القاهرة خاص الشروق حبيبة عبد السلام أصداء فضيحة تصدير الاسمنت المصري لبناء الجدار العنصري في الكيان الصهيوني تتوالى، ورغم أن «دماء» هذه الفضيحة تفرقت بين «القبائل» وتورط فيها أطراف في مصر، وفلسطين، واسرائيل إلا أنها ألقت بظلالها كمحصلة أخيرة على مصداقية الموقف المبدئي ضد الجدار العازل بل وقللت من قيمة الانجازات والنجاحات للجهد العربي بالتنسيق مع الأطراف الدولية داخل الأممالمتحدة والتي توجت بقرار الادانة. وهذه القضية ما زالت تثير ضجة في المنطقة، فبعد تحقيقات المجلس التشريعي الفلسطيني حول تورط وسطاء فلسطينيين لنقل الاسمنت المصري الى غزة ثم إلى مواقع بناء الجدار الاسرائيلي... قامت اللجنة في فترة سابقة بزيارة للقاهرة لمتابعة القضية وحل ألغازها، حيث التقى الوفد البرلماني الفلسطيني برئاسة حسن خريشة مع أعضاء من مجلس الشعب المصري برئاسة مصطفى الفقي رئيس لجنة الشؤون الخارجية بالمجلس اضافة الى أعضاء من لجنة الدفاع والأمن القومي بالمجلس وكانت بداية اثارة القضية في مصر عندما نبهت بعض الأقلام والضمائر الحرة الى ارتفاع مهول وغير مبرر لسعر طن الاسمنت والحديد في السوق المصري مما دفع المقاولين ورجال الأعمال وخاصة المتعاملين مع قطاعي الاسمنت والحديد الى وقفة لدراسة هذه التطورات في القطاع، وتبعتها عدد من الاستجوابات داخل مجلس الشعب للوزراء المختصين والحكومة من طرف أعضاء من المجلس حول هذه القضية. ... ولكن ما يلاحظ أن الحديث عن هذه القضية أصيب «بالسكتة القلبية» بعد فترة، حيث تم شبه اغلاق متعمد للموضوع برمته، ويبدو ذلك بسبب التوصل الى معلومات عن تورط كبار المسؤولين في الحكومة الفلسطينية في هذه الفضيحة. لكن في المقابل استمر الحديث هنا وهناك على طريقة الاشاعات عن أن اثنين من المسؤولين رفيعي المستوى باعوا في رام الله للإسرائيليين آلاف الأطنان من الاسمنت لبناء الجدار العازل... وكان هذا المضمون فحوى التقرير الذي أرسله المجلس التشريعي الفلسطيني الى القضاء مثلما أكد لنا ذلك مسؤول فلسطيني في القاهرة والذي اطلع «الشروق» على مضمون تفصيلي له... ويشير التقرير الى أن «عائدات أكثر من 5 ملايين دولار، دخلت «جيوب» 5 شركات فلسطينية، وتورط فيها اثنان من الوزراء الفلسطينيين في العملية» ومن ضمن الوثائق المرفقة في هذا التقرير خطاب موجه الى الرئيس ياسر عرفات لاطلاعه على ما سمي «فضيحة صفقة الإسمنت». بل ان واحدا من الاسمين اللذين أشار لهما التقرير يشغل موقعا بارزا في الاقتصاد الفلسطيني أو بالأحرى في الحكومة الفلسطينية. ويوضح التقرير ضمن التفاصيل من الفضيحة أن الوسطاء في بيع الاسمنت تربحوا بما قيمة مليون دولار لكل كيلومتر مربع علما بأن الجدار العنصري يمتد لأكثر من 700 كيلومتر. لجان مقاومة التطبيع سعت لجان مقاومة التطبيع مع اسرائيل والمعروفة بنشاطها المكثف في هذا الاتجاه الى الضغط على كل الأطراف لايقاف ما سمته بالنزيف لحساب اسرائيل، وقامت بشجب التعاون من بناء الجدار العنصري... بل انها قامت بمخاطبة الحكومة المصرية في وقت مبكر ومنذ بدأت رائحة هذه الصفقة تزكم الأنوف، والتي بدورها أوصت على الفور بوقف استمرار تنفيذ الصفقة... والقصة كما تحكيها اللجنة العامة لمقاومة التطبيع من واقع تقريرها في الموضوع.... أن رجل أعمال يحمل جوازا ألمانيا، من أصل يهودي، ويدعي زائييف بيلسنكي يمتلك 3 شركات مختلفة مقرها حيفا، قام بالتعاقد مع الشركة المصرية مصر بني سويف (وهي شركة قطاع عام وليست قطاعا خاصا لتوريد 120 ألف طن من الاسمنت... وقد أوقفت الحكومة هذه الصفقة عندما تفجرت القضية على الرأي العام المصري وعلم المسؤولون بتفاصيل وأهداف الصفقة. ولكن بيلسنكي ليس من النوع السهل... والتف على الموضوع لينفذه بطرق أخرى غير مباشرة دون أن يظهر هو أو شركته في الصورة، وقام بتنفيذ الصفقة من خلال وسطاء فلسطينيين وعبر