ماذا في الاجتماع الوزاري الذي أشرف عليه رئيس الدولة؟    طقس اليوم..أمطار متفرقة بهذه المناطق..#خبر_عاجل    تونس وألمانيا تحييان سبعين عاماً من العلاقات وتعززان تعاونهما متعدد الأبعاد    الحرب على إيران... استهداف منشأتين للغاز بأصفهان وخرمشهر وهجوم صاروخي على جنوب إسرائيل    شركة يانصيب تجوب شوارع لندن بحثا عن المليونير "المفقود"!    رضائي.. إذا استهدفت أمريكا بنيتنا التحتية سنشلها ولن يكون الرد "عينا بعين" بل "عين ورأس ويد وقدم"    بطاقة إيداع بالسجن ضد المتهم بقتل الدبلوماسي السابق يوسف بن حاحا    بن عروس: الدورة الثانية لمهرجان موسيقى الطفولة ببن عروس من 26 الى 29 مارس 2026    الحمامات تحتضن الدورة الخامسة للمسابقة الوطنية لنوادي الفنون التشكيلية بمشاركة 105 فنانين    في مشهد سماوي بديع.. القمر يقترن بالثريا الليلة    يسري البواب: مجلة الطاقات المتجددة أولوية    دار الثقافة ابن رشيق بتونس ...«مقامات».. سهرة رمضانيّة بإبداعات تلمذية    «أجمل ليالي» في صفاقس...عندما عاد صوت أم كلثوم بروح موسيقية جديدة    مقارنة ببقية مسلسلات سامي الفهري...«خطيفة» عمل مختلف ...لكن    إيران...لأمريكا ... العين بالعين    دهون مفيدة لا تُخيف... 5 أطعمة تدعم صحة القلب يومياً    كولومبيا..حادث مأساوي يأتي على حياة 90 جنديا    منذ بداية رمضان: حجز 431 طنا من الفارينة وأكثر من 13طنا من اللحوم    أنور قرقاش يثير جدلاً واسعاً بتدوينة حول دور الجامعة العربية في الأزمة الخليجية    سفير تونس ببغداد يدعو الجالية التونسية لاتباع تعليمات السلطات العراقية للحفاظ على سلامتهم    هيئة الصيادلة تطلق استشارة وطنية لصياغة "كتاب أبيض" حول رهانات المهنة    وكالة التحكم في الطاقة تسلّم جوائز أفضل عمل صحفي لسنة 2025: المتوّجون    وزارة التعليم العالي تعلن عن مسابقة وطنية لتصميم هوية بصرية لبرنامج تونس عاصمة السياحة العربية 2027    إطلاق الدورة الثالثة عشرة من المسابقة الوطنية لأفضل تغليف    توننداكس يرتفع في أوّل حصّة من الأسبوع    وزير الخارجيّة يؤكّد ضرورة مراجعة علاقات الشراكة بين تونس والاتحاد الأوروبي    تونس: ارتفاع عدد قتلى حوادث المرور منذ بداية السنة وإلى غاية 22 مارس الجاري بنسبة 4,20 بالمائة    الخارجية الإيرانية تنفي إجراء مفاوضات مع واشنطن    عاجل/ أول رد فعل من إسرائيل على اعلان ترامب..    كاس تونس (الدور السادس عشر- الدفعة2): النتائج والهدافون    المعهد الوطني للرصد الجوي يعزز قدرات الاستباق برادارات متطورة لرصد الأمطار قبل تساقطها    بعد الحرب : تونس باش تشهد زيادة في أسعار الEssence؟    الدورة العاشرة من مؤتمر البحر الابيض المتوسط حول تحلية المياه ومعالجتها من 25 الى 27 مارس 2026 بالحمامات    الرابطة 2: صابر المرزوقي ينسحب من تدريب هلال الرديف    بطلة مسلسل "علي كلاي"/ والد أحمد العوضي يفجرها ويكشف حقيقة استعداد ابنه للزواج من يارا السكري..#خبر_عاجل    عاجل/ تنبيه لمستعملي هذه الطريق: استئناف الأشغال غدا وتحويل لحركة المرور..    