«أبو غريب» يافطة معلّقة على باب في الطّرف الجنوبي من ليل بغداد : «الرّجاء عدم الإزعاج» الوقت ربيع مذياع مفتوح على آخره وأغنية لم تعد تنشر أيّ شذى وهي التي تتردّد في شجن معقود على نفسه حتّى الضّنى.. «ليه يا بنفسج بتبهج وأنت زهر حزين؟!». وعليك أن تجد مفتاح الضوء فإن تعذّر فليس لك سوى أن تتلصّص من ثقب الباب وتعلّم أن ما تراه وقتيّ داثر.. وأنّ الذي لا يُرى هو الأبدي الباقي.. أنّ ما يحدث في «أبو غريب» ليس غريبا بالمرّة.. وها هي أمريكا تفضح نفسها بنفسها وتختفي وراء فضيحتها ومن يدري.. فلعلّها أمريكا تغتسل في ماء دجلة الطهور عسى أن تتحرّر من «أمريكا». أبو غريب.. مجنّدة أمريكية ترتدي التايير الجينز أو الكاكي وتهزّ أردافها أو نصفها الأسفل الذي نما لا شكّ في غفلة تامّة من نصفها الأعلى... أعني رأسها وليس من العدل في شيء أن تصدأ أعضاؤها الرطبة الدافئة أو تجفّ... وهي في «أبو غريب» لا بدّ أنّها تذكرها بمشاعر دافئة جدّا في مكان بارد جدّا كالموت.. فلا ضير إن هي قطفت زهرة برية من جسد أسير عراقي أو كشطت من جلده ملء قبضتها أو أطفأت أعقاب سجائرها في صدره.. أو درّبت أسنانها على مضغ اللحم العراقي الغريب عنها حقّا.. وهي تتلذّذ بالوجع المنبعث منه.. ولا يذهبنّ في ظنّك أنّ هذا الذي تراه في كثافة الضوء.. ودون نأمة أو أيّ من مؤثرات الصوت.. تعذيب... ربّما هو «سوء معاملة» لا غير أو «حدث مؤسف» وهو عادة التعبير الديبلومالسي البارد عن كلّ ما هو فادح أو ربما هي طريقة أمريكية في ترتيب جغرافيا الجسد العراقي.. أو محاولة لتجميل الألم لا غير.. وماذا ينتظر أسير عراقي من أمريكية غريبة في «أبو غريب»؟ أن تمسّد جسده بعد حمام ساخن وكوب حليب دافىء؟ ماذا ينتظر أكثر من هذا المجد الاستثنائي غير العادي الذي تعدنا به أمريكا؟ أبو غريب ثمار معطوبة قطع أثاث نخرة أعني أجسادا يتكوّم بعضها فوق بعض.. في مشهد لم يحلم به سلفادور دالي.. وعليك أن تجد مفتاح الضوء.. ولكن تأكد أنّك ستخطىء في عدّها.. وفي عدّ أكياس البلاستيك المحشوّة في «أبو غريب» ببقايا اللحم العراقي محمّرا أو مسلوقا... أو ببقايا أجنّة... أبدا لن تومىء للأرحام التي أسقطتها أو للأيدي التي أجهزت عليها قبل أن تعوي وحيدة في أكوام النفايات. أبو غريب ربّما آن لك أن تتسمّى باسم أمريكي ولأمريكا اسم موقّع يليق التوقيع به على قصيدة موزونة عصماء لن تعوزك قوافيها.. مزّيكا روبافيكا.. صعاليكا.. ولاتنس أن تقفلها بالدعاء لأمريكا.. وعسى أن تحوز الحكمة التي حازتها الأنظمة الذكية.. فأمريكا دودة شريطية سرطانية.. الوقاية منها خير من العلاج.. ولو بالمقاومة والوقاية أن تسلّمها كلّ مفاتيحك... وتتركها تقودك كما تقاد النعجة وعليك قبل هذا كلّه أن تتناول جرعة زائدة من الأفكار الأمريكية عن الديمقراطية وحقوق الإنسان.. ولا تحاول أن تفهم أمريكا أبدا.. كفاك صورتها وعدُ الحرية الذي تخلقه فيك. أبو غريب ما بين عراق صدّام حسين وعراق بول بريمر.. سنة ضوئية بالتمام والكمال وصار بإمكان العراقيّ أن يقيس درجة حريته بترمومتر الحرية الأمريكي وإذا ما بلغ الزئبق الدرجة 42 ومات فهو إنّما يموت من الحرية لا غير. أبو غريب تلك الهالة هالة الضوء حيث يتضاءل جسد عراقي أسود كالخفّاش ليست إلا تلويحة وداع من الذي ذهب يفكّر حتى الطرف الآخر من نفسه وقد آن أبو غريب أن توصد بابك ثانية ولا تنس أن تضع اليافطة «الرجاء عدم الإزعاج».