الأراضي الفلسطينية، وقد لجأ الى وزير فلسطيني تمتلك عائلته أكبر شركتين للاسمنت في الأراضي الفلسطينية، وتم توقيع العقد بين الطرفين في القاهرة بتاريخ 30 سبتمبر العام الماضي، وينص العقد على شراء الطرف الإسرائيلي 20 ألف طن من الاسمنت من الشركة الفلسطينية. وبدوره قام المسؤول الفلسطيني بسلك الطريق الملتف لتنفيذ الصفقة فحصل على جميع الامضاءات اللازمة من الوزارات والمصالح الفلسطينية والتي من شأنها التأكيد للقاهرة وللشركة المصرية أن الاسمنت لن ينتهي به إلى اسرائيل، وكانت علامة الاسمنت ماركة «بورتلاند أنترناشيونال» وهو بالضبط النوع المستخدم في بناء الجدار العنصري. والحقيقة أن المسؤول الفلسطيني تربح من خلال هذه الصففقة بشكل مضاعف كما يقول تقرير اللجنة الخاص بمقاومة التطبيع، لأنه استفاد من اتفاقيات التعاون الموقعة بين مصر والسلطة الفلسطينية والتي تقضي بدعم أي منتوج مصري يباع الى فلسطين لاعادة اعمارها. لذلك فقد اشترى هذا المسؤول من خلال شركة «العائلة» الاسمنت بسعر مخفض طبقا لتلك الاتفاقيات الخاصة بتسجيل التعاون من أجل اعادة الاعمار، وبلغ سعر الطن 22 دولارا فقط (بينما يتم بيع نفس الطن من الاسمنت وبسعر ميسر أيضا للسودانيين في اطار اتفاقيات مشابهة ب26 دولارا)، وقد طلب الفلسطينيون الوسطاء نسبة %50 من الصفقة مقابل خدماتهم المتمثلة في نقل الاسمنت من الأراضي المصرية وعبر المنفذ وايصاله الى المكان المزعوم في غزة... يعني بحسبة بسيطة حصل هؤلاء على مبلغ قدره 6.15 مليون دولار، ثم انها معفاة من الضرائب والقمارق والرسوم... ويقول التقرير امعانا في تصوير الحقيقة المرة «ان الوسطاء لم ينكروا أن عليهم دفع 1.7 مليون دولار قمارق في خزائن رام الله!» «ديلا سيرا»... على الخط ولأن مثل هذه الفضيحة تلقي بظلالها على الموقف الفلسطيني والعربي ككل في الدول الغربية فقد التقطت هذه الفضيحة صحيفة «ديلا سيرا» الايطالية لتلقي بدورها المزيد من الشكوك حول مصداقية الموقف العربي من الجدار العازل وتساءلت في لهجة ساخرة : هل يأتي اسمنت الجدار العازل بأيدي الفلسطينيين؟! واتهمت الصحيفة المعروفة مسارا جير جوليت في تقريرها المنشور مؤخرا في كورييري ديلا سيرا رئيس الوزراء نفسه أبو علاء في المساهمة في بناء الجدار الفاصل. وأوردت من واقع التقرير النهائي للجنة المشكلة للتحقيق في الأمر من طرف المجلس التشريعي أن 430 ألف طن من الاسمنت (ماركة بورتلاند المصرية الأصل) تم تصديرها من الشركة المصرية (اسمنت بورتلاند) الى الأراضي المحتلة، منها 33 ألف فقط تم استخدامها في أغراض مدنية و الباقي تم بيعه الى الاسرائيليين. ولأنها فرصة للصحافة الأجنبية التي تبحث عنها لطرح كفة الجانب الفلسطيني في الميزان... فقد مضت تتساءل : هل أن الأمر يتعلق فقط بشراء اسمنت لبناء الجدار الفاصل؟.. وتجيب : لقد تم عقد صفقتين كبيريتين خلال شهري أكتوبر ونوفمبر العام قبل الماضي لتعويض النقص الذي كان موجودا في الاسمنت بالسوق الاسرائيلي. ويؤكد التقرير أن الرئيس عرفات وصله خطاب من مكتب المراقبة في الحكومة الفلسطينية ممضى من رئيسه جرار القدوة أعلمه فيه بأنه تم التوقيع على ترخيص باستيراد 20 ألف طن اسمنت من مصر وأن «الاخوة» المصريين أبدوا شكوكا حول تسرب الاسمنت الى اسرائيل... وأن عرفات كلف أبو علاء بعد ذلك للتحقيق في الموضوع. ويتابع التقرير أن الاسمنت المصري محل الصفقات يرسل الى اسرائيل من خلال معبر العوجة وهناك يتم شحنه الى الخط الأخضر... ليصل في النهاية باسم رجل أعمال اسرائيلي لبناء الجدار الفاصل في وقت كانت محكمة العدل الدولية بلاهي تتسلم الوثائق الخاصة بادانة الفلسطينيين للبناء الجدار العنصري على حد تعبير الصحيفة. وهكذا فإن القضية برمتها تتحول بسرعة الى موضوع مزايدة سياسية صريحة للتخفيف عن كاهل الاسرائيليين عبء النقد الدولي لممارساتهم العنصرية!