قفصة: حجز 1200 قرص مخدر وكميات من خراطيش الصيد بمنزل في معتمدية المظيلة    البعثة الدائمة لتونس بجنيف تشارك في اجتماع منظمة الصحة العالمية بشأن الجوائح الصحية    عاجل/ هذا موعد عيد الاضحى فلكيا..    قمة تونسية جنوب أفريقية ودربي مغربي خالص: تفاصيل برنامج نصف نهائي دوري أبطال أفريقيا..#خبر_عاجل    صادم : يدلس في الفلوس و يروج فاها في المغازات ويستعملها في الشراء عبر الانترنات    عاجل/ وكالة الطاقة الدولية تفجرها وتحذر..وهذا ما لوحت به..    تأجيل محاكمة الرئيس الأول لمحكمة التعقيب سابقا الطيب راشد    تأجيل محاكمة المدير السابق لمكتب راشد الغنوشي إلى 6 أفريل في قضية غسل أموال وجرائم ديوانية    الاعلامية فجر السعيد تفتح النار على "درة زروق" وتنتقد أداءها في مسلسل "علي كلاي"..    طبيب مختصّ في أمراض القلب : تناول القهوة بمعدل يتراوح بين كوبين وخمسة أكواب يوميًا يحقق فوائد متعددة لصحة القلب    الدورة الدولية للتايكواندو ببلجيكيا: ذهبيتان وبرونزية لتونس    عاجل : تغييرات لحركة المرور بجسر بنزرت بداية من اليوم    بداية من اليوم..استئناف العمل بالتوقيت الشتوي..وهذه التفاصيل..    بطولة الكرة الطائرة: نتائج مواجهات الجولة الرابعة إيابا لمرحلة التتويج    كرة السلة: قمة مشوقة اليوم بين الشبيبة القيروانية والنادي الافريقي    مركز الاصابات والحروق البليغة ببن عروس ينظم اليوم العلمي الثالث يوم 4 أفريل 2026 بالمركز الثقافي والرياضي للشباب    صادم : حُبوب هلوسة، كوكايين ومحجوزات أُخرى حجزت في شهر رمضان    طقس اليوم: أمطار متفرقة وانخفاض في درجات الحرارة    بطولة اسبانيا : ثنائية فينيسيوس تقود ريال مدريد للفوز 3-2 على أتليتيكو    وقتاش ينجم يكون ''العيد الكبير''؟    هل صحيح اللي ''العرس'' في شوال مكروه؟    حديث بمناسبة ...عيد الفطر في تونس سنة 1909    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



شعوبنا المستعمَرَة سابقا وحقوقها المشروعة في الاعتذار والتعويض
نشر في الشروق يوم 18 - 11 - 2009

إن الدارسين للمرحلة التي هيمن فيها الاستعمار الفرنسي على شعوبنا المغاربية، والباحثين في الشأن التونسي بالخصوص ليلاحظون أن هذا النمط الاستعماري كان منذ انتصابه سنة 1881م ببلادنا إلى رحيله سنة 1956 بعد كفاح مرير ومقاومة شرسة ومتعددة الأساليب... كان يهدف إلى السيطرة على الأرض والبشر والشجر... إلى احتلال الأرض والإقامة فيها وإلى امتلاك مواردها وثرواتها الزراعية والطبيعية وإلى تغيير هوية الإنسان التونسي العربي المسلم ومسح تاريخه الحضاري وتلبيسه هوية فرنسية مسيحية.
الخلفية الثقافية
وما زلت أذكر في بداية الخمسينات من القرن الماضي، مرحلة تعليمنا الابتدائي بالمدرسة الابتدائية بمدينة نفطة، أذكر العبارة التي كان يرددها علينا نحن التلاميذ الصغار المعلم الفرنسي قاردي Gardet، بالحرف: Nos ancêtres les gaulois أجدادنا الغاليون... هكذا ويعمل جاهدا على تكرارها حتى نحفظها عن ظهر قلب... والمقصود تثبيتها وغرسها في أذهاننا وعقولنا... وفي شخصياتنا عموما...
