سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.
الخبير الاقتصادي السوري الدكتور نبيل سكر ل«الشروق»: القنديل الثاني: تعميق الاندماج الاقتصادي العربي هو السبيل الرئيسي لمواجهة التكتلات الاقتصادية العالمية
تعيش مجتمعاتنا العربية حالة احباط بسبب أزمات متعددة وخاصة الاقتصادية، لكن لا بد من آفاق للخروج من الأزمة لنواكب التقدم التكنولوجي والاقتصادي، لا بد من صحوة ونهضة جديدة للعالم العربي واقعية مبنية على أساس النمو الاقتصادي والتنمية البشرية والارتقاء التكنولوجي وتعزيز المؤسسات والمجتمع المدني بفكر جديد وبمحتوى اقتصادي وديمقراطي على مستوى جميع الأطراف، مستوى المواطن ومستوى أصحاب القرار، للحوار حول هذه المواضيع، التقينا في دمشق بالدكتور نبيل سكر مدير المكتب الاستشاري للتنمية والاستثمار بدمشق. وهو يحمل شهادة الدكتوراi في الاقتصاد من جامعة لويزيانا في الولاياتالمتحدةالأمريكية، عمل في البنك الدولي بواشنطن بين عامي 1970- 1980 كمحلل اقتصادي لدول غربي افريقيا، ثم محلل مالي في مصارف التنمية , عمل كمستشار في مجال المصارف والاستثمار ما بين لندن والسعودية في الثمانينات، في عام 1986 بدأ عمله في مركز الشرق الأوسط للاستشارات, في عام 1991 أسس المكتب الاستشاري السوري للتنمية والاستثمار بدمشق الذي يختص بدراسة السياسات الاقتصادية السورية والمنطقة العربية. ٭ هل يوجد اقتصاد عربي؟ وهل له مكانته في الميزان الاقتصادي العالمي؟ طبعاً يوجد اقتصاد عربي، هناك تبادل بيني وان كان دون المستوى المرتجى، توجد استثمارات بينية مشتركة في القطاعين العام والخاص، كما ما زال مشروع اقامة منطقة تجارة عربية حرة قائماً، وفي اعتقادي أنه من الضروري تعميق الاندماج الاقتصادي العربي لأنه السبيل الرئيسي لقدرة العرب على مواجهة التكتلات الاقتصادية العالمية وعلى البقاء في زمن العولمة. وللاقتصاد العربي مكانة وميزان، رغم أن الولاياتالأمريكية تحاول خلق عدم توازن في المنطقة، وتعمل باصرار على ترجيح كفة القوة الاسرائيلية العسكرية والاقتصادية في المنطقة، وهذا يشكل تحدياً كبيراً بالنسبة إلى العرب، لأنه اذا ما استمر حال عدم التوازن، ستقع كل المنطقة ضمن الهيمنة الأمريكية الاسرائيلية. ٭ للعرب موارد طبيعية وأهمها النفط الذي يمكن أن يكون عامل قوة؟ يمكن أن يكون النفط عامل قوة في يد العرب، لكنه أصبح عامل ضعف، والسبب هو الارتباط الاقتصادي الوثيق بين عامل النفط العربي والولاياتالمتحدة، والطريق الأساسي لمواجهة هذه الهيمنة هو تعزيز التضامن العربي كحد أدنى واعادة احياء المشروع العربي من جديد على مستوى اقتصادي قوي، وليس على مستوى سياسي. ٭ هل يمكن استعمال النفط كسلاح للخروج من الأزمة التي يعانيها الشرق الأوسط؟ للأسف لم يعد النفط سلاحاً في الوقت الحاضر، لوجود مخزون كبير من النفط لدى الدول الصناعية، ووجود مصادر نفطية جديدة غير عربية. واستعمال النفط كسلاح اليوم سيضر الدول النامية أكثر مما يضر الدول الصناعية. ٭ ما هي آفاق اتفاقيات أوروبا والمتوسط، وهل لها تأثير على الشراكة العربية؟ الشراكة الأوروبية المتوسطية هي شراكة ثقافية وسياسية واقتصادية، وستستفيد الأمة العربية من هذه الشراكة فقط اذا وجدت شراكة عربية وثيقة، بحيث تشكل الشراكة الأوروبية المتوسطية دعماً أو رافداً للشراكة العربية العربية وليس بديلاً عنها، يجب أن تتحول هذه الشراكة إلى شراكة أوروبية عربية حتى لا يكون واحد ضمنها والآخر خارجها كما هو مقترح من طرف أوروبا حالياً، والعرب بحاجة لحليف دولي قوي مقابل الشراكة الاسرائيلية الأمريكية. ٭ ما هي المجالات المفتوحة للعرب نتيجة الشراكة الأوروبية المتوسطية؟ الشراكة الأوروبية المتوسطية يمكن أن تفتح المجال للسلع العربية، لكن لن يكون لذلك فائدة كبيرة لسببين رئيسيين: الأول: أن السلع الأوروبية ستنافس سلعاً قادمة من أوروبا الوسطى، وهي بمستوى وتكلفