❊ روماتونس الشروق من عبد الحميد الرياحي تونس ايطاليا، درّتان على ضفاف المتوسط صنعتا الأحداث في حقبات طويلة من تاريخ هذه الرقعة من الكرة الأرضية.... قرطاجروما مدينتان شكلتا جسرا للعبور وللتواصل الحضاري صنع من حركات مدّ وجزر جلبت الحرب والمواجهة حينا من الدهر، وجلبت السلم والتفاهم والوئام أحيانا أخرى... وعلى مرّ العصور وتتالي الحقبات نبتت بين ضفتي المتوسط أحلام وآمال... ونمت بين تونس وإيطاليا تحديدا قصة تعاون ارتكزت الى فهم متبادل وإرادة صادقة في جعل بحيرة المتوسط بحيرة سلم وتعاون وأمان تطوي صفحة المواجهات الى الأبد... واليوم، تقف مقادير جديدة وتحولات دولية أخرى لتدعو البلدين الى التقاط اللحظة وتدعيم الجسور بين ضفتي المتوسط واعلاء رايات التعاون والتفاهم والتضامن خفاقة في سمائه... وتهبّ تونس وتهبّ ايطاليا لتلبية نداء المقادير والاصغاء لمنطق التحولات ولفتح صفحة جديدة وناصعة في تاريخ المتوسط... وعلى هذا الدرب سار الرئيس بن علي... وتحقيقا لتطلعات ورؤى استراتيجية تحوّل إلى ايطاليا في زيارة استمرت ساعات بمدى الزمن، لكنها كانت حبلى بالدلالات والمعاني وبالنتائج المثمرة للبلدين والشعبين... ولشعوب ضفتي المتوسط إجمالا... ❊ ❊ ❊ فلقد حرصت تونس ومنذ التغيير على نسج علاقات استراتيجية مع ايطاليا وفرنسا واسبانيا وهي دول محورية في الاتحاد الأوروبي ودول فاعلة في الضفة الغربية للمتوسط وفاعلة في مسار برشلونة... وهو حرص ينطلق من نظرة استشرافية صائبة ومن تحليل دقيق للتحولات العالمية ومن تصور استراتيجي لعلاقاتنا اقليميا ودوليا. وليس صدفة والحالة هذه أن تكون تونس أول بلد يوقع اتفاق شراكة مع الاتحاد الأوروبي... وأول بلد يضع علاقاته الاقليمية متوسطيا وعربيا في مدار استراتيجي يجعلها تنتظم في نهاية المطاف كالعقد الذي يشد ضفتي المتوسط. ويمثل جسرا متينا لانسياب حوار الحضارات وقيم التفاهم والتضامن ولعبور التعاون المتكافىء والمصالح المشتركة... وليس صدفة أن تتزامن هذه الزيارة التاريخية بكل المعاني مع دخول معاهدة التعاون وحسن الجوار حيز التنفيذ لتنقل علاقات البلدين إلى مستوى أشمل وأرقى... ولا غرو، فايطاليا هي الشريك التجاري الأول لتونس بحجم مبادلات يرقى إلى 280.3 مليون أورو... والاستثمارات الإيطالية في تونس ارتفعت إلى 572 مليون أورو ساهمت في خلق 557 مؤسسة في قطاعات الصناعات المعملية والفلاحة والخدمات تشغل 41 ألف مواطن... وهو ما يؤشر لرصيد من الثقة المتبادلة ولإرادة سياسية واضحة تغمر الطرفين التونسي والإيطالي وتدعوهما الى مزيد تكثيف وتنويع نسيج علاقات التعاون لتشمل كل القطاعات والمجالات ولتحقق النقلة النوعية في علاقات البلدين التي تجعلها تستقر نهائيا في مدارها الاستراتيجي... هذا المدار الذي يجعلها رقما ثابتا في معادلات المنطقة ويحصنها من رياح التحولات والاستحقاقات التي باتت تطرق أبواب الحوض الغربي للمتوسط في ضوء توسع الاتحاد الأوروبي وتمدده شرقا لاحتواء 10 بلدان بالتمام والكمال لتمتد أوروبا من ضفاف الأطلسي إلى تخوم روسيا مع ما يحمله هذا التوسع من هواجس ومخاوف مشروعة من التفات أوروبا »القديمة« صوب شطرها »الجديد«. ❊ ❊ ❊ لكن زيارة بن علي إلى ايطاليا والتي جاءت أياما معدودة