تعليقا على القرار عدد 236 الصادر بتاريخ24/03/2015 عن اللجنة الوطنية للتحكيم الرياضي في نزاع حمام الأنف ضد النجم الساحلي بقلم الأستاذ أنيس بن ميم محام و باحث في القانون الرياضي
حيث صدر القرار عدد 236الصادر بتاريخ 24/03/2015 عن اللجنة الوطنية للتحكيم الرياضي في نزاع حمام الأنفضد النجم الساحلي في إطار مقابلة رياضية كانت مبرمجة للجولة بتاريخ 08/03/2015. حيث تغيبت جمعية النجمالرياضي الساحلي عن المقابلة المذكورة ولم تحضر بالملعب في ساعة المباراة بناءاعلى تصريحات مسؤولي جمعية النجم الساحلي بمقاطعة مباراة تلك الجولة احتجاجا علىالمظالم التحكيمية التي تعرض لها فريفها في جولة سابقة. حيث تواترت التصريحات الىحدود تاريخ تلك المباراة وحتى بعدها بالتأكيد على عدم خوض تلك المقابلة كلفهاالامر ما كلفها. حيث بتاريخ المباراةالموافق ل 08/03/2015 وعلى الساعة 13.24 اعلمت الرابطة الفريقين والحكم بإلغاءالمقابلة وتأجيلها الى موعد لاحق بناءا على مراسلة صادرة عن مصالح وزارة الداخليةتطلب فيها التأجيل لدواعي أمنية. حيث نشأ بعدها النزاع فيهل يقع تأجيل المباراة بناءا على تلك المراسلة أم تعتبر جمعية النجم الساحليمتغيبة طالما أنها لم تحضر المقابلة. حيث صدر القرار عنالرابطة الوطنية لكرة القدم المحترفة بتأجيل المقابلة واعادة تعينها بتاريخ29/03/2015. حيث استأنفت جمعية ناديحمام الأنف القرار وقضت اللجنة الوطنية للاستئناف بنقض قرار الرابطة واعتبار انجمعية النجم الساحلي منهزم بالغياب ومنح نقاط الفوز الى جمعية نادي حمام الانف. -I- لجنة الاستئناف تكسر الحاجز النفسي:
تجدر الإشارة أولا أنننزل القرار الصادر عن اللجنة الوطنية للاستئناف المنزلة التي تستحق. ان قراراللجنة الوطنية للاستئناف... كان.... قرارا.... شجاعا...ثوريا...مرجعيا...في فقه القضاء القانون الرياضي. لقد كرست لجنةالاستئناف بقرارها مبدأ علوية الاخلاق الرياضية وأرست مبدأ تكافؤ الفرص بينالمتنافسين بعيدا عما يمكن أن تعطيه النصوص من مخارج قانونية قد تنحرف بهذهالمبادئ. يعتبر قرار لجنةالاستئناف تغيرا وتحولا في فقه قضاء النزاعات الرياضية بقراءة مسألة قانونيةالمتعلقة بواقعة رياضية بدون عزلها عن الأحداث والوقائع التي تدور حولها. لم تكتف لجنة الاستئنافبمجرد القراءة الضيقة للنص القانوني المتعلق بتنظيم مسألة التغيب عن مقابلة رياضيةبعد ورود مراسلة من مصالح وزارة الداخلية التي إنبنى عليها قرار الرابطة فيالتأجيل، بل تعمقت في الأحداث وجمعت كل ما اتصل بتلك المباراة من تصريحات، مندراسة وإعادة تقييم للوثائق الموجودة في الملف حتى مراسلة وزارة الداخلية ومناقشةالتوقيت الوارد فيها ومدى تلاءمها مع توقيت المقابلة ومدى تأثيرها وحجيتها لتكونسببا في تأجيل المقابلة. أن ما قامت به لجنةالاستئناف