أثبتت جرائم الحرب التي تقوم بها اسرائيل ضد المدنيين الفلسطينيين في رفح، أن اسرائيل تتألّم اكثر عندما تصيب المقاومة جنودها، وعندما تقتل افرادا من جيشها، وعندما تصل بالتالي الى تهديد آلتها العسكرية، وما ردّة الفعل على عمليات قتل جنود من جيش «الدفاع»، ونسف دبابات اسرائيلية بالكامل، الا دليل جديد على أن اسرائيل تخشى ألف مرّة على حياة جنودها مقارنة بحياة مدنييها التي لطالما تباكى عليهم العالم بل وفرض ان الاعتداء عليهم يمثّل ارهابا! وعندما تمكّنت المقاومة الفلسطينية من السلاح الذي يجعلها تصل الى الآلة الصهيونية الرهيبة، أقدم اريال شارون تحت ضغط الرعب مرّة أخرى على جرافة المعهودة، وردّ الفعل بشكل أعمى يشير من ضمن ما يشير اليه أن وجعا كبيرا تعرّض له قلب اسرائيل، هو أكبر بكثير من الوجع الذي كان يحصل عندما كانت العمليات موجّهة الى المستوطنين والذين ابى العالم الا منحهم شهادة حماية دولية عوض أن يمنحها للمدنيين الفلسطينيين العزل. وردّة فعل شارون في عماها وحقدها طبيعية، إذ لا أمان لاسرائيل الا بجيشها ولا أمن لها الا بآلتها العسكرية التي يجب أن تظل متوفقة، والتي يجب ان لا تصلها أي يد، والتي عليها ان تظل قوّة ضاربة تنكّل بالجميع ولا احد ينكّل بها! كما ان العقل الصهيوني كلّه على قناعة تامة وهو محقّ في قناعته أن اسرائيل لا حصن لها الا تفوّق جنودها، ولا نجاة لها الا متى ظلّت آلتها الرهيبة متوفقة ليس مقارنة بالقوّة الفلسطينية وهي قوّة تُستمد من الارادة وحدها، بل مقارنة بالجيوش العربية مجتمعة. وعندما تصل المقاومة الفلسطينية الى جنود صهيون ودباباته، تكون النتيجة الهلع والتساؤل حول مستقبل اسرائيل، ثم الفرار منها، إذ لا يمكن لأي يهودي أن يغامر بالبقاء في دولة غير قادرة على الدفاع عن نواة قوّتها الاولى. وكل هؤلاء الذين وفدوا الى اسرائيل واستوطنوها ما كانوا ليقدموا على ذلك لولا التأكّد التام من أن اسرائيل هي عبارة عن ثكنة عسكرية آمنة وقادرة. إن ا لتفوّق العسكري الاسرائيلي، وانجازات جيش الدفاع القديمة وشهرته الاسطورية هي آخر سبب يضمن بقاء اسرائيل واقامة اليهود فيها. فاذا ما وصل ا لشك الى ذلك كلّه هلع اليهود وهرعوا يبحثون عن مستقبلهم بعيدا عن الارض الموعودة، ويقيمون ثانية في ارض التيه والشتات. وهذا معناه نهاية المشروع الصهيوني، ونهاية الأحلام التي وعدت بها اسرائل شعبها. وكل من اطّلع على المشروع الصهيوني يكتشف ان جيش اسرائيل هو بمثابة عقيدة وليس وسيلة فقط للذود عن الاسرائيليين، عليه تتعلّق كل الامال، وبه وحده يداعب الكرى عيون اليهود، وعبره وحده تتواصل الحياة! لذلك عندما فتّتت المقاومة الفلسطينية دبابات «أبرامز» وقطّعت لحم راكبيها عمّ الرعب كل اسرائيل، وهو رعب بالغ لاقصى درجاته ومثير لاقصى درجات السؤال التي تتحول بالنتيجة الى اقصى درجات اليأس. ولا مجال لليأس في اسرائيل ذلك الذي يعيد السؤال من جديد حول وجود اسرائيل ذاتها وذلك الذي يجعل اليهودي يسلّم بما لا يجب التسليم به! وذلك كلّه ما يشرح كل هذا العمى في ردّة الفعل وكل هذا الدمار الذي يدلّ على غيض كبير وعلى يأس كبير وعلى محاولة لتصديره أي اليأس صوب الناحية الاخرى أي صوب الفلسطينيين. ولأن اسرائيل غير قادرة بالمرّة على تحمّل هموم ضاغطة تريد لتلك الهموم ان تقرّها الى الاخرين، وأن تهرب منها ا لى «الاغيار». لكن الى متى؟ ذلك هو السؤال الذي لا تستطيع اسرائيل الاجابة عليه، أو بالاحرى الذي تفرّ منه رغم يقينها انه سيُطرح بلا شك مهما أجلته الايام!