بعد حملة انتخابية مهووسة… وبعد كيل للسباب والشتائم من هذا المرشح إلى ذاك .. وهذا من الفريق إلى الفريق الآخر… وبعد استخدام أقذر الأساليب الدعائية من أجل أن يشوه كل طرف الطرف الآخر…. جاءت النتائج النهائية معلنة فوز الملياردار "دونالد ترمب" لتعلن انتهاء ذلك المهرجان الطويل من التهريج والسباب والانحطاط… فرح البعض بتلك النتيجة … أصيب الكثيرون بالصدمة؟؟ أو هكذا تظاهروا…. ودخل بعضهم في حالة هستيرية…. لكن ذلك لم يكن ليغير من الأمر شيئا… فقد وقع الأمر ووقع الفأس في الرأس وحصل ما في الصدور… وكالعادة غرق الجميع في الحسابات والتحليل والاستشراف… وتهاطلت الألسنة والأقلام والتصريحات… هذا يندب الحظ التعيس وآخر يهون من خطورة الأمر ..وثالث يؤكد تفاؤله واستبشاره بما حدث… ولكن لسائل أن يسأل: لم كل هذه الضوضاء وكل هذا التخوف وكل هذا القلق من صعود "ترامب" إلى سدة الحكم على رأس الولاياتالمتحدة ؟؟؟ وهل يعني ذلك أن "هيلاري كلنتن" كانت ملائكة مرسلة من السماء ؟؟؟ وأنها كانت ستحول العالم إلى جنة؟؟؟ ثم ما هي العبر والدروس المستخلصة من كل ما حدث خلال الانتخابات الأمريكية ومن خلال كل ما نرى ونسمع اليوم في أمريكا وغيرها من ردود أفعال وتصريحات حول نتائجها؟؟؟ إن المتابع للحملة الانتخابية الأمريكة وما تخللها من ممارسات لا تمت للأخلاق السياسية ولا للديمقراطية بأية صلة حيث استخدم كل من الطرفين المتنافسين أقذر الوسائل من أجل تشويه الخصم .. وحيث وصل بهم الأمر إلى حد الخوض في أدق تفاصيل حياة المنافس الشخصية… للبحث عن أخطائه ونشرها عبر وسائل الإعلام .. كذلك اعتماد أسلوب تسريب الوثائق والملفات التي تدين هذا الطرف أو ذاك …. إضافة إلى ما وصل إليه النقاش من مستوى منحط من الخطاب وخاصة من طرف ترامب للتشويه والتهكم والتحقير…. فهل هذه هي أمريكا راعية الديمقراطية في العالم والتي تسوق لنفسها على أنها الأنموذج الأكبر في التحضر والديمقراطية ؟؟؟ الأكيد أن الحملة الانتخابية الأخيرة بين "هيلاري ودونالد " كشفت الوجه الحقيقي للواقع السياسي والاجتماعي للولايات المتحدةالأمريكية ذلك الواقع وتلك الحقيقة التي يتم دائما اخفاؤها بإحكام حتى يتم نفي وجودها أصلا بعد ذلك.. إنها حقيقة أن أمريكا هي بلد عنصري ومتغطرس واستعماري وإرهابي وعدواني … فأمريكا الحالية التي تروج لنفسها على أنها رمز شامخ من رموز التحضر والحرية والإنسانية .. ما هي في الحقيقة إلا بلد متسلط وإرهابي ومجرم… ولو عدنا قليلا إلى الوراء… أي منذ خروج الولاياتالمتحدة كأكبر مستفيد وأكبر منتصر خلال الحرب العالمية الثانية وبروزها كقوة عالمية جديدة على أنقاض الامبراطورية البريطانية وهذه الدولة تخوض الحروب ضد الشعوب المستضعفة عبر مختلف أرجاء العالم ولا تنفك تقمع كل دعاة الحرية إما من خلال التدخل المباشر عسكريا أو من خلال تنصيب أو دعم الأنظمة الفاسدة والعميلة لها من أجل تحقيق مصالحها… هذه هي أمريكا الحقيقية .. أمريكا رعاة البقر الذين قاموا بأكبر عملية إبادة في حق الإنسانية عبر التاريخ القديم والحديث وذلك بالقضاء على الملايين من السكان الأصليين للأمريكيتين وحشر من بقي منهم وإلى غاية اليوم في محميات كالحيوانات حتى لا تصل قصتهم إلى مسامع أحد… وتقديم أنفسهم على أنهم أصحاب الأرض الحقيقيين… هؤلاء هم الأمريكيون… إنهم لا