البنك المركزي: ارتفاع عائدات العملة إلى 2.1 مليار دينار وتزايد السيولة النقدية    الإتحاد الوطني للمرشدين السياحيين يستنكر قرار مراجعة معاليم الدخول إلى المواقع والمتاحف الأثرية دون التشاور مع الأطراف النقابية المتداخلة في القطاع    بطولة الكرة الطائرة: برنامج الجولة الثالثة من نصف النهائي    الترجي الرياضي: اصابة كسيلة بوعالية وشهاب الجبالي وغيابهما عن لقاء صان داونز    مقاتل تونسي يشق طريقه نحو النجومية في رياضة الMMA    الملتقى الوطنيّ للقصّة القصيرة جدّا بمنزل تميم: دورة صالح الدمس.. وتوصية بالانفتاح العربي    رئيس الجمهورية: التلفزة الوطنية مطالبة بتغيير خطابها    البرلمان: جلسة عامة الثلاثاء للنظر في مشروع قانون    سعيّد: "هناك استعدادات واحتياطات لتداعيات الحرب في الشرق الأوسط"    الرابطة الأولى: تألق لافت تحت الخشبات الثلاث.. و6 حراس يصنعون الفارق    وصول 11 تونسيا إلى مطار تونس قرطاج بعد اجلائهم من هذه الدولة..#خبر_عاجل    عاجل: روسيا تعفي مواطني هذه الدولة العربية من الفيزا بداية من ماي    فيروس يصيب الحيوانات المائية ويهدد عين الإنسان...شنوا الحكاية ؟    كيفاش تنجم تتحصل على سيارة شعبية؟    عاجل/ يهم الزيادة في أجور موظفي القطاع العام والخاص: رئيس الدولة يعلن..    شوف شنوا ينجم يفيدك قشور الليمون والفلفل في كوجينتك!    قضية شوقي الطبيب: حجز الملف لتحديد موعد الجلسة القادمة    الرابطة الأولى: الترجي الجرجيسي يغرق في سلسلة النتائج السلبية    الرابطة المحترفة الثانية: برنامج الجولة الثانية والعشرين    عاجل-شوف منين تشري: تذاكر الترجي ضد صان داونز موجودة عبر هذا الرابط    أحكام تصل إلى 50 عاماً سجناً في قضية شبكة دولية لترويج "الإكستازي" بتونس    تونس في أسبوع شمس وسخانة: لكن توقع عودة الأجواء الشتوية الباردة بهذا التاريخ    محل 40 منشور تفتيش..تفاصيل الاطاحة بعنصر خطير بباردو..#خبر_عاجل    عاجل/ الإطاحة بشبكة ترويج مخدرات دولية بحدائق قرطاج..    عاجل: قيس سعيد يعد الشعب التونسي بالكشف عن حقائق    الرحيلي: مخزون السدود عند 60% وتحذير من خسائر التبخر وغياب التخطيط الاستشرافي    ظافر العابدين: الانفتاح على الثقافات طورني فنياً و هذه التحديات اللى عشتها    شوف الأسوام اليوم في بومهل    خبز جديد غني بالألياف: صحّي وأبنّ...باش يعجب الناس الكل...وهذه أسعاره!    الخطايا المرورية : شنوا حكاية المخالفات القديمة اللى ظهرت للتوانسة ؟    د أسامة فوزي: حسن أحمديان قدّم أداءً لافتاً على الجزيرة    اغتيال رئيس جهاز استخبارات الحرس الثوري الايراني    زلزال في عالم التطبيقات: بداية من هذا التاريخ.. ميتا تُغلق "ماسنجر" وتُغير قواعد اللعبة..    مقر خاتم الأنبياء يحذر: أي توغل بري سيقابل برد حاسم    عاجل/ تفاصيل جديدة عن حريق مستودع الحجز البلدي ببومهل واحتراق سيارات..فتح تحقيق..    إيران وأمريكا تتلقيان خطة لإنهاء الحرب    طقس اليوم: ارتفاع درجات الحرارة    رضا الشكندالي يحذّر من تواصل تراجع الاستثمار في تونس منذ 2011    البطولة الفرنسية : موناكو يفوز على مرسيليا في ختام الجولة 28    في اليوم ال38 من الحرب ... رؤوس متفجرة تسقط في حيفا في ظل مفاوضات "الفرصة الأخيرة"    وزارة الداخلية تعلن إيقاف 15 شخصًا في إطار مكافحة الاحتكار والمضاربة..#خبر_عاجل    كيف تتحكَّم في شهيتك بسهولة؟ 7 حيل فعَّالة يومية    سيدي علي بن عون .. يوم مفتوح للجمعية التونسية لقرى الأطفال س.و.س    جمال لا يرى    مع الشروق : «كروية الأرض» شاهدة على أن التاريخ لا يموت في اسبانيا!    