ولا يمكن لنا أيضا أن ننسى –ونحن طلبة في بداية الستينات من القرن الماضي وفي الملتقيات الطالبية التي كان ينظمها المكتب القومي للطلبة الدستوريين –وكنت عضوا فيه مكلفا بالشؤون المذهبية وبالتكوين- لا يمكن لنا أن ننسى العبارة الحاسمة التي كان يرددها المناضل الوطني الكبير المرحوم الطيب المهيري وهي: «الثالوث الاستعماري:
1)- الجيش الفرنسي الذي يعتمد القمع والفتك وبعث الرعب في نفوس المواطنين التونسيين.
2)- المعمّر الذي يستولي على الأرض وما عليها ومن عليها ويستغلها لفائدته وفائدة عائلته وبلده فرنسا.
3)- «الببّاص»... ويعني الكنيسة المسيحية التي كانت تساند دور السلطة الاستعمارية «المدنية».
وتاريخ المرحلة الاستعمارية الفرنسية بتونس يؤكد أسبقيّة المعمّر الفلاحي والكنيسة وما قاما به من دور تمهيدا للاحتلال العسكري يوم 12 ماي 1881م.
ويجدر التأكيد على الدور الأسبق للكنيسة ونشاطها التبشيري الديني لنشر المسيحية وإعادة تنصير الشعب التونسي وشعوب المنطقة المغاربية عموما باعتبار النصرانية هي ديانة هذه المنطقة وديانة أجدادها في فترة الحكم الروماني... وباعتبار أن فرنسا هي «إبنة الكنيسة» وهي عبارة تتكرر باستمرار إلى يومنا هذا وعلى لسان البابا الحالي في الفاتيكان... فإن فرنسا هي الحارس الأول للديانة المسيحية في هذه الربوع رغم طابعها العلماني داخل حدودها وهو ما أكده أحد الفرنسيين «العلمانية صالحة لفرنسا وحدها وليست بضاعة للتصدير».
وانطلاقا من هذا الدور الديني المسيحي، إضافة إلى الدور «التمديني» الذي كان يرفعه الجنس الأبيض شعارا لتوسعه الاستعماري وتبريرا لهيمنته على أرضنا وربوعنا وأوطاننا...
فإن هذا التصور يؤكد الخلفية الثقافية للتيار الاستعماري الغربي عموما والفرنسي الذي يهمنا مباشرة وبوجه خاص. وقد قال الكاردينال لافيجري أبرز دعاة المسيحية في شمال إفريقيا «لا تمدّن لهذه الشعوب ما لم يتنصروا وما لم يتفرنسوا»...
والدارس لنصوص أبرز المفكرين والفلاسفة الأوروبيين ولأعمال أبرز المستشرقين ليتأكد من رسوخ هذه الخلفية الثقافية للحركة الاستعمارية الفرنسية...
ولذلك نلاحظ أن المعنيين بالشأن المغاربي من المؤرخين والمثقفين والساسة الفرنسيين قد يختلفون في الاختيارات والتوجهات بين اليمين واليسار بأجنحته المتعددة من شيوعي واشتراكي...الخ... ولكنهم يتفقون إزاء منطقتنا المغاربية... وهذا يعني أن تصورهم الاستعماري واحد...
ولذلك نجد ليون بلوم Leon Blum أحد كبار زعماء الاشتراكية في فرنسا يقول: «نؤمن بحق الأجناس المتقدمة وبواجبها في أن تجلب إليها الأجناس المتخلفة التي لم تبلغ مستواها الثقافي».
كما أن الرئيس الفرنسي الأسبق فرنسوا ميتران والزعيم الاشتراكي المعروف كان وزير داخلية فرنسا خلال مرحلة القمع الفرنسي للشعب الجزائري الشقيق، والأخوة الباحثون والمؤرخون الجزائريون يعرفون جيدا ما حدث في تلك المرحلة...
وإذا كان هذا هو موقف زعماء اليسار الفرنسي خلال الحقبة الاستعمارية... فإن موقف اليمين... واليمين المتطرف... حدّث عنه ولا حرج...
