لا أدري ما الذي ذكّرني هذه الأيّام، وأنا أتابع أخبار كرتنا الأرضيّة الصغيرة، ببيت أبي العلاء المعرّي: «هَذا كَلامٌ لَهُ خَبِيء، مَعناهُ لَيسَت لَنا عُقولُ.. ». وكيف لا يشكّ أحدنا في «معقوليّة» الكلام والقول وهو يصغي مثلاً إلى قول نتنياهو على عتبة «الحلقة» الجديدة من «مسلسل» المفاوضات: «إنّ اعتراف الفلسطينيين بإسرائيل دولة قوميّة لليهود وعدم اشتراطهم تجميد الاستيطان، شرطان من شروط تحقيق السلام المنشود في الشرق الأوسط»، وهما «الدليل المطلوب على حسن نواياهم.. »؟! طبعًا لم يسكت الفلسطينيّون على هذا القول الخطل! فردّ السيّد أبو مازن مؤكّدًا «أنّ عدم تمديد تجميد الاستيطان يعني عدم استمرار المفاوضات»، وأضاف السيّد صائب عريقات «إنّ طرح إسرائيل للدولة اليهودية هو طرح مرفوض وغير مقبول جملة وتفصيلا وهذه المسألة تجاوزناها عندما تمّ تبادل رسائل الاعتراف عام 1993..». قول بقول.. وعلى الرغم من ذلك كم أتمنّى أن يقنعني أحد فطاحلة السياسة بأنّ هذه الأقوال المتبادلة بين طرفي النزاع ليست أشبه باللكمات في لعبة «كاتش» لا في لعبة «ملاكمة».. فالنفس الأمّارة بتأويل القول ترجّح أنّنا أمام خطاب ذكوريّ يتظاهر بالأنوثة من جهة، وخطاب أنثويّ يتظاهر بالذكورة من الجهة الأخرى، ولكنّنا في النهاية أمام سيناريو معدّ مسبقًا، للعبة تمّ تحديد المنتصر والمنهزم فيها، وتُعرَض على الجمهور الراغب في تصديقها! طبعًا.. قد يكون هذا شطحًا في التأويل ووقوعًا في نظريّة المؤامرة! إلاّ أنّ لديه بعض ظروف التخفيف.. ففي خطاب الطرفين ما يشي بأنّ أحدهما ابتلع حجج الآخر وهضمها وأصبح يعيد إنتاجها! من ذلك ضعف التركيز على عنصريّة طرح الدولة اليهوديّة بشكل أكثر إقناعًا.. وغياب التلويح بعدم تجميد المقاومة وبالاعتراف بحدود 67 حدودًا لدولة قوميّة للفلسطينيّين، كشرطين على إسرائيل أن تثبت بهما حسن نواياها؟ في هذا السياق يحضرني سؤالان أساسيّان: السؤال الأوّل: لماذا يبدو الصوت العربيّ خافتًا في بيان تهافت طرح الدولة اليهوديّة، بالمقارنة مع أصوات أخرى من بينها أصوات يهوديّة إسرائيليّة؟ والسؤال الثاني: لماذا شاع استخدام عبارة «مستوطنات» عوضًا عن عبارة «مستعمرات» على لسان ضحايا هذا السرطان التوسّعي البشع؟ وهل أصبح «الضحيّة والجلاّد» على مذهب لغويّ أي فكريّ واحد، كي يسلّما سياسيًّا بنسبة الاستيطان إلى الوطن عوضًا عن نسبته إلى الاحتلال والاستعمار؟ لا يغني القول عن الفعل، لكنّ فعلاً بلا قول هو فعل غير مكتمل، أو غير مُنجزٍ تمامًا.. لذلك نلاحظ أن لا فرق بين اللغة والأرض، فكلاهما يحتاج إلى رعاية، وكلاهما يمرض، وكلاهما عرضة للتخريب والاحتلال، وكلاهما ساحةٌ للحرب: تُحتلّ اللغة تمهيدًا وتأبيدًا لاحتلال الأرض.. والمنتصر لا ينتصر حقًّا إلاّ إذا انتصر على لغة خصمه.. ولا علاقة لهذا طبعًا بالتلاقح الطبيعيّ بين اللغات التي تحفر مجراها عن طريق التثاقف وهضم الدخيل.. فالحديث هنا عن الاحتلال وليس عن الحوار.. وقد رأينا على امتداد التاريخ الكثير من تجليّات الحرب على الجبهة اللغويّة في تنسيق تامّ مع الجبهة العسكريّة.. يكفي أن ننظر إلى الصراع المزمن بين من يستخدم عبارة «الخليج العربيّ» ومن يستخدم عبارة «الخليج الفارسيّ».. وقبل ذلك بين من استخدم عبارة «الغزوات» ومن استخدم عبارة «الفتوحات».. ويكفي أن ننظر إلى الحملة الشعواء التي شنّتها الولايات المتّحدة الأمريكيّة في السنوات الأخيرة من أجل إحلال كلمة «ضحيّة» محلّ كلمة «شهيد»، وكلمة «إرهابيّين» أو في أفضل الأحوال كلمة «نشطاء» محلّ كلمتي «مقاومين» أو «مناضلين».. كما يكفي أن ننظر إلى حرص الإسرائيليّين على استخدام عبارة «يهودا والسامرة» عند حديثهم عن «الضفّة الغربيّة».. في برهنة على أنّ احتلال الأرض يظلّ في حاجة إلى احتلال اللغة، أي إلى احتلال العقل. فماذا يعني تهافُتُ القول في كلّ ما يتعلّق بالتصدّي اللغويّ على الأقلّ، لخطاب إسرائيل؟ وماذا يعني، مثلاً، انتشار عبارة «مستوطنات» عوضًا عن عبارة «مستعمرات»؟ هل هو «اختراقٌ لغويّ» لترسيخ التطبيع دون توفير شروطه؟ أم أنّنا أمام القول وقد أصابه ما يذكّرنا ببيت آخر للمعرّي: «إذا كَثُرَ الناسُ شاعَ الفَسادُ كَما فَسَدَ القَولُ لَمّا كَثُرْ.. »؟