ظهرت في أغنية كورية لثوانٍ.. ابنة أنجلينا جولي وبراد بيت تشغل التواصل    طبيب مختص: قريبا اعتماد الأوكسيجين المضغوط في تأهيل مرضى الجلطة الدماغية    تحت عنوان "ذاكرة و عُبور" الدورة 30 لصالون صفاقس السنوي للفنون تحتفي بالفنان باكر بن فرج    توزر: افتتاح المشروع الثقافي "ستار باور" بدار الثقافة حامة الجريد ضمن برنامج "مغرومين"    نابل: استثمار تركي بقيمة 5 ملايين دينار لتشغيل 1000 شاب في قطاع النسيج    خبر يفرّح التوانسة: بشائر الخير مازالت متواصلة في أفريل    مفاجأة: دراسة علمية تكشف..عنصر رئيسي يجعل البكاء سبباً لتحسين مزاجك..    المركز الجهوي لتقل الدم بصفاقس ينظم يوما مفتوحا للتبرع بالدم يوم 8 افريل 2026 بمناسبة الاحتفال باليوم الوطني للتبرع بالدم    التوقعات الجوية لهذا اليوم..    وزارة الشؤون الدينية تنشر دليلا مبسطا حول أحكام الحج والعمرة    ظاهرتان فلكيتان مرتقبتان في تونس في 2026 و2027    خطبة الجمعة: مكانة المسجد في الإسلام    فتوى الأضحية..شنوا حكم شراء العلوش بالتقسيط ؟    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



يمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده
نشر في الشروق يوم 18 - 06 - 2005

محمد الهادي الجزيري، الابن الشرعي لهذه الارض، قبل أن تصبح عاهرة، المتحدر بالنسب الوثيق من صلب الوطن، المنتمي بكل المعايير الفطرية والمكتسبة الى نار هذه الامة المضطرمة في قلب الصحراء لا يخمد لها لهيب، هيأ منذ اندلاق الحرف على لسانه، جسده أثافيّ لقدر المروءة وابن السبيل، والمكدود والمهموم والمكلوم والشريد، وعقر فرسه النجيبة لضيفه، وما تعلل عن القرى بالحاجة والضيق، وطها لحمه وقال «خذه إن لنا في البعيد فراخا نجمعهم حولها في الاماسي وندرك معنى الرجوع الى البيت دون رغيف» وما ضاق بالسؤال أبدا ولا اجترح فعل أشعب على موائد السادة ولا انحنت أشجاره رغم عصف الخريف... حمل زفراته وزفرات الذي يليه بل حتى «زفرات الملك المخلوع». ومذ رأى كل الفضاءات حوله مدى تمتد الى رقبته انخرط مع الطائر في رقصة الذبيح. ثم تيقن أن الكون يثقل عليه كلما هم أن يكون فأمسك بجمجمته يسائلها: نكون أو لا نكون، وحسب للحظة أناخ فيها الكرب أن ليس له في هذه العتمة ما يضيف، غير أن الهوى وابن الفارض أقنعاه بأن له عن شغل القاعدين شغل، وأنه ليس من طينة المتكأكئين على فتات الامسيات المنتشرين كالذباب على الجرح في كل فج عميق.
فانعقد لديه العزم وصح الرحيل، الى حيث الحبيبة ونهداها العاريان نهبة للرعاع وقطاع الطريق، وبعد إقامته سنتين في خمارة الشعر أسلمه الصدر الى القافية وأهدته القافية الى حلم السبيل، وهفت نفسه الى المقام بين الماءين يذود عن حلمه جيش الغزاة الرعاة اللقطاء الموبوئين، ومن هناك من عراق الفتنة والنكبة، من بابل العشبة الذاوية رغم انسياب الرافدين وما هطلت به عيون العاشقين، من حمورابي الذي يطلع من رماده رغم الحريق... ومن كأس أبي نواس المترعة أبدا رغم شح النخيل بالنبيذ، من تلك الاقاصي، لمّ شتاته وأقام في صحراء ليبيا خيمته على أمل أن يموت هنيئا بين الوطن والوطن، وكم تمنى أن تُعمّى عن ناضريه الطريق، غير أن موته الحاثّ خطاه على أثره خذله، ليظل موعودا بالتهيام بين نزيف الوطن واحتقان دمل الحرف، لا هو يحيا جبلا ولا هو يموت كريما على الثغور. فامتطى رجليه الغارقتين في وحل الهزيمة وعدا خجولا من بقائه، حييا من ولديه وأمهما والصحب أجمعين، يحمل حياته سبة أو لعنة، ويبصق في كل عين جبانة، ويهتف بيحيى حفيد الينابيع: يا يحيى بعثر أوراق حزني، يا يحيى تجمل ببهاء أبيك فما كان أبوك أمرا سوء ولكن أمتك هي البغيّ رافعة الاقدام في كل مبغى تميل حيث الدرهم يميل.