على أن هذا الموقف الفرنسي السائد لا يدعونا إلى التعميم، إذ هنالك قوى فرنسية متعددة الاتجاهات، وإن كانت محدودة، كانت تعارض التيار الاستعماري وتساند حركات التحرر المغاربية... وكانت لها مواقف متميزة تاريخيا في هذا المجال...
الحاضر امتداد للماضي
إن تذكيرنا بهذه الجوانب مرتبط شديد الارتباط بما نشاهده حاضرا ونتابعه يوميا من خلال الموقف الفرنسي من بلادنا ومن تطوراتها وما تحققه من مكاسب وإنجازات يشهد بها الجميع مؤسسات وخبراء...
وقد ازدادت هذه المواقف الفرنسية العدائية... ازدادت حدّة وشمولا... من وزير الخارجية الفرنسي كوشنار... إلى رئيس بلدية باريس... إلى الحزب الاشتراكي ومختلف أطراف اليسار... إلى الإعلام الفرنسي بوسائله المتنوعة...
كل هذا الحشد وهذه الحملة هدفها التشكيك في ما يحدث في تونس... وتشويه كل ما يجدّ في بلادنا... من انتخابات... ومشاريع... وإنجازات في جميع الميادين...
كل هذا ينساه هؤلاء الاستعماريون الجدد... ويبذلون كل الجهد للتغطية على ما فيه من إيجابيات... ويبرزون حالات فردية محددة تتعلق ببعض «التونسيين» الذين يريدون تجاوز القانون... يبرزونها وكأن تونس أسوأ بلد في العالم في جميع المجالات والميادين...
وخاصة في مجال «الديمقراطية والحريات العامة وحقوق الإنسان»... هذا المجال الذي يرفعه «الاستعماريون الجدد» شعارا امتدادا لشعار أجدادهم الاستعماريين السابقين والمتمثل في مقولة: «نحن مكلّفون برسالة إنسانية يتحملها الرجل الأبيض وهي تمدينكم وتطويركم نحو التحضّر»... وقد أصبح معلوما لدى الجميع أن كلاّ من الشعارين القديم والجديد هو غطاء لمواصلة الهيمنة والسيطرة والتدخل السافر والعلني والمستمرّ في شؤوننا الداخلية وكأن تونس لم تقدّم الغالي والنفيس من أجل تحررها من الاستعمار القديم... وتحقيق استقلالها وسيادتها الكاملة على مقدّراتها... وثرواتها... ومصائرها...
إن هذا التيار الاستعماري الجديد هو امتداد وتواصل للتيار القديم... أي أن الأحفاد يسعون للعودة إلى بلادنا من النافذة بعد أن قام شعبنا المناضل وقواه الوطنية بطرد أجدادهم من الباب...
الطابور الخامس الجديد
ولئن كانت الجالية الفرنسية تمثّل الطابور الخامس في المرحلة الاستعمارية السابقة مدعومة ببعض الجاليات الأجنبية... وبعض التونسيين...
فإن الطابور الخامس مع الاستعماريين الفرنسيين الجدد هو مع الأسف يتألف من «تونسيين»... نعم.
إنهم في نظرنا لا يربطهم ببلادنا ووطننا إلا بطاقة الميلاد... والوثائق الإدارية الرسمية... أما الروح... والعلاقات الوثيقة... والصداقات... والتوجهات... وطبعا المصالح... فإنها جميعها مع «الآخر»... الأجنبي... وبكامل الوضوح والصلف...
هكذا يعيشون في عائلاتهم... وفي بيوتهم... يتكلمون اللغة الفرنسية... يتابعون الفضائيات الفرنسية... إنهم يعيشون في فرنسا... رغم أنهم على الأرض التونسية...
ولذلك لا غرابة أبدا أن يقول بعض الفرنسيين «إن المعلومات... والمبالغات... وكل ما تسمونه أنتم في تونس تشويها... وتزييفا... ومغالطات... مصادرنا في كل ذلك من تونسيين وتونسيات...»
