يتوالى هذه الايام في وسائل الاعلام الامريكية عرض «مسرحية» هابطة جدا أبطالها حفنة ممن يقدمون انفسهم على انهم من «ضحايا النظام العراقي السابق»... وهي مسرحية تستهدف تحويل الانظار عن فظاعات تعذيب الاسرى العراقيين في سجن ابو غريب وتركيزها على «تجاوزات» النظام العراقي السابق.. «الممثلون» في هذه المسرحية وهم الضحايا المزعومون يتم عرضهم في وسائل اعلام امريكية وهم يروون اسباب تعرضهم لما تعرضوا له من عقاب عدّ وفق نص واخراج هذه المسرحية على انه «تجاوز ما بعده تجاوز»! وقد ظهر مؤخرا ثلاثة من هؤلاء وقد قطعت ايديهم وفي معرض حديثهم عن التهم التي وجهت اليهم والتي تعرضوا بسببها لهذا القصاص اكد هؤلاء انهم كانوا يمتهنون المضاربة بالعملات وتهريب العملات الاجنبية الى الخارج... وهذه تهم يفترض انها تدافع عن النظام العراقي السابق ولا تدينه.. ذلك ان العراق كان وقتها يخضع لحصار امريكي جائر وشامل يمنع الدواء والغذاء وهلك بسببه مئات آلاف البشر... وكان لابدّ للدولة العراقية من سنّ تشريعات للطوارئ لمحاولة احتواء الوضع والضرب على ايدي المتلاعبين بأرزاق الناس وبمقدرات الشعب والمتاجرين بآلامه وبقوت يومه وبعرق جبينه.. وهي قوانين موجودة تقريبا في كل الدول وفي الظروف العادية ناهيك عن بلد تعرض لعدوان جائر ويخضع لحصار اقتصادي من ذلك الحجم وكان يتعرض لهجمات جوية يومية علاوة على التهديدات الكثيرة التي تمسّ أمنه القومي وفي طليعتها تهديد الغزو والاحتلال.. ونحن نعرف في هذا الاطار ان القانون الامريكي نفسه والذي ينظم الحياة الاقتصادية والاجتماعية ويدعم المبادرة الفردية في اطار نظام ليبرالي مفتوح، هذا القانون الذي يفتح كل السبل امام المبادرة وامام الكسب المادي يضع الحدود الزجرية القوية لفرض الشفافية المطلقة ولردع كل محاولة للالتفاف على مقتضيات النصوص والتشريعات او للتهرب من دفع الضرائب... وهو قانون يستوي امامه المواطن الامريكي البسيط ورئىس الدولة... وكم من مرة وقع مسؤولون واثرياء كبار تحت طائلة القانون ونالوا جزاءهم الرادع... هذا حال دولة في حالة سلم، فكيف يستكثرون على دولة مثل العراق في تلك الظروف وتتعرض لمؤامرة مختلفة الجوانب ومن بينها الجوانب الاقتصادية لمزيد تعكير الاوضاع الصعبة بسبب الحصار آن تسن القوانين الرادعة وان تطبق مقتضيات هذه القوانين على المتجاوزين والمخالفين من امثال ذلك الرهط من هواة «التعري السياسي» الذين اظهرهم الامريكيون على شاشاتهم؟ وكيف يحرّمون على غيرهم ما يبيحونه لأنفسهم (مع مراعاة الاختلاف في الاوضاع والعقليات)؟ ان خلفيات هذه المسرحية الهابطة لا تخفى على احد... لأنها صممت على المقاس في محاولة مكشوفة لصرف الانظار عن فضائح «الديمقراطية» الامريكية في سجن ابو غريب.. ولأنها كذلك فقد جاءت بنتائج عكسية لأن هؤلاء المرتزقة الذين «تعرّوا» على الشاشات الامريكية هم مجرمون خالفوا القوانين العراقية وكان يجب ان يقدموا بهذه الصفة اولا.. ولأن من حق اي دولة ان تسن من القوانين ما تراه صالحا لحماية أمنها القومي ثانيا... ولأن النظام العراقي السابق الذي دخل في منازلة حاسمة مع الهيمنة الامريكية لم يكن يرفع راية «الديمقراطية» كما تفعل امريكا وإنما كان يركّز كل جهده على محاولة حماية البلد من هول المؤامرة الامريكية ثالثا... ولأن «ابوغريب» سوف يبقى وصمة عار على جبين امريكا الى أبد الآبدين رابعا... وان عمدت قوات الاحتلال الى محوه من الوجود لان التاريخ والذاكرة الانسانية لا تنفع معها كل جرافات الدنيا ولا كل اجراءات القمع والمنع... من قبيل تحريم بث المزيد من صور العار او منع الجنود من حمل هواتف نقالة بها عدسات تصوير.