اخرجها من النظرة الضيقة لها كهيئة القضائية تفصل في النزاعات الرياضيةالى نظرة أكثر شمولية كهيئة قضائية تحمي وترعي الأخلاق الرياضية وتضمن المنافسةالنزيهة بين المتنافسين في مجال كرة القدم. ولهذا تستحق الاثناءعليها وتثمين قرارها الذي سيكون مرجعا فقه قضائي يؤسس لنظرة جديدة لهياكل التقاضيفي المجال الرياضي. حيث طعنت جمعية النجمالرياضي الساحلي في ذلك القرار امام المحكمة الرياضية وأصدرت الهيئة الوطنيةللتحكيم الرياضي قرارها موضوع هذا التعليق. لم تخالف المحكمةالرياضية نفس النهج الذي انتهجته لجنة الاستئناف وجاءت بجملة من المفاهيم الجديدةوالمستحدثة في القانون الرياضي.2 - II - التحكيم الرياضي يكرس علوية الأخلاق الرياضية: (الفقرة 3-1 منالقرار) وانطلاقامن هذا الدور الذي اعطته المحكمة الرياضية لنفسها قامت في قرارها بإعادة تفسير بعضالمفاهيم القانونية المتعلقة بلعبة كرة القدم منها مفهوم التغيب عن خوض مباراة Redéfinition du forfait وطرق اثباته واعتبار نفسها تنتصل لحمايةالاخلاق الرياضية. - 1-في اثبات واقعة التغيب : اعتبرت المحكمة الرياضية أن التغيب عن مباراة هو فعل اماارادي من قبل الجمعية أو فعل خارج عن نطاق الجمعية بفعل القوة القاهرة. اعتبرت المحكمة الرياضية أن التغيب الارادي " واقعة قانونية تكتمل أركانها من خلال الٌوال والتصريحات الماضية فيحق الجمعية المؤكدة لاتخاذها قرار التغيب والمقاطعة التي تتأكد واقعيا من خلالالمعاينة ساعة المقابلة." وتماشيا مع هذا التعريف اعتبرت أن اثبات التغيبلا يتطلب اعلانا كتابيا من طرف الجمعية يوجه الى الهياكل الرياضية المعنية بل أنتصريحات رئيس الجمعية باعتباره الممثل القانوني للجمعية لا تحول دون تأكيد وجودالتغيب وإلزام الجمعية بآثاره القانونية حتى في غياب مكتوب صادر عنها. (فقرة 3-5من القرار). وعليه طالما لم يثبت ان هناك عدولا تلقائيا أورجوعا من طرف الجمعية عن هذا قرار التغيب لا يمكن للجمعية أن تتنصل من موقفها بحجةوجود مكتوب يقضي بتأجيل المقابلة لتعارضه زمنا وموضوعا مع إرادة الجمعية في عدمخوض المقابلة. في الحقيقة يعتبر هذا التمشي تحولا جذريا في تطبيق الفصل171 من القوانين العامة لكرة القدم. حيث لا تعتد المحكمة الرياضية بأسباب التأجيل الظاهريةكما هو الحال في مباراة النجم الساحلي ونادي حمام الانف من وجود مراسلة من مصالحوزارة الداخلية تطلب التأجيل وقبول الرابطة ذلك الطلب وارسال مكتوب التأجيل الىفريق نادي حمام الأنف. حيث اعتبرت المحكمة الرياضية أن بين تعبير جمعية النجمالساحلي عن رفضها اجراء المقابلة وبين ارسال مكتوب التأجيل اعتبرت ان الإرادة الصادرة عن ممثل القانوني للجمعيةبدون أي عدول عن هذا القرار يكون اقوى اعتماد وأن مكتوب التأجيل جاء لتغطية هذهالرغبة وتوفير غطاء قانوني لها.