ولهذه الاعتبارات المبدئية فإننا سنقوم بتنظيم حوار وطني في المجال الإعلامي... وخاصة ضمن موقع الانترنيت الذي نشرف عليه «من أجل تونس»... حوار حول «من هو التونسي؟» دعما للحوار الذي نحن بصدد الشروع فيه حول «ما هي تونس؟» والذي يقوم حاليا الجامعي والمثقف المتميز الدكتور محمد محجوب مدير عام المركز الوطني للترجمة... يقوم بنشر سلسلة مقالات تمهيدا وتأسيسا لتنظيمه...
دعوة وطنية أصيلة
ولمواجهة هذا التيار الاستعماري الفرنسي الجديد تبرز الدعوة الوطنية الأصيلة التي أطلقها العديد من الإعلاميين والمناضلين وفي مقدمتهم الاتحاد الديمقراطي الوحدوي وأمينه العام الأخ المناضل الوطني والقومي أحمد الاينوبلي.
إنها الدعوة إلى مطالبة فرنسا بالاعتذار والتعويض للشعب التونسي عن كل ما اقترفه جيشها ومسؤولوها من قمع وجرائم خلال المرحلة الاستعمارية... قمع وجرائم طالت جميع الجهات والمناطق... الأرياف... القرى... المدن...
والذين عاشوا تلك المرحلة يدركون جيدا خطورة تلك المآسي.. والجرائم...
إنها مطلب مشروع... ومن حق شعبنا وقواه الوطنية الأصيلة بمنظماته وأحزابه... وجمعياته... وكفاءاته... من حقنا تأكيد هذه الحقوق المشروعة... الاعتذار... والتعويض الأدبي والمادي... رغم أن ما اقترفه الاستعمار الفرنسي في بلادنا.. وفي كامل المنطقة المغاربية دون استثناء... لا يمكن تعويضه مهما كانت الأساليب والوسائل...
وتجدر الإشارة في هذا المجال إلى أن «الطابور الخامس» «التونسي» هو الذي بادر بمعارضة هذه المطالب المشروعة... قبل فرنسا الموجه إليها هذه المطالب...
نعم. إن هؤلاء يندرجون ضمن «الطابور الخامس المغاربي» الذي تولى في الشقيقة الجزائر... والمغرب الشقيق... تولى المشاركة مع «المثقفين والإعلاميين الفرنسيين من اليسار الجديد»... المشاركة في التنظير لأهمية المرحلة الاستعمارية من الناحية الإيجابية... والسخرية من المطالبة بالاعتذار والتعويض... وكذلك التنقيص من دور المقاومات الشعبية والحركات التحريرية الوطنية في مختلف الأقطار المغاربية... ودورها في تحرير شعوبنا وافتكاك استقلالها... وسيادتها...
هذا مع الإشارة إلى أن هؤلاء «الاستعماريين الجدد» وطابورهم الخامس يتجاهلون ما تقوم به اسرائيل منذ عقود في هذا المجال، ونعني مطالبة أوروبا... والكنيسة... بالاعتذار لما حصل لليهود خلال الحرب العالمية الثانية... وما قبلها... وما يسمى «بالمحرقة»... الخ...
والجميع يعلم ما تقوم به أوروبا شعوبا ودولا من تأكيد الاعتذار... والتنافس في مجالات التعويض المادي...
والجميع يعلم أيضا ما قام به البابا السابق... والحالي... والفاتيكان عموما... من اعتذار لليهود وفي الوقت نفسه تجاهل ما حدث للمسلمين أثناء الحروب الصليبية... وما قبلها... وما بعدها... إلى اليوم... وتجاهل دعوات العرب والمسلمين المشروعة في هذا المجال.
أسباب أخلاقية وسياسية وقانونية... وحضارية
واعتقادنا أن الأسباب التي تجعل مطالبة فرنسا بالاعتذار وبالتعويض.. مطالبة مشروعة ضرورية وملحّة وحالية عاجلة:
1)- الوقوف ضد التيار الاستعماري الجديد والمتزايد خلال هذه المدة... متزايد سياسيا وإعلاميا... وحتى في مجال السلوك والممارسة بالنظر إلى ما يحدث لأبنائنا المهاجرين المغاربيين من مضايقات في شتى المجالات... إن هذا التيار سيزداد حدة وانتشارا وهو ما تؤكده عديد المؤشرات المتوالية في الساحات الفرنسية.... والأوروبية عموما.