بعد توسّع الاتحاد الأوروبي جاءت لتسهم في تبديد هذه الهواجس والمخاوف كما جاءت لتوضح الرؤية وتكرس الترابط الاستراتيجي بين تونس وايطاليا وبين الضفتين الشرقيةوالغربية للمتوسط... هذا الترابط الذي يلتقي مع نسيج العلاقات الاستراتيجية لتونس مع فرنسا واسبانيا ليشكل ثالوثا صلبا ومتينا تستند إليه العلاقات الثنائية والاقليمية إجمالا وفق تصور واضح ودقيق بلوره الرئيس بن علي منذ سنوات التحوّل الأولى وانخرط في جهد دؤوب وعمل لا يتوقف من أجل تحويله إلى واقع معيش وإلى صمّام أمان يحصّن علاقات ضفتي المتوسط من أية تحوّلات أو هزّات ظرفية... واليوم، فإنه يتضح للعين المجرّدة أن هذا المشروع الذي انخرطت فيه تونس قد أتى أكله وبات حقيقة ماثلة أمام الجميع... وعلاقات الشراكة التي نسجتها تونس مع الاتحاد الأوروبي ومع دوله المحورية وفي طليعتها ايطاليا أصبحت تشكل أرضية صلبة وحقيقية يصعب تجاوزها... ومفادها أن كلا الضفتين تحتاج أحداهما إلى الأخرى... وأن توسع الاتحاد الأوروبي في اتجاه أوروبا الشرقية لا يعني بحال أن يدير ظهره إلى شركائه في الضفة الأخرى للمتوسط. ومن يستمع الى الرئيس »تشامبي« وهو يتحدث عن نجاحات تونس وعن علاقات ايطاليا مع بلادنا بذلك الاعجاب والاعتزاز... ومن يستمع إلى رئيس الوزراء الايطالي برلسكوني وهو يمتدح النموذج التنموي التونسي وما حققته سياسات بن علي الحكيمة والرشيدة لتونس في كل المجالات... ومن يتابع المسؤولين الايطاليين وهم يتحدثون عن علاقات الشراكة الشاملة مع تونس ومع باقي الشركاء المغاربيين يدرك حجم الثمار التي أنتجتها هذه الزيارة وهي ثمار تأتي تتويجا لمسار طويل دخلته تونس منذ سنوات طويلة تجسيدا لرؤية واضحة ولتصور استراتيجي أدرك في الإبان منتهى التحولات العالمية وسعى الى توطيد البيت ومدّ الجسور قبل انطلاق العاصفة. ❊ ❊ ❊ بالتأكيد، فإن العلاقات التونسية الايطالية مع أنها مثالية إلا أن آفاق مزيد تطويرها وتنويعها ما زالت »رحبة«... وعلاقات بلدان الحوض الغربي للمتوسط وإن كانت تسير بخطى ثابتة فإن الدرب أمامها ما زال طويلا وفرص تكثيفها لا تحصى ولا تعد... وبالتأكيد أيضا، فإن تونس التحوّل التي صارت منشأ للأفكار والمبادرات الكبرى وفي طليعتها قمة 5 + 5 التي دعت إليها واحتضنتها بلادنا قبل شهور... وتونس التي تعدّ الأب الروحي للصندوق العالمي للتضامن والتي كانت المبادر إلى توقيع اتفاق شراكة مع الاتحاد الأوروبي يربط ضفتي المتوسط الى الأبد برباط التفاهم والتواصل والتعاون، تبقى بلدا طلائعيا في استشراف فرص الاضافة والإثراء ومدّ المزيد من الجسور وفي الانقضاض عليها... ❊ ❊ ❊ وبهذه المعاني، فقد كانت زيارة الرئيس بن علي إلى ايطاليا من طراز تلك الزيارات التي تترك أثرا، وتصنع تاريخا مشتركا... وتسهم في نشر رايات التفاهم والتواصل والتعاون في سماء المتوسط وعلى ضفتيه... كذلك كانت تونس في القديم، وكذلك تمضي مستفيدة من حكمة الرئيس بن علي ومن دقة تحاليله الاستشرافية ومن وضوح رؤاه الاستشرافية... وهي حكمة وتحاليل ورؤى عممت النماء والرخاء وصنعت المعجزة في تونس وأثبتت جدواها في مد جسور الشراكة والتواصل على ضفتي المتوسط، لتبقى هذه البحيرة بحيرة أمن ورخاء واستقرار تنعم بها كل شعوب المنطقة.