2 - في اعتبار التغيب مناف للأخلاق الرياضية:
إن تشديد المحكمة الرياضية على اثبات واقعة التغيببالرجوع حتى الى تصريحات مسؤولي النجم الساحلي الرافضة لخوض المباراة و ثباتهم علىذلك حتى بعد تاريخ المباراة يعتبرإنحرافا الخطير بالأخلاقالرياضية التي تركز عليها الرياضة وفقا للمبادئ الأولمبية و " يعتبرفعلا منافيا للأخلاق الرياضية لتعارضه مع جوهر التنافس النبيل"بل يعتبر " خرقا فضيعا لقواعد تكافؤ الفرص بالنسبة للفرق المتنافسة" باعتباره " يمنح الفوز لخصمه دون بذل مجهود رياضي، عكسالفرق الأخرى التي خاضت مقابلاتها سابقا أو التي ستخوض مقابلاتها لاحقا «معالفريق المتغيب مما يشكل " خللا في مبدا تكافؤ الفرص بسبب تصرف غير مبرر أقدمعليه الفريق المتغيب اراديا. (فقرة 3-5-1 ). حيث ترتيبا على ذلك يكون الفريق معرضا الى تسليطالعقوبات الرياضية والمالية على عليه كيفما جاء بالقوانين العامة لكرة القدم. حيث يتعرض الفريق الذي يتغيب عن المقابلة اراديا الىإقرار هزيمته جزائيا (2-0) منح خصمه نقاط الفوز مع خصم نقطة من رصيده في الترتيبالعام طبقا لمقتضيات الفصل 16 من القوانين الرياضية ومع خطية مالية تساوي كإلزامهبإرجاع كافة المصاريف التي بذلها الفريق الخصم في مباراة الذهاب. الفصول 177 و178من القوانين العامة لكرة القدم. 3- المحكمة الرياضيةضامنة لعلوية الأخلاق الرياضية و حارس على النظام العام الرياضي:
ترى المحكمة الرياضية أن الأخلاق الرياضية تنبني علىمبادئ لا حياد عنها وهي: - ضمان مبدأ تكافؤ الفرص. - تحقيق العدالة والانصاف بين الأطراف المتنافسة. - ضمان مبدأ التنافس الشريف والنزيه بيت المتداخلين واللعبة. وعليه مهما بلغ التنافس الرياضي أشده لا يمكن ان يحولدون احترام القواعد الرياضية، وإن حصل ذلك يكون القضاء الرياضي " ...حاميا لواجب إعلاء الأخلاق الرياضية، منصفا لمن تحلى بالروح الرياضية، وقيمالتنافس النزيه والشريف ومعاقبا لمن أهمل واجب إعلاء هذه القيم التي تعد جزءاأصيلا من النظام العام الرياضي واعتبرته العديد من النصوص التشريعية في القانونالمقارن ذا مكانة علوية ". (فقرة 3-5-2-3 من القرار.) في الحقيقة يعتبر هذا الموقف تحولا في كنه ودور المحكمةالرياضية الذي يرتقي بها من المفهوم الضيق الذي يحصرها في مجرد هيئة قضائية تفصلفي النزاعات ليعطيها تعريفا شموليا يمتد الى حد اعتبارها ضامنة لاحترام الأخلاقالرياضية باعتبارها جزء من المبادئ الأولمبية التي ترتكز عليها الرياضة بصفة عامةوحارسا على النظام العام الرياضي l'ordre public sportif.
الخلاصة:
ان هذا القرار والحقيقة تقال مهدت له اللجنة الوطنيةللاستئناف للجامعة التونسية لكرة القدم، و تبنته المحكمة الرياضة و زادت في تأكيدهفأعاد لها بريقا فقدته منذ مدة و أعاد لها إشعاعا على المستوى الرياضي. أن مثل هذه القرار لتزيدن في مسؤولية المحكمة الرياضية وفي حجم دورها في الساحة الرياضية جاعلا منهامرجعا و سلطة عليا في هياكل التقاضي الرياضي لا ينحصر دورها في فض النزاعات بلتكون العين الحارسة لاحترام قواعد اللعبة و ضمان التنافس النزيه بين الفرق. ستنتظر في قادم الأيام مواصلة المحكمة الرياضية على هذا النهجوتعزيز فقه القضاء في القانون الرياضي بتكريس مبادئ قانونية سامية ترفع بها شأنها وتعليبها من شأن الرياضة التي طالما حلمنا بها. اليوم نرفع القبعة للمحكمة الرياضية ولكن من اليومستكون انتظاراتنا منها أكبر.