2)- مواجهة هذا الصلف الفرنسي والمتمثل في تزايد حدة مواقفهم من بلادنا... وسعيهم إلى التوصل إلى موقف ضد تونس يتجاوز فرنسا إلى المجال الأوروبي والحزبي والحقوقي... والرسمي.
ويبرز هذا الصلف في موقف فرنسا من مطالبة الجزائر الشقيقة بالاعتذار عن الفترة الاستعمارية.
وتمثّل هذا الموقف في بيان البرلمان الفرنسي الصادر خلال السنوات القريبة الماضية، والمؤكد للدور الإيجابي لتلك الفترة الاستعمارية مما أثبت عنجهية السلط الفرنسية وتجاوزهم لحدود التعامل الملائم واللائق.. والإنساني.
وفي هذا الإطار تبرز مواقف الجزائر الشقيقة الصامدة والرافضة للموقف الفرنسي والمؤكدة بإصرار على ضرورة الاعتذار..
3)- إن قيام فرنسا بالاعتذار وبالتعويض للشعب التونسي، وللشعب الجزائري الشقيق... ولكل الشعوب المغاربية والعربية المطالبة بهذا الحق المشروع...
إن ذلك إضافة إلى أنه يعيد فرنسا إلى إطارها الحضاري والثقافي الذي تحرص على الانتماء إليه والتمسّك به، ونعني إطار المساواة بين البشر... والعدالة بينهم... والتعامل والحوار بين الحضارات... وغيرها من الشعارات المشابهة...
إضافة إلى كل ذلك فإن قيامها بالاعتذار... يكتسي دلالة رمزية تؤكد ترفعها على الأخطاء وتجاوزها... وبالتالي عدم العودة إليها.
إن إقرار فرنسا بهذا الموقف يخرجها من المجال الاستعماري المناقض لكل القيم الإنسانية... ويرجعها إلى المجال الذي تحرص على الانتماء إليه في مستوى الخطاب وهو مستوى احترام حقوق الإنسان...
إن الدارسين للثقافة الغربية –وفرنسا جزء منها- يعرفون أن الغرب غربان: غرب استعماري استعلائي... ظالم... وغرب يتبنى مقولات الحرية والعدل والمساواة...
وإذا استجابت فرنسا لمطالب شعوبنا المغاربية المشروعة والطبيعية فإنها بذلك تنتقل من الجناح الاستعماري الظالم إلى الجناح العادل والإنساني.
وإذا استعملنا لغة أرسطو فإن هذا القرار سيساهم في تطهير الضمير الفرنسي والتاريخ الفرنسي والمجال الفكري والثقافي والسياسي الفرنسي... تطهير الشخصية الوطنية والحضارية الفرنسية...
هذا التطهير الذاتي والداخلي... الكاترسيس عند اليونان.
4)- إن تحقيق فرنسا لهذا المطلب الشرعي بل الطبيعي للشعب التونسي.... وللشعوب المغاربية الشقيقة... لمن شأنه أن يزيل الأدران والأحقاد والضغائن وجميع المخلفات السلبية... مخلفات الحقبة الاستعمارية... ويمحي تلك الفترات التاريخية السوداء والمشينة... فيحل محلها الوئام والاطمئنان... مما يدعم الحاضر ويعزز مكاسب المستقبل.
إن بقاء هذه المواطن السوداء كما هي عليه... وكما يمكن أن تتطور نحوه... لا يمكن أبدا أن يدعم التعاون التونسي الفرنسي... ولا المغاربي الفرنسي... ولا التعاون المتوسطي وما يحمله من آمال...
5)- من المعلوم طبعا أن مثل هذه الحقوق المشروعة لا تزول بالتقادم أبدا... مع الأفراد... فما بالك مع الشعوب...
