ثم يضيفون له كيميائيات من قبيل (الجمع بين الأصالة والحداثة ؛ التصالح مع الماضي ؛ الإنفتاح الكوني مع الحفاظ على الخصوصيات).
وفي الحقيقة فإن هذه الخلطة تحدث مجتمعا هجينا قد يبدو منفتحا ومتنوعا ومنتاسقا، لكنه منوّم ومغيّب وغارق في الهوس والتشتت. فهناك كتلة اجتماعية تنساق عشوائيا وراء العولمة واستهلاك قشور وملذات الحداثة ومنتجاتها المادية والأخلاقية المستوردة، وهذا يكون على حساب الأبناء والأحفاد (القروض المجحفة التي سيتحمل تبعتها الأبناء والأحفاد ؛ الانفتاح العشوائي ؛ الاتفاقيات الاقتصادية العشوائية).
وكتلة ثانية تستهلك أيضا قشور الحداثة وملذاتها لكنها تعيش في هوس ديني بأن هذه المرحلة ظرفية وبأن النصر قادم لا محالة وأن ذلك يتطلب أسلمة المجتمع والتدرج، وهذا يتجلى في احدى نظريات السيد قطب عندما قال بأن الانقلاب الحضاري على الغرب يتطلب حوالي 3 قرون.
وكتلة ثالثة تتكون من المهمشين الذين قد يلتجئون إلى الميوعة والإنحلال والإنحراف والسرقة والجريمة، أو إلى التنظيمات الإسلامية الجهادية للتفجير وقطع الرؤوس.
وهذا ما يضعنا أمام ضرورة مراجعة مسألة التربية الدينية بتدريس الأديان الأخرى. وإدراج مادة الفلسفة بطريقة ممنهجة في سنوات التعليم الأولى (هذا معمول به في الدول المتقدمة).
الرجعيات تكمل بعضها
بعد هروب بن علي، كان من الطبيعي أن تطفو الرجعيات الاجتماعية على السطح، وهذه الرجعية لم تكن خارج إطار الموروث. فكان الإلتجاء إلى الحطام الروحي للدولة الوطنية برمزيتها البورقيبية بالنسبة للكتلة الحداثوية، والحطام الروحي للخلافة العثمانية التي تبلورت انطلاقا من الإيديولوجية الإخوانية المتماهية مع الأردوغانية بالنسبة للكتلة الإسلاموية.
هذا المشهد قد يساهم في الانحطاط التدريجي للتماسك الصوري للدولة إلى حين حصول قطيعة مادية تؤدي إلى قطيعة معرفية في ما يخص مفهوم الدولة والوطن وقواعد الإدارة السياسية الاجتماعية.
هذه القطيعة قد تكون متمثلة ماديا في هروب "النخب" خارج البلاد من سياسيين وفاعلين إعلاميين واجتماعيين ومتحككين على عتبات المنظمات الممولة من الخارج. لأن نفوذهم ورصيدهم يسمح بذلك. وبالتوازي ستبرز أزمة اقتصادية واجتماعية وأمنية خانقة، تمس البرجوازية الصغيرة والمتوسطة التي انخرطت سواء عن وعي أو عن غير وعي في الدفاع عن مصالحها الطبقية الصغيرة واللهث الطفولي وراء أوهام الايديولوجية الصغيرة كالحفاظ على "نمط" المجتمع وأسلمة المجتمع وما إلى ذلك من الخرافات.
قد يبدو هذ االمشهد قاسيا ومزعجا لكنه متوقع جدا إذا لم تتحمل جميع الأطراف مسؤولياتها بالتخلي عن الأنانية ولعبة المحاور وأوهام الإيديولوجية الصغيرة. وفي ظل مشهد كهذا ستكون الأفضلية للتنظيمات الجهادية التي قد تنجح في تولي مسألة الإدارة الإجتماعية والسياسية على طريقتها التي لا تحتاج إلى تعريف.
إذا تناولنا المسألة بموضوعية نقول ان داعش (ومشتقاتها) هي حركات "منطقية" و "طبيعية" لمواجهة حالة تاريخية إجتماعية معيّنة.... فالشعوب تحتاج أحيانا إلى عملية "رفت" (حسب المعمول به في المصطلحات البيداغوجية)...حتى تعود إلى مجرى التاريخ وحتى تتدرب على المرور إلى مرحلة الإنسانية و حتى لا تظن أنها تمردت على "الطبيعة" و "سنن التاريخ".
فالكثيرون يعتقدون أن ما يعيشونه هو حالة طبيعية. وذلك من جراء التخدير والتنويم الذي تعرضوا له جراء العولمة والحداثة الصورية والاستعراضية التي أدخلوا فيها رغما عنهم... فالكثير من المثقفين يعتقدون أنهم مثقفون لكنهم في الواقع أغبياء .. والكثير من الحداثيين يعتقدون أنهم حداثيون لكنهم لا يُدركون أنهم بصدد استهلاك قشور الحداثة ومنتجاتها المادية والأخلاقية والثقافية كالبقرة التي تستهلك الأعلاف المركبة. ..
