مع بدء محاكمة الرئيس صدام حسين، عاد البعض إلى محاولة ايجاد الخيط الرابط بين ما يعيشه العراق حاليا، وبين ما حدث لليابان وألمانيا، حيث شبّهت هذه المحاكمة، بمحاكمة نوربورغ، التي تمت خلالها محاكمة رموز النظام النازي.. ومع أنه لا يمكن الوقوف على أي نقطة التقاء بين المحاكمتين، باستثناء انهما شكلتا من قبل منتصرين في الحرب لمحاكمة ما تبقى من نظام منهار، إلا أنه يمكن القول إن محاكمة الرئيس العراقي، لن تكون، كما كانت عليه محاكمة نوربورغ، التي أغلقت ملف النظام النازي إلى الأبد وفتحت عهدا جديدا في ألمانيا، هو أساس عهد الازدهار الذي يعرفه هذا البلد حاليا، وهي كذلك، الحالة التي يريد البعض، ومن بينهم عرب، التلويح بها، تبشيرا بمستقبل زاهر في العراق، وبقرب انتهاء فترة المحن وعدم الاستقرار في هذا البلد مع نهاية محاكمة الرئيس صدام وبعض اعضاء النظام العراقي السابق، ومع انه لا يمكن النبش في تفاصيل ما حدث لألمانياواليابان خلال هزيمتهما في الحرب العالمية الثانية، حيث بدا الشعبان الألماني والياباني، قابلين لتطورات الأحداث في بلديهما، ومنخرطين في النظام السياسي الذي اختير في ألمانيا أو في اليابان، إلا أنه لابد من ملاحظة فروق هائلة بكيفية تعامل المنتصرين في الحالة الألمانية اليابانية، وفي الحالة العراقية لاحقا. لم يكن الحلفاء يشكلون كتلة واحدة، فقد كانوا يمثلون مجموعة مختلفة وغير متجانسة، التقت حول هدف واحد، هو مقاومة النازية، وفي ما عدا ذلك، فإن افراد هذه المجموعة المتحالفة ظرفيا، كانوا يمثلون توجهات وسياسات مختلفة، انعكست بعد ذلك توازنا معيّنا في إطار مجلس الأمن الدولي، أو النظام الدولي الذي وصفه هؤلاء الحلفاء، والذي أثّر في مسيرة العلاقات الدولية، منذ انتصارهم وتشكيل منظمة الأممالمتحدة، حتى انهيار الاتحاد السوفياتي وانفراد الولاياتالمتحدةالأمريكية، بالهيمنة على العالم. وقد انعكس التوازن الذي نشأ بفعل التعدد، على كل العلاقات الدولية، بما في ذلك مسرح الدول المنهزمة، خلافا لما يحدث اليوم في العراق، حيث تنفرد الولاياتالمتحدةالأمريكية، بالرأي وبالفعل في تشكيل هذا البلد، وحيث أكدت الأحداث ان الهدف الأمريكي، من غزو العراق، لم يكن فقط، القضاء على النظام العراقي السابق، وقد أسرت قياداته، واجتثت أتباعه، على كل المستويات والمؤسسات في العراق، ولكن الهدف الحقيقي هو تشكيل هذا البلد، بما يخدم المصالح الأمريكية وكذلك الاسرائيلية، فقد كانت اسرائيل الحاضر الغائب، في كل ما لحق بالعراق، منذ الحصار والعقوبات الاقتصادية مرورا بالتحريض على العدوان والاعداد له، وصولا إلى التسرّب داخل العراق بعد احتلاله. وهذا التشكيل يمرّ مبدئيا حسب المبدإ الاستعماري التقليدي «فرّق تسد» بين مختلف طوائف وحساسيات العراق. الهدف من غزو العراق، هو أيضا ملاحقة الآلاف من علمائه، ومطاردتهم والقضاء عليهم كما يحدث الآن، لإنهاء كل تطلّع علمي يمكن أن يعود إليه العراقيون مستقبلا. والهدف من غزو العراق هو خاصة، اعتماد هذا البلد، قاعدة متقدمة لتشكيل كل المنطقة العربية الاسلامية، كما بات واضحا من خلال مخططات وتصريحات المسؤولين الأمريكيين. وللنجاح في جعل العراق، يمثل هذه القاعدة، فإنه لابد من قتل كل إرادة للمقاومة في صفوف الشعب العراقي الذي رفض الاحتلال منذ اليوم الأول، وتجنّد لاستعادة استقلاله وسيادته. القوة المنتصرة، لم تكتف باقتلاع قيادة العراق، ولكنها تمشط العراق، شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، تعدّ المقاومين، وتضبط القوائم باسم الشهداء منهم، على أمل استئصالهم، كما جاء في تصريح لأحد المسؤولين الأمريكيين العاملين في جهاز مخابرات الاحتلال. قوة الاحتلال لم تستثن المواطنين العاديين ولا الأسرى العزل في سجونها، والذين اذاقتهم من كل صنوف الاهانة والتعدي على الكرامة، وذنب هؤلاء فقط، إنهم عراقيون.. وهو الأمر الذي لم يفعله منتصرو الحرب العالمية الثانية، على الرغم من ان الحرب كانت وطيلة ردهاتها سجالا قبل أن ينجح هؤلاء في سحق النظامين المتمردين الذين بدآ باغراق اوروبا والعالم في حرب مدمّرة اودت بحياة الملايين من البشر... نجح الحلفاء في استقطاب اغلبية الشعبين الياباني والالماني لما احدثوه من تغيير والزموهما بضرورة التفكير عن ذنب اقترفته القيادات السابقة، ولكن الحلفاء الجدد، لم ينجحوا في استقطاب الشعب العراقي، ولا يبدو انهم سينجحون في ذلك مستقبلا، كما انهم فتحوا العراق على المجهول وعلى كل الفرضيات السيئة. ولذلك يمكن التأكيد ايضا بان محاكمة الرئيس صدام، لن تؤدي الى الاستقرار الذي ينشده الاحتلال ليبدأ بتنفيذ اهدافه الاقليمية، فكل عمل جديد يقوم به الاحتلال هو ولادة جديدة للمقاومة العراقية، التي ستنتهي تماما، احلام الرفاه الالماني الياباني التي تراود كثيرين من العرب.