القانون يفقد روحه عندما يصبغ عليه الطابع الثأري.. لم أشاهد صور محاكمة الرئيس صدام مباشرة رغم أن الادارة الأمريكية احاطت المسرحية بحملة إعلانية ضخمة.. فهي التي فشلت في حربها على العراق وخسرت مصداقيتها وأفلست أخلاقيا مازالت تؤمن بأن كسب حرب الصور كفيلة بتعويض الخسائر على الواجهتين السياسية والميدانية وبالتالي فإنها تعتقد أن شريط الصور المتحركة قد يعيد بوش إلى الريادة في سباق البيت الأبيض.. لم أشاهد صور المحاكمة مباشرة لأن لا شيء يخفى.. لا شيء مازال يثير فضولي في بهلوانيات الادارة الأمريكية.. هي تلعب بأوراق مكشوفة ومع ذلك تكسب لأن الأوراق الخاسرة يدعمها مسدس.. تماما مثلما يجري في صالون القمار في أشرطة رعاة البقر.. لم أشاهد صور المحاكمة مباشرة ليس فقط لعلمي بأغراضها وإنما أيضا لأنها تندرج في إطار استمتاع الادارة الأمريكية وصغار النفوس وأصحاب الجنسية المزدوجة في السلطة بإذلال الجميع. عندما انتصف ليل تونس رحت أبحث عن الصور المتحركة.. فعثرت عليها بسهولة لأنها ببساطة كانت تبث في كل القنوات وكانت المفاجأة ببعديها: الشكلي والضمني.. صدام حسين السجين هو الذي يحاكم القاضي ويقاضي السلطة التي عيّنته ويقاضي الاحتلال الذي عين السلطة.. في نصف ساعة خسر المحتلون الفوائد التي كانوا يشتعلون على كسبها طوال حبس صدام.. ولأن هذه المحاكمة «رمزية» يقتسم فوائدها المرشح بوش الابن والسلطة التي هي بلا سلطة فلقد اعتمد الرئيس المسجون انتقاء كلماته المشحونة «بالرمزية» التي يعرفها عمق العراق وعمق كل عراقي.. ومرر رسائل متعددة الوجهات.. المشاهد ير» وجه صدام ولا يرى وجه الذي يقاضيه.. إنه صوت فقط.. صوت يردد ما قيل له أن يقوله. وقد استغل صدام ذلك حتى عندما يمرر كفه على لحيته وهي رسالة للعشائر فيها معنى السؤال عن الحمية وهي رسالة لخصومه وفيها معنى التوعد.. جماعة السلطة المرتبكون شوشوا على هذه المحاكمة بتصريحات غبية فواحد يريده مستويا والآخر يريده مصلوبا ثم يقولون محاكمة عادلة.. القاضي في ورطة لأنه سيحكم بقوانين عهد صدام.. وبعض التهم ليس فيها نصوصا قانونية وهي المتعلقة بحرب ايران وغزو الكويت.. المحامون مهددون بالقتل وحراس صدام لا تظهر وجوههم.. فقبل كل هذا أين تهمة امتلاك أسلحة الدمار الشامل في ملف التحقيق.. لماذا سكت عنها القاضي المسكين.. ألم تكن أصل البلية وذريعة الحرب؟ هذه هي البداية وسنواصل متابعة المباراة التي تدور في الأصل في أمريكا ولكن الأهداف تسجل في العراق.