والكثير من الملحدين يعتقدون أنهم تطوّروا "كثيرا" لكنهم في الواقع أغبياء ويعيشون في حالة تخبّط .... والثري الذي جمع ثروة لا يُدرك انه لن يجد الخبز ليأكله بمجرّد امتناع الولايات المتحدة عن تزويد تونس بالفرينة حتى ولو كان في جيبه ملايين الدينارات ....والكثير من الفنانين لا يُدركون أنهم مجرّد مهرّجين رغم تصفيق آلاف الجماهير لهم .... والمستهلك للمنتجات المادية والفكرية والثقافية المستوردة من الدول الأخرى لا يدرك انه لا علاقة له بهذه المنتجات ولم يساهم في إيجادها....
فالكثيرون ممن يدعون الحداثة والعلمانية يفشلون في أول امتحان لنكتشف أن في عقلهم الباطني الكثير من العنصرية والجهوية، والكثير من القاذورات التي هي من مخلفات العولمة والتحديث الشكلاني...
هذا المشهد الذي يطغى عليه الكثير من الرداءة والانحلال قد تتلقفه سنن الطبيعة والتاريخ بظهور حركات شبيهة بداعش لتعيد المجتمع إلى مدرسة ابتدائية هي منه وإليه حتي يعيد حساباته ويدخل مرحلة الإنسانية على قواعد سليمة.
المسألة الدينية والتدريب على الحداثة المنتجة
بعد زحف التيارات التكفيرية والإرهابية الإسلامية على تونس بداية من التيار الإخواني وصولا إلى أنصار الشريعة وغيرها من التنظيمات. اكتشف الكثير من التونسيين الإسلام على حقيقته وأصبح الكثيرون وخاصة من فئة الشباب والمراهقين يتبرؤون من الإسلام وأحيانا يتهجمون عليه. كما برزت ظاهرة الإلحاد ونبذ القيم الدينية التقليدية، وهذه الظاهرة تزحف رويدا رويدا سواء في العلن أو في الخفاء.
وفي هذه النقطة لن نقيم الموضوع من منظور أخلاقوي عقائدي، إنما سنضع الأمور في إطارها. ففي عهدي بورقيبة وبن علي كان التونسيون بصفة عامة متصالحون مع الدين مهما كانوا بعيدين عن الإلتزام بشعائره، وكانت كتلة اجتماعية واسعة تستمد قيمها انطلاقا من الموروث الديني، حتى وإن كانت بعيدة عن الإلتزام بالشعائر الدينية.
وعلينا أن لا ننكر أن هذا التصالح كان في إطار الديكتاتورية ولم يكن في إطار الحرية. أما الآن فلقد تغيرت الأمور بعد أن أصبحت مجالات التعبير متاحة للجميع. وما من شك أن التيارات الدينية المتشددة
هي المسيطرة على الساحة إذ نجحت في استقطاب فئة واسعة من الشباب الذين تبنوا تدينا متشددا وخطيرا.
إذا كان التدين الوهابي والقاعدي الذي طغى على فئة واسعة من الشباب يمثل ظاهرة خطيرة لا يشك فيها أحد، فإن ظاهرة الإلحاد والإبتعاد عن القيم الإجتماعية التقليدية المشتقة من الدين، التي برزت كرد فعل طبيعي على زحف التيارات التكفيرية والإرهابية الإخوانية وغيرها، تطرح نقاط استفهام عديدة.
إذ يجب علينا الإعتراف بأن المجتمع التونسي غير مهيئ للإنتشار الكاسح لهذه الظاهرة، فالمجتمع التونسي ورغم ارتفاع نسبة التمدرس ورغم التطور النسبي لمناهج التعليم الجامعي ورغم الحداثة الصورية والإستعراضية الطاغية، إلا أنه مجتمع غير مهيئ لتقبل الإلحاد ولا حتى الحداثة في مضامينها الناضجة ومنتجاتها المادية والثقافية والأخلاقية.
وهنا علينا الإقرار بان الدين هو أنجع المدارس الإبتدائية لتدريب الشعوب على المرور إلى مرحلة الإنسانية إلى حين الوصول إلى برادايم جديد يمكنها من التطور والدخول إلى الحداثة الحقيقية المنتجة وليس الحداثة المركبة والصورية والإستعراضية. وهذا ما يضعنا أمام حتمية إحداث قاعدة نظرية لتدين مدروس يلتجئ إليها الشاب أو حتى الكهل وذلك لتجنب أكبر قدر من السلبيات وحتى يكون التدين عاملا محفزا للتدريب على الحداثة المنتجة وليس عائقا.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.