وردد مع المتنبي نشيجه:
أذم الى هذا الزمن أهيله
فأعلمهم فدم وأحزمهم وغد
وأكرمهم كلب وأبصرهم عم
وأسهدهم فهد وأشجعهم قرد
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى
عدوا له ما من صداقته بد
ثم ماذا يا يحيى ويا محمد.
إذا لم أكن إلا لأكتب بعد أن حالوا دون الجسد وموته الشريف، ماذا بقي غير المطر أستحم به وأكتب، والرفض باق على لساني وهذه «لن» تبقى «لن» تحيا» «لن»، لن يمحي وجه محمد، وتضبح خيل الاسئلة وتكون الفاتحة تفاحة قول ناضجة، قد تغوي حواء آدم بقطافها وقد يغوي الشيطان الشاعر بحواء ذاتها فيضاجعها على مرأى من سدنة الجنة وليكن الذي سيكون، وليؤخذ بجريرة الشذوذ... فهو هكذا لا ينكر أنه هكذا هو، يعول في ليله وينشد: «من ينوب دمي ويقول له: شرس برد هذا الشتاء وخصوصا شتاء النساء.
وتمضي به الابجدية الى معتكفه فيعلنها «هدنة» سرعان ما يقطعها بضرام الوعيد «سنرى» ويرتد الى سالف جنونه وكبريائه جازما أنهم «سبقوه اليها وما افتضها أحد»... هي القصيدة يقصد... فلا يذهبن بأحد الظن الى سواها... وهي الابجدية هو الأبجدية يفتض مغلقه / مغلقها / ليخلق من تشظيه القصيدة التي تتكىء عليها ليحبلها ولا يتكىء عليها ليرتزق... وهو لا يتورع عن لطم المرتزقة وهذه صفعته المدوية تقول لأحدهم : «هل جمعتك العناكب من مقبرة، هل تقيأ في جوف أمك ثور فأشرقت أنت»... والببغاء لا يجيب ضجيج الأسئلة فيردفه بصفعة موالية : «لوجهك أحلى ابتسامة تؤكد أن الغراب حمامة»، وإذ يستفيق على أن كل ما حوله هامد بارد كالقتلى الذين يكتظ بهم وما لجرح بميت إيلام يلتمس السكينة : «اهدأ، لا تجرف أم صغيريك، ولا تفزع في هدأة هذا الفجر صغيريك» ويطبق عليه الوهم بأن كل ما في الكون وهم : ا& والإنسان والشيطان، وآدم والتفاحة، وقحطان وكنعان والعرب والكرب والخيل والليل والخمر والندمان، ويلتمس مفازة من نفق الوهم لكن العاشق استحال مزقا، والمزق استقامت قتيلا، والقتيل تناثر في الصمت إلا جثته ما بارحت رقصتها في فلوات الجنون، «فلا صراط لذاته الشريدة، لا عقل لا قيد لا أرصفة لا قناع للقصيدة». وما عساه أن يضيف لبيت اللغة المهجور وهو طافح بالموت، جسد هدمته خربته الصروف،،، لم تتبق سوى السقيفة المظلمة والغزالة تشربه من فمه» فليضف شفتيه إلى شفتيها وليصغ الحفيف، ولكن كيف يطيب له خصرها الخيزراني بين يديه، وأهله الجياع خلف الباب صفوف... آن له أن ينضو عن جسده اللحاف ويضيف إليه «طعنة الإنهيار الأخير» ولتحفل حكايات القبيلة بأسطورة جديدة : ما زال محمد منذ الأزل مصلوبا على شرفة القصيدة، لم يبق يسار إلاه وهو يرفض أن يكتب بيمناه... فعليه سلام الآبقين، وإثم ما أحله من دم السفهاء، وليبق محمد بعضا من أعمدة الشعر ولعنة على المشعوذين باسم المرحلة الجديدة.
الصادق عمار


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.