إذا ما صحّ الأمر وسلّمت الولاياتالمتحدةالأمريكية الرئيس صدام حسين قبل 30 جوان أو بعده إلى السلطة العراقية الجديدة فإن ذلك معناه أنها تريد الالتفاف على ما يدينها وتريد أن تجعل من قضية صدام حسين قضية محلية تتمثل في محاسبة الرجل على تهمة كبيرة اسمها الدكتاتورية وتفاصيل أخرى لها قد لا تتجاوز قمع الأكراد مع تحميله مسؤولية ضرب حلبجة بالسلاح الكيمياوي وقمع ما اصطلح عليه بتسمية ثورة الجنوب التي تخصّ قمع حركة التمرد التي قامت بالمدن الجنوبية إبان حرب الخليج الثانية. وهكذا تنتقل قضية صدام حسين من قضية دولية قد يكشف خلالها المتهم حقائق تدين أمريكا وبعض الشخصيات التي هي اليوم على رأس إدارتها وهذا أمر ممكن وإن كان غير أكيد إلى قضية محلية صرفة لا تتجاوز تحميل المتهم التهم التي ذكرنا.. وربما كان تسليمه للسلطة العراقية الجديدة تم بغرض التخلّص منه إذ وقتها قد يتطوّع أي «مجنون» لاغتياله كما نبّه لذلك محامي صدام الفرنسي جاك فرجاس فيأتي الحكم قبل صدوره ويتخلّص الطرف الأمريكي ونظيره العراقي من مشكلة صدّام حسين بطريقة لا توجع الرئيس ولا تجلب مشاكل وتطوي صفحة كاملة من أسرار لن ترى النور ومن أسئلة ستبقى بلا جواب. هذه أيضا فرضية ممكنة وإن كانت الفرضية الأخرى تتمثل في مثول رئيس العراق أمام محكمة لن تسأله إلا عن تهم المقابر الجماعية واغتيال السياسيين وقمع الأكراد والشيعة. ولن تكون هذه الأسئلة إلاّ شكلية وضرورية لمحاكمة لا مناص منها على اعتبار أن كلّ الأطراف التي ستشارك في السلطة أدانت صدّام من قبل بهذه التهم وبسببها شاركت في الحرب ضدّه بل حرضت على الحرب ضدّه وسعت إليها ونفعت فيها بعد أن اشتغلت لمدّة سنوات لدى أجهزة الأمن الأمريكية المختلفة وباعت شرفها حتى يأتي اليوم الذي ترى فيه صدّام حسين مكبّلا في الأصفاد ومقادا إلى محكمة أو إلى ما يسمّى محكمة للتدقيق. ويكاد من الآن يرى أيّ واحد منّا الحكم المنتظر ضد الرجل تماما كما يرى التهم بل يكاد ينطق على لسان رئيس المحكمة حتى قبل بدء أشغالها. وهذا الحكم صادر في الحقيقة ضدّه منذ سنوات وقد تجسّد نهائيا يوم تحركت الآلة العسكرية الأمريكية لضرب العراق وإسقاط النظام هناك ثم ما تلى ذلك من قتل لابنيه وحفيده وتشريد لعائلة بل وعقابا حتى للقرية التي التي أنجبته وللعشيرة التي ينتمي إليها. وبتسليم صدام حسين للسلطة الجديدة ستسقط عن الرجل تهمة أسير الحرب التي توفر له الحد الأدنى من الضمانات القانونية ولا نعرف هل يجيز القانون مثل هذا الأمر أم لا وهل من حقّ أمريكا أن تطلق على الواحد صفة ثمّ تنتزعها منه حسب ما يناسبها لكن الذي نعرفه أن هذه الدولة لم تكترث يوما إلاّ بقانون الغاب وهي التي خاضت حربا لا شرعية ضد بلد على ساسته الجدد أن يطالبوها بتعويضات بسببها وبسبب خرابها وليس أن يمنحوا لها امتيازات ستزيد في تداين العراق وتبعيته إلى أمريكا لكن وكما يقول الشاعر : لقد أسمعت إن ناديت حيّا لكن لا حياة لمن تنادي ذلك أن كلّ هؤلاء الذين يتهيؤون لحكم العراق عصابة لا يهمها أن تبيع وطنها بأبخس الأثمان ولا تحلم بغير حكم شعب أنهكته الحروب والحصار ومصت دمه ودماء أجيال قادمة من أحفاده وأحفاد أحفاده ولا يوجد من جميع هؤلاء طرف واحد لم يتربى لدى الأجهزة الأمنية ولم يشرف على ميليشيات تمارس العنف ولم يخطّط لممارسة الأعمال الإجرامية حتى مع طائفته وبني جلدته وفي الطالباني والبرزاني الكرديين ما يؤكد ذلك وهما اللذان اقتتلا لسنوات طويلة وقسّما كردستان العراق إلى قسمين متناححرين ويصحّ نفس الشيء على طائفة الشيعة التي تتقاتل اليوم وتتجزّأ إلى ثلاثة أطراف أو أربعة كلّ منها ينتظر أكل لحم الآخر وإقصاءه من كعكة ا لعراق وكذلك أمر الطائفة السنية التي يسمي جزء منها الجزء الآخر بالإرهاب ويقاتله في وضح نهار بغداد ويلعنه على منابر الجوامع والمساجد. إنها كلّها أطراف جعلت من شعبها فريسة ومن وطنها مغنما ومن السياسة تآمرا ومن العنف وسيلة ومن الاستعمار تحريرا فأي محاكمة عادلة يمكن أن تنتصب مع هؤلاء وفي ظلّ وجودهم وإذا كان العدل حقّا هو المطلوب فالأحقّ إقامة محاكمات جماعية لمن غدر بوطنه وقامر بشعبه مسايرة منه لشره السلطة النابعة عن مرض في النفوس جعل من العراق في الأخير أطلالا للبوم والغربان ومحرقة مازالت السنة لهبها ستكوي وتنفث اللهب والموت معا.. وكلّ ما ننتمناه أن يعرف الشعب العراقي طريقه الحقيقي لعدل حقيقي.