(1) تعود مسألة حرق القرآن مرة أخرى لتطفو على الواجهة الدولية ولتحرك الساحات والميادين في العالم الإسلامي، فمنذ الدعوات المتطرفة والمعادية للإسلام التي شهدتها الدانمرك وهولندا وغيرها, تحوّلت مسألة حرق القرآن إلى سيف ديموقليس المسلط على رقاب المسلمين وضمائرهم الإيمانية، ويبدوأن المعادين للإسلام من داخل المنظومة المسيحية قد تفطنوا بشكل ما إلى حجم الاستفزاز الكبير الذي يمكن أن يثيره فعل حرق القرآن في نفوس المسلمين كفعل تدنيسي بامتياز، وكاد القس الريفران الأمريكي تيري جونس Terry Jones الذي يقود كنيسة صغيرة أنجيلية بروتستانتية في إحدى مدن فلوريدا أن يحبس أنفاس المسلمين والمسيحيين حين قرّر حرق القرآن تشفيا وتعبيرا عن معاداته للإسلام المرتبط في ذهنه بالإرهاب وإحياء منه لذكرى أحداث الحادي عشر من سبتمبر, تلك الذكرى التي يجب أن تبقى متوهجة في أذهان وقلوب الأمريكيين كبرهان قوي وملموس على شيطنة الإسلام وفق التقليد الصليبي ووفق ذهنية التطرف اليهو- المسيحي،.. قلنا كاد هذا القس أن يحبس أنفاس المسلمين وهم يستعدون للاحتفال بعيد الفطر وحتى أنفاس الحكومة الأمريكية وهي تستعد للاحتفال بذكرى الحادي عشر من سبتمبر, حتى أنه نجح بشكل ما في حمل المتابعين لهذا الشأن على صفيح التشويق السّاخن. (2) لكن المسألة ليست مجرد تشويق وإثارة فرجوية يجد فيها كل من الطرفين المتطرفين متعتهما سواء من الجانب المسيحي أوالجانب الإسلامي إذا ما اعتبرنا أن المسألة محمولة على جناح الإثارة, وإذا ما اعتبرنا أيضا أن الإثارة باعثة على المتعة مهما كانت هذه المتعة سادية أو مازوشية، وخارج ردود الأفعال السريعة والعفوية والغريزية المتعلقة بمسألة المقدس, والتي عادة ما يستغلها المتدينون بشكل عام لإثارة الضجيج والصراخ والتنديد الغوغائي النابع من بنية عقلية دينية مغلقة مسلمة كانت أو مسيحية أو يهودية, فإنه من الواجب التأمل بصفة تفهّمية الدوافع الحقيقية للدّعوة إلى إحراق القرآن في السياق الأمريكي, ولعل من بين أهمّها أن التعامل مع هذه الحادثة كان دينيا صرفا , ذلك أننا نتناسى أن الولاياتالمتحدةالأمريكية هي بالأساس دولة دينية حتى النخاع أوهي كما يسمّيها ريجيس دوبريه Régis Debray الدولة الديمقراطية الدينية Théo- démocratie, أو «إسرائيل الجديدة» أو «دولة الأمة التي تحت الله» One Nation under God, ولا غرابة أن التدين يبلغ ذروته في الثقافة الأمريكية إلى حدود ما يمكن أن ننعته بالفيتيشية Le Fétichisme وهي صفة من صفات التعصب البدائي اللامتناهي , ثانيا , أن موقف باراك أوباما في تنديده بهذا الحدث لا يخلو من وازع ديني , لا لأن الدولة الكنفدرالية تحترم الإسلام والقرآن بل كان موقف التنديد والسعي إلى إيقاف حرق القرآن نابعا من الخوف من استتباعات هذا الفعل على الجنود الأمريكيين في أفغانستان والمتواجدة أصلا لمحاربة «التطرف والإرهاب الذي يمثله الإسلام نفسه» باعتبار أن القرآن في نظرهم «يحض على العنف والكراهية», وإذا كان حرق القرآن على يد القس لا يزهق الأرواح فإن الحرب على أفغانستان مجزرة طويلة الأمد باسم مبادئ الدولة التيو– ديمقراطية، ثالثا, ثمّة ما يشبه الاتفاق الضمني بين مؤسّسة الدّولة وبين المؤسّسة الدينية في العداء للإسلام لا يفرق بينهما غير تكتيك العداء للإسلام، وقد تماهت المؤسستان إلى حد الذوبان على مستوى العقيدة منذ الحادي عشر من سبتمبر 2001. (3) ولعلّ الجدل الغريب الحاصل في الولاياتالمتحدةالأمريكية حول بناء مركز إسلامي في منطقة «غراوند زيرو» Ground Zéro غير بعيد عن مكان برجي التجارة العالمية, قد قسّم الأمريكيين إلى شقين, منهم من يرى ضرورة تواجد هذا المركز الإسلامي درءا للتعصب الديني للمسلمين الأمريكيين وتعبيرا في نفس الوقت عن التسامح تجاه الإسلام, وشق آخر يرى في المعلم الإسلامي إثارة لمشاعر أهالي ضحايا برجي التجارة العالمية, وكلا الشقين لا يقبلان في سريرتهما هذا المشروع لأنه محمول بصفة لا واعية على جدل الصراع مع الإسلام, ولن يتورّع الشقان على تحويل المكان إلى حائط مبكى يقام في القلوب والأذهان مادامت ذكرى الحادي عشر من سبتمبر قد تحولت إلى عيد حداد وطني. (4) غير أن «فيتيشية القرآن» التي عبّر عنها الأمريكان في عدّة مناسبات في تعاملهم مع هذا النص الذي بين دفتين, سواء في الحلقات الإنجيلية الضيقة, أو في غياهب سجن غوانتانامو, أو آخرها تهديدات القس تيري جونس وما قام به بعضهم من تقطيع وتمزيق لصفحات القرآن أمام البيت الأبيض يوم السبت الماضي تنديدا ب «أكاذيب الإسلام», لا تكاد تختلف في ذات الوقت عن فيتيشية المسلمين أنفسهم تجاه القرآن والذين يتعاملون معه كغرض من الأغراض, ويكفي فقط أن نلقي نظرة على تاريخ المسلمين قديما وحديثا في كيفية التعامل مع القرآن كغرض سواء عرضه على أسنة الرماح أورميه بالسهام حتى تكتمل أوالتلويح به كحجّة في مظاهرات الجماعات الإسلامية في تيار الإسلام السياسي حتى تكتمل الصورة لبيوغرافيا هذا النص. (5) وبالعودة إلى التشويق الذي أثاره القس تيري جونس, فإن هذا الحدث حدث حرق القرآن سيتكرر مستقبلا حسب رأينا كجزء من شيطنة الإسلام وكجزء من تكفير «الأمة الأمريكية الرابضة تحت «عين الإله الكونفيديرالي» المراقب بعينه المرسومة في الدولار الأخضر الدّموي، ونعتقد أن هذه الأمّة الأمريكية في ظل دولتها التيو– ديموقراطية لا تزال منذ الحادي عشر من سبتمبر تعيش ما يسميه روني جيرار René Girard ب«الأزمة الذبائحية»،.. وفي رأينا أنه لوحرق القرآن لكان حضوره أشد, فحرقه تكريم وإشهار له وفق القاعدة المنطقية في تاريخ الحضارة الإنسانية أن حرق الكتب مقدسة كانت أودنيوية, دينية أوأدبية, إنما هي عملية تكون نتائجها عكسية, فتعود النصوص أكثر شهرة وتوهّجا.