5)- واعتقادنا أن المثال الليبي-الإيطالي في هذا المجال، مجال حق الاعتذار والتعويض... هو المثال الملموس والأفضل لدعم العلاقات بين شعوب المنطقة... هذه الشعوب المتوسطية التي تسعى بجميع الوسائل ليكون البحر الأبيض المتوسط فضاء حوار وتسامح وتعاون... لا فضاء ضغائن وأحقاد... ومشاحنات..
علاقات رسمية بمنأى عن «الأزمات»
وفرنسا وما لها من حضور ومن دور فاعل ومتميز في هذا الفضاء... خاصة أن الرئيس ساركوزي الذي بادر مشكورا بأن كان من أول المهنئين لسيادة الرئيس زين العابدين بن علي إثر فوزه الوطني الباهر في الانتخابات الرئاسية الأخيرة (25 أكتوبر 2009)... الرئيس ساركوزي هو نفسه صاحب مبادرة «الاتحاد من أجل المتوسط»... والذي كان الرئيس بن علي من أول المساندين الفاعلين لهذه المبادرة.
في هذا الاطار تبقى العلاقات التونسية الفرنسية، بالرغم من المواقف الغريبة والمتأتية من بعض وجوه اليسار، علاقات جيدة ولا يمكن أن تؤثر فيها نعرات بعض الأفراد الذين لم يفهموا مجرى التاريخ.
بن علي والقذافي
ونغتنم هذه المناسبة للتأكيد على أن مثل هذه الحالات الشاذة والمتمثلة في التهجم الفرنسي على تونس... ومحاولات التشكيك والتشويه... والمغالطات...
مثل هذه الحالات لا تمسّ تونس في شيء بل إنها تزيدها تماسكا وتدعم وحدتها الوطنية...
ولا داعي للتذكير بالشعار الذي رفعه سيادة الرئيس زين العابدين بن علي لهذه المرحلة وهو «معًا لرفع التحديات»... ومن هذه التحديات مواجهة كل من يحاول المسّ من سمعة تونس والتشكيك في سلامة مسارها التنموي الشامل...
ويدعم هذا التوجه الوطني الثابت والناجح والسليم ما تجده تونس بقيادة بن علي من مساندة... مثل الموقف المشرّف والمتميز والسريع الذي عبّر عنه الأخ العقيد معمر القذافي قائد ثورة الفاتح من سبتمبر العظيمة... ومن خلاله موقف الاتحاد المغاربي والاتحاد الإفريقي ومجموعة س-ص الإفريقية... وكذلك جميع الأشقاء والأصدقاء المعجبين بتونس وبقائدها وأسلوبه السليم ومنهجه في إدارة شؤوننا الوطنية في مختلف المجالات الداخلية والخارجية.
إن مبادرة الأخ العقيد القذافي المشرّفة وبالسرعة الملائمة لتؤكد متانة العلاقة الأخوية والحميمة والصادقة القائمة بين القائدين... وهي بدورها لتعبّر عن العلاقات التاريخية والحضارية والأخوية التي نسجها التاريخ منذ عهود بين القطرين الشقيقين.
ما العمل... أيضا؟
واعتقادنا أن الأحزاب والمنظمات الوطنية والجمعيات... والكفاءات التونسية المتميزة... من مثقفين وجامعيين وإعلاميين وساسة... ومناضلين ومناضلات من مختلف المواقع...
على الجميع تأكيد الموقف الوطني... وبالأساليب والوسائل المختلفة... لكشف «الاستعماريين الجدد» وطابورهم الخامس...
فتونس التي تغلّبت على الاستعمار القديم بصورة مشرّفة وحققت استقلالها وسيادتها... رغم قلة الوسائل والإمكانيات...
هي حاليا أقوى مما يتوهم الكثيرون ويتصورون...
بأبنائها وبناتها الصادقين... المخلصين لها....
وبما تحققه يوميا من مكاسب وإنجازات في جميع المجالات والميادين والمستويات...
وبالبرامج والتصورات المستقبلية التي قدمها الرئيس بن علي بكامل الثقة والحزم والتحدي سواء خلال افتتاح الحملة الانتخابية... أو عند أداء القسم في الجلسة الممتازة للسلطة التشريعية بمجلسيها النواب والمستشارين يوم 12 نوفمبر 2009.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.