في ساعة متأخرة عُدت الى بيتي، فوجدت التلفزيون مطفأ. لقد نام أفراد العائلة، وكنت متشوقا، كعادتي لمتابعة آخر الحوادث العالمية. حاولتُ دون ضجيج ان أعرف آخر الأنباء التي أنتخبها من مختلف القنوات الفضائية. جلبت من المطبخ عشائي، وضعت الطبق على طاولة قصيرة، وجلست على الأرض لأتفرج على الفضائيات. ضغطت على الزر الفاتح، وانتظرتُ في الظلام، أن يضاء الجهاز فلم تظهر في الظلام نقطة صغيرة دائرية حمراء. ليس بخلا مني أني لم أضيء الغرفة. قلت : إن ضوء التلفزيون وحده قادر على ان يقوم بالإنارة ثم إن ابنتي كانت نائمة. حاولت الضغط ثانية وثالثة على الريموت كنترول فأصر التلفزيون على ان يكون هامدا جامدا. قلتُ : لا شك ان خيوط الكهرباء غير موصولة الاسلاك بالجهاز. وحين تثبتُّ في الامر وجدت ان الكهرباء بريء من هذا الجهاز المطفأ. أيقظت ابنتي الوحيدة ورجوتُ منها ان تساعدني على تشغيل التلفزيون. حاولت، ثم قالت : كنت أتفرّج واذا به انطفأ من تلقائه، وبصورة فجئية الى أن نمت. مع ذلك، فإني أصررت على تناول عشائي دون خبز الاخبار وملح التعاليق، وماء الدماء الاخيرة. 2 في الليلة الموالية، صرت أصر على العشاء أمام جهاز مطفأ، أتفرّج على شاشته السوداء وأرى عليه انعكاس انبوبة الضوء، كما أرى الجدار المقابل حيث اللوحات المعلقة في اطاراتها وهي ترتسم محدّبة على الشاشة المطفأة. لم أغيّر عادتي هذه منذ شهر مضى على تلك الليلة التي انطفأ فيها التلفزيون فجأة. استطبتُ الوضع خاصة وأن ابنتي تلميذة الخامسة من التعليم الأساسي، مقبلة على امتحانات، وهي على صغر سنها، مولعة بالمسلسلات المكسيكية المدبلجة وبالافلام المصرية القديمة منها والجديدة فضلا عن القنوات الخاصة بالأطفال وبعد ان انتهت الامتحانات، انخرطت ريم مع علاء أخيها في المكتبة العمومية واستبدلت الفرجة بالقراءة. 3 ما أروع ان تتفرج على تلفزيون مطفأ. ما أسهل اصلاحه، ولكن العطب الذي أصابه فجأة قد حوّل ادماني عليه الى النظر في مكتبتي التي تبعد عن غرفة التلفزيون مسافة غرفة واحدة غير أني لم أهتم بتنظيم المكتبة منذ زمن، ومنذ فترة وأنا أمنّي النفس بزيارتها وتذكّر ما فيها من كتب ومجلات ووثائق، تراكمت واختلطت حتى بتّ لا أعرف موضع هذا الكتاب او ذاك، وصرت، اذا أردت البحث عن كتاب، أفضّل أن أعيد اقتناءه ثانية من السوق لأن ذلك أهون عليّ من البحث عنه في مكتبة مزدحمة. وفي الأسبوع الماضي حاولت البحث جاهدا عن كتاب «تحولات الجحش الذهبي» لمؤلفه لوكيوس أبوليوس، في ترجماته : العربية المنقوصة والفرنسية والانقليزية، لقد كنت محتاجا الى هذا الكتاب العظيم بهدف التحضير لترجمته كاملا مع الصديق الاستاذ وليد سليمان ولكني لم أعثر عليه الا بعد ثلاث ليال من التفتيش. 4 صرتُ، مدمنا على قراءة الجرائد الصباحية حتى لا أكون خارج العلم بالأحداث الاخيرة، وأنا مؤمن أني من الذين يرون الكتابة تستوجب القراءة، والقراءة تستدعي إعمال النظر. وإعمال النظر يتطلب الصبر، وقد بات عملة نادرة في زمن الفرجة على الصور المتلاحقة مثل أمطار لا تكف عن النزول ولا تترك للأرض فرصة للتروي حتى تُنمّي البذرة، فلا تعرف النبتة الاغتذاء من الماء، وإن نبتت فإن كثرة الامطار تتلف الجذور. 5 كم هو رائع ما أعيشه هذه الايام، بعيدا عن أخبار استيطان فلسطين واحتلال العراق، فمع الأخبار السوداء، شعرت أن التلفزيون لا يعاني نقصا في الكهرباء، ولا خللا في بعض الاسلاك، ولكنه متعب من الفرجة على نفسه. ولعله قد أشرف على الهلاك او لعل كثرة الدماء هي التي أغرقته في طوفان من صور سوداء كالنفط، ومواقف جرداء كالقحط. ولذلك كلْه قرر ان ينطفئ من تلقاء نفسه ويتحول الى تلفزيون أسود الشاشة معدوم البشاشة. فكان آخر قراره هو أن يكون أسود.. أسود.. مثل.. مثل ماذا؟ ................ ................. مثل البياض القادم على العين وهي تتناوم في الليل القائم، وفي الزمن الكاتم... للصوت، مثلما حدث لي مع التلفزيون العائم تحت أمطار من أخبار لا تكف عن الحزن والتكرار. 6 تذكّرت أزمنة قديمة عاشت بلا تلفزيون ولم تمت : زمان بديع الزمان الهمذاني الذي نجت موهبته من زمن التلفزيون وهكذا فزنا بمقاماته مكتوبة لكل العصور اللاحقة. وزمان المعرّي وهكذا أفلتت رسالة الغفران من المحو والنسيان بفضل انعدام التلفزيون. وتذكّرت الأديب طه حسين الذي أبصر ما لم يبصره المخرجون التلفزيونيون لرواياته. وتذكرت الرسام التونسي الشهير حاتم المكي الذي غادرنا مؤخرا، وكان يفاخر بالقول انه لا يملك جهاز تلفزيون. وحين زرته في بيته تأكدت. قلتُ في نفسي : إنه من الممكن للمرء أن يحيا عمرا طويلا دون تلفزيون. 7 لا أبشع من كتاب مفتوح في مكتبة مغلقة. لا أضيع من كتاب مغلق في مكتبة مفتوحة. ولا أروع من الفرجة على تلفزيون مُطفأ.