يعرفون إلا لغة المال والسلاح والقوة… لا يحكمهم سوى قانون الغاب…. أمريكا لا يهمها دمار البشر ولا دمار الأرض ولا خراب الكون…. طالما الأمريكيون ينعمون بالرفاه فلا يهم ما يحدث هناك من وراء البحار…. أمريكا لم يرف لها جفن وهي تهرول لفتح عصر من الدمار والخراب بإلقاء القنبلة النووية الأولى ثم القنبلة الثانية على مدينتي هيروشيما وناكازاكي لتحرق الأخضر واليابس .. المجرم والبريء .. الصغير والكبير.. العسكري والمدني .. البشر والحجر… ولو لم تعلن اليابان عن استسلامها حينها لما رف للأمريكان جفن حتى ولو أفنوا اليابانيين عن بكرة أبيهم وحولوا أرضهم إلى محمية للقردة …. أمريكا هذه هي التي كانت هناك في كوبا وفي أفغانستان وفي الصومال وفي فياتنام وفي فلسطين وفي العراق وفي كوريا وفي بنما وفي اليمن وفي التيوان وحيث مرت فإنها لا تخلف إلا الخراب والدمار…. وإن لم تكن القوات الأمريكية العسكرية هي التي تقاتل وتدمر فإنها تنتدب من ينوبها للقيام بذلك من قاعدة ودواعش وبلاك ووتر وحشود طائفية ومرتزقة وعصابات إجرامية …. لكن قوة الآلة الإعلامية الأمريكية … وقوة قدرتها على تزييف الحقائق وقلبها هي التي جعلت الكثيرين يهيمون في حبها ويعتقدون أنها الجنة فوق الأرض وأنها قمة الحضارة … ولا زلت أذكر كيف كنت وأنا صغير أشاهد أفلام " الكوبوي" التي كانت تصور السكان الأصليين الذين يطلق عليهم زورا وبهتانا اسم " الهنود الحمر" مع أنهم لا يمتون إلى الهند بأية صلة على أنهم متوحشون ولا أخلاق ولا قيم لهم .. والتي كانت تقدم الرجل الأبيض.. راعي البقر.. الكوبوي .. على أنه النبيل الشهم والشجاع الذي يدافع عن نفسه وعن المستضعفين بالتصدي لجحافل البرابرة الهمجيين من لابسي أرياش الديكة وبقتلهم لتخليص العالم من شرورهم؟؟ هذا ما كانوا يزرعونه في عقولنا وفي عقول الجميع ونحن صغار في تزييف وتزوير للتاريخ لم يعرف له مثيل من قبل ؟؟؟ وهاهي أمريكا تواصل السير على نفس النهج ولكن الضحية هذه المرة ليس الأبرياء من سكان أمريكا الأصليين فأولئك لم يعد لهم وجود وإنما العدو الجديد هم جمهور العرب والمسلمين… فلقد قررت أمريكا وحليفتها الصهيونية العالمية أن العدو القادم المهدد للعلم الصهيومسيحي لن يكون سوى الإسلام وأتباعه.. وأن انتصار المسيحية والصهيونية وعودة المسيح إلى الأرض لن يكون إلا بالقضاء على كل ما يمت للإسلام بصلة … وهكذا عادت أمريكا لتستنسخ ما قامت به في حق السكان الأصليين في الأمريكيتين وخاصة الشمالية منهما .. لتنشر الخراب والدمار الذي نراه اليوم بزعم نشر الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان أمريكا لها قدرة كبيرة على إخفاء وجهها القبيح… وجهها المجرم والبشع و المتوحش.. والتستر وراء مساحيق التظاهر بالإنسانية والنبوغ والتفوق والحرية.. ومن أجل أن تقنع الآخرين بذلك فإنها تقوم ببيع الوهم وإطلاق الأكاذيب وإبهار ضعاف النفوس والتلبيس عليهم وسلبهم لبصيرتهم…من خلال الإشهار والإبهار والإعلام والسينما التي تعد أكبر وسائل التزييف والكذب التي تسخرها لتحقيق غايتها… فيهيم الجميع بالحلم الأمريكي… ألم ينجح ذلك الأسلوب في تعميق أزمات الاتحاد السوفياتي والتعجيل بسقوطه من خلال انبهار المواطنين الروس بالمثال الأمريكي للعيش .. الذي يروج للرفاه والثراء والانغماس في المتع بلا حدود؟؟؟