لم يخف وزير الخارجية الأمريكي ذهوله من هول مشاهد تعذيب الأسرى العراقيين في سجن «أبو غريب»... هذه الصدمة جاءت بمثابة القطرة التي أفاضت كأس باول الذي يتحدث المقربون منه عن امتعاضه الشديد من تصرفات وضغوطات «صقور البيت الأبيض» الى حد أنه يفكر جديا في الانسحاب من ادارة بوش لو فاز هذا الأخير بولاية ثانية في انتخابات نوفمبر القادم. وبالفعل، فإن شطحات صقور البنتاغون واليمين المسيحي المتطرف الذين «اختطفوا» ادارة بوش قد لطخت سمعة باول وأدت الى اهتراء مصداقيته بالكامل... حيث وجد نفسه أكثر من مرة يسبح ضد التيار... ويلجأ الى كل صنوف البهلوانيات لترويج سياسة كاسدة فاسدة، وللدفاع عن مواقف ووجهات نظر يُعدّ الدفاع عنها انتحارا بطيئا... والعالم كله يتذكر كيف بدأ باول «حمامة» في ادارة بوش قبل أن ينتقل تحت ضغط «الصقور» والمتصهينين ليتبنى سياسات إدارة بوش المتصلبة خاصة بعد تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر 2001 . وقد جعلته البهلوانيات السياسية التي دفع اليها دفعا الى الترويج للأكاذيب وفي طليعتها أكذوبة المخابر العراقية المتنقلة على الشاحنات والمخصصة لتصنيع أسلحة الدمار الشامل... وما زال العالم يتذكر أيضا تلك الجلسات الساخنة في مجلس الأمن عندما أخذ الحماس السيد باول وحوّله إلى ساحر يحاول اقناع العالم بصور يعرف في قرارة نفسه أنها ملّفقة وبتقارير يدرك قبل غيره أنها مفبركة ومزوّرة... لكن باول ورغم كل شيء نجح كل مرة في ايجاد خط رجعة يمكنّه من تصحيح صورته ومن ترميم بقايا مصداقيته... حيث لم يتردد في التصريح بأن حكاية الشاحنات المتنقلة كانت كذبة وبأن أسلحة الدمار الشامل غير موجودة... ليصل به الأمر مع ظهور صور العار الى «الانفجار» ليعبّر عن صدمته وليشتكي من أنه البراغاماتي الوحيد في ادارة بوش ويحيط به جمع من العسكريين الذين يضغطون بسياساتهم المتصلبة والتي تضطره لترويج بضاعة غير قابلة للترويج. ويبدو أن هذه الصدمة فعلت فعلها في الجنرال السابق وهو يرى الأسس الأخلاقية لدولة تدعي الدفاع عن القيم الإنسانية وعن حقوق الإنسان تتهاوى في سجن «أبو غريب»... وجعلته يهمس للمحيطين به من معاونيه بأنه يعاني التعب والملل وأنه سيغادر مركب الرئيس بوش لو فاز بمدة رئاسية جديدة. ان صرخة الضمير الصادرة عن باول ليست الأولى ولن تكون الأخيرة... فقد سبقه ارميتاج لاعلان نيته في الانسحاب فيما استقال عديد المسؤولين في السنوات الأخيرة واندفع 58 من السياسيين والديبلوماسيين السابقين لمطالبة بوش بتصحيح سياساته في الشرق الأوسط وحذروه من أن هذه السياسات الموالية لشارون تزيد في تهرئة مصداقية أمريكا وفي تغذية رصيد الكراهية العربية بها... فهل يفهم بوش هذه الرسالة؟ وهل تستخلص الادارات الأمريكية القادمة الدروس والعبر من هذه الأخطاء القاتلة التي لم تزيد إلا في تعرية أمريكا أمام العرب والعالم وفي فضح وجهها القبيح الذي يختفي وراء القيم الإنسانية ووراء الدفاع عن الحرية والديمقراطية في العالم... لأن فاقد الشيء لا يعطيه، ولأن من يروم اصلاح العالم عليه أولا باصلاح واجهة بيته...