انطلاقا من وعي اطاراتها ومناضليها بضرورة تجاوز الازمة السياسية والهيكلية، واعادة الحركة حركة الديمقراطيين الاشتراكيين الى مدارها الطبيعي اداء وخطابا خاصة في هذه المرحلة التاريخية الدقيقة التي تستوجب من الجميع نبذ الخلافات الجانبية وتجنّب كل ما يمكن ان يعطل جهود الضمائر الحية والارادات الصادقة، وجدت حركة الديمقراطيين الاشتراكيين نفسها في لحظة حاسمة ودقيقة وذلك بالنظر اولا الى حجم المشاكل الداخلية المتراكمة وبالنظر ثانيا الى استحقاقات الحركة خلال المرحلة القادمة التي تمثل فيها الانتخابات الرئاسية والتشريعية لبنة اساسية في بناء صرح المستقبل السياسي والتعددي والديمقراطي في بلادنا. وترتبط هذه اللحظة الحاسمة والدقيقة في ما باتت حركة الديمقراطيين الاشتراكيين تعيشه من مصالحة شاملة وصادقة بين جميع ابنائها من اطارات ومناضلين. وعلى اعتبار ان هذه اللحظة التي تعيشها الحركة هي لحظة تاريخية، فإنه يصبح من الضروري ومن الواجب ايضا العمل من مواقع مؤثرة ومبدئية من اجل تأكيد جدارة هذا التنظيم السياسي بلعب دور ريادي في حياتنا الوطنية ومصالحته مع تاريخه ومكانته ومبادئه وفلسفته التي تكرع من ينابيع الفكر الانساني بصورة عامة وتستلهم من مبادئ حركات الاصلاح النيّرة في بلادنا بما يساعدها على ان تكون متجذرة في محيطها ومنفتحة على ما يجري من حولها داخل العالم بأسره، ذلك ان العالم اليوم قد اصبح بحكم التحولات السريعة في جل الحقول والمجالات قرية كونية انتفت فيها الحواجز والمسافات. ومن هنا فإن لحظة المصالحة الشاملة التي تعيشها حركة الديمقراطيين الاشتراكيين هي لحظة معبأة بآمال جل مناضليها وحبلى برغبة جماعية مشتركة في تجاوز حالات التمزق والتشتت والصراع والتي لم يستفد منها اي طرف من الاطراف المختلفة. ولئن كان الصراع والاختلاف بصورة عامة مصدرا لكل تطوّر وتقدّم فإن الاستفادة من الاسباب الموضوعية التي ادت بأبناء الحركة الى الاختلاف والصراع تبدو ممكنة واساسية في الآن نفسه خاصة وان الخطوات التي قطعتها الحركة الى حد الآن على درب المصالحة، كانت خطوات ثابتة في مسارها الزمني وفي سياقات الاهداف المرسومة ذلك انه الى حد الآن لم يدخل اي طرف من اطراف الصراع والنزاع السابقين بأية اتفاقات مسبقة او سرية، وانما كان مبدأ التشاور والتحاور المستندين الى الثقة المتبادلة والى اعتبار مصلحة الحركة فوق كل الاعتبارات هي نبراس الجميع، وذلك على الرغم من وجود بعض الاصوات التي ترتفع احيانا عبر اعمدة بعض الصحف وتخفت احيانا اخرى بركونها الى الكواليس والدهاليز لتستمر في نهجها التشكيكي الهدام. وان وجدت نفسي مجبرا هَهُنا للتعرض الى ما تقوم به بعض هذه الاصوات فلأني على يقين بوجود مسافات طويلة في معرفة حقيقة ما يجري داخل الحركة، بين من هم في معركة الاصلاح وداخل اطرها وبين من هم في حضائر «النقد» وخارج اطر الحركة. ولقد عشت شخصيا حالة الفراغ التنظيمي لمدة ناهزت ثلاث سنوات اي بعد مؤتمر 2001 حين اعلنا كمجموعة خروجنا من الهياكل وبيّنا خلال كامل هذه الفترة وجهة نظرنا بخلفياتها وأهدافها التي لم تسئ لأى شخص ولم تتوجه الى ضرب أي مكسب من مكاسب الحركة. ولعل خروجنا من ذلك المؤتمر هو الذي ساهم بشكل او بآخر في عودة اخوتنا الاطارات والمناضلين الذين لم يشاركونا في عملية انقاذ الحركة عند انعقاد مؤتمر سنة 1997 . وما استعراضي لهاتين المحطتين الا للتأكيد على ان الصراع يبقى مصدر التطوّر وان الاختلاف يبقى بدوره امرا محمودا مادام هذا وذلك يتجاوز الأنية والحسابات الشخصية ويسمو ان عن الاغراض المبيتة وخيارات التشكيك التي تهدم ولا تبنى، وليس بهدف إثارة قضية قد بدأنا نتجاوزها بحكمة وتبصّر وتعاون، وللحقيقة نقول ان الاخ اسماعيل بولحية او بقية الاخوة من قيادات الحركة لم نجد منهم الى الآن غير الارادة الصادقة والرغبة الجامحة في اعادة بناء الحركة، ولعل المتمعّن في تركيبة لجان النيابات والسياسة والشؤون الاجتماعية والثقافة، سيتوصل بيسر الى الاقرار بأن هذه اللجان ممثلة لكل ابناء الحركة، وان الحركة اليوم قد انطلقت في عملية بناء حقيقة مستفيدة من اخطائها متجاوزة لمعوقاته ناشدة الافضل والاجمل والاعدل. وأعتقد ان دخول كل ابناء الحركة موحدين متضامنين تسود الشورى صفوفهم ويعم الحوار بينهم الى قاعة المؤتمر الذي من الارجح ستجرى فعالياته في غضون شهر اوت المقبل سيؤكدون ان تاريخ الحركة وموروثها النضالي والمبادئ التي تأسست عليها لا يمكن ان تتناقض مع إرادات ابنائها الغيورين على حاضرها والساعين الى رسم آفاق رحبة لمستقبلها. كما اعتقد ان خروج الحركة موحدة متجانسة متصالحة مع تاريخها ومبادئها سيجعل منها قوة سياسية وطنية مسؤولة في خياراتها وتوجهاتها، ناجعة في فعلها وادائها محاورة كل القوى والاطراف داخل الساحة الوطنية التي تدعو حركتنا الى المساهمة الفعالة في تجذير المسار الديمقراطي والاصلاحي الذي اسس له الرئىس زين العابدين بن علي منذ سنة 1987، وانخرطت فيه كل القوى الوطنية، انطلاقا من توقيعها على الميثاق الوطني ومشاركتها في كل المحطات السياسية مشاركة صادقة وناجعة ومؤمنة بالمسار الديمقراطي الذي اصبح خيارا حضاريا لا رجعة فيه. وان الانتخابات الرئاسية والتشريعية التي ستعقب مباشرة انعقاد مؤتمر حركتنا ستشكل مرحلة متقدمة من هذا الصرح الديمقراطي الذي انخرطنا فيه بكل وعي ومسؤولية وسنعبّر من خلال مشاركتنا في هذه المحطة القادمة عن التزامنا بهذا النهج واستعدادنا للدفاع عنه بكل ما اوتينا من جهد وقوة، ذلك ان دفاعنا عنه هو دفاعا عن المصلحة العليا لوطننا والتي لا تنفصل عن ذواتنا السياسية ومبادئنا وأخلاقنا التي تربينا عليها داخل الحركة حركة الديمقراطيين الاشتراكيين التي باتت كما قلنا تعيش لحظة خطيرة من حيث الأهمية التاريخية.