… إذا ما الذي تغير ؟؟؟… وما هو الفرق من أن يحكم أمريكا ترامب أو هيلاري ؟؟ أو الجمهوريون أو الديمقراطيون؟؟؟ ألم يكن الحكم بينهم بالتداول منذ عقود… ألم يسبق "أوباما" الديمقراطي " جورج الصغير" الجمهوري ؟؟؟ لإذا لم كل هذا التخوف من ترامب؟؟؟ أليس ترام هو التعبير الحقيقي عن الذهنية الأمريكة والشخصية الأمريكي والحلم الأمريكي؟؟؟ ثرام رجل أبيض.. ترامب رجل أعمال يحتكم لقانون السوق… ترامب رجل ثري ملياردار… ترامب رجل خشن ومتعجرف رغم أنه لا يرعى البقر… ترامب يحتقر الملونين والمرأة…. ترامب لا يفهم غير لغة القوة والتهديد واستعراض العضلات… أليست هذه هي أمريكا الحقيقية بلا مساحيق؟؟؟ ما كانت تخفيه إدارة أوباما وجماعة هيلاري من أعمال قذرة ومن مخططات مدمرة وغير إنسانية من أجل تواصل هيمنة أمريكا على العالم… صدح به ترامب وهو يلوح باستخدام عصاه الغليضة من دون أي جزرة… بكل غطرسة وصلف وعنجهية راعي البقر… فراعي البقر ليس له صبر على المناورة والترصد والتحايل من أجل الوصول إلى تحقيق غاياته بطرق ملتوية من أجر إخفاء جرائمه… راعي البقر يمشي مباشرة إلى هدفه فيستل مسدسه بأسرع ما يمكن لكي يقضي على خصمه بلا شفقة ثم يبصق على جثته ويمضي في حال سبيله كأن شيئا لم يكن…. إذا الخوف من ترامب يكمن هنا… إنه يكمن في أن ما كان يسجل ضد مجهول من الجرائم التي ترتكب في حق الأبرياء عبر قارات العالم لعدم وجود الأدلة … أصبح اليوم معلوم الفاعل وبالاعتراف الكامل والتبني الواضح… والأكيد أن من كشف عن وجهه الإجرامي في غير وجل ولا خوف لن يتوانى عن الكشف عن شركائه وأتباعه وأزلامه وأعوانه… إن الخوف والهلع والذهول هو نتيجة الخوف من انكشاف الحقيقة.. وليس من مواقف ترامب وسياساته لأنها مهما كانت سيئة فهي لن تشذ عن سياسات من سبقوه من المجرمين… فقط ما يصيبني أنا بالدهشة هو تواصل تصديق الناس لكل تلك الأكاذيب التي تروج لهم عن الجنة الأمريكية… وتصديقهم لكل ما يلصق بالآخرين من تهم … وكأننا لا نزال إلى اليوم نتابع نفس الفلم الطويل الذي لا ينتهي ..لراعي البقر لأمريكي " الكوبوي" مخلص الأرض ومطهرها من الأشرار…. كلينتن هيلاري وترامب دونالد في نهاية المطاف ما هما إلا وجهان لنفس الدولار الذي تم رهن الاقتصاد العالمي لهيمنته منذ الحرب العالمية الثانية حتى لا يتنفس أي اقتصاد خارج الجناح الأمريكي… فقط ترامب أعجبني في شيء واحد أنه كان أجرأ من الآخرين "أو ربما أكثرهم حماقة ووقاحة" فأعلن عن حقيقته وحقيقة بلاده دون مواربة وتدليس… فهل للآخرين أن يفعلوا مثله حتى تكتمل الصورة أمام الجميع أم أن الجبان والتابع والعبد لا يقدر إلى أن يكون جبانا …؟؟؟ ملاحطة أخيرة أردت أن أسوقها هنا حول خروج تلك المظاهرات وقيام تلك الاحتجاجات على خلفية انتخاب ترامب على رأس الإدارة الأمريكية … ألم يكن ذلك ليعد همجية وتطرفا لو وقع في بلد آخر من بلاد لعالم؟؟ واعتبر انقلابا على نتائج الصندوق وعدم رضوخ الأقلية رأي الأغلبية؟؟؟ أليست الديمقراطية تعني القبول بنتائج الصندوق كيفما كانت؟؟؟ ترى لو دعم الجيش تلك المظاهرات وانقلب على ترامب بدعوى أنه إرهابي وشاذ مثلما حدث في مصر فهل كان ذلك يعد أمرا مقبولا ونوعا جديدا من الديمقراطية على الطريقة الأمريكية التي تلبس الجينز وتشرب الكوكا وتأكل الهمبرجر؟؟؟ متى نفيق من الوهم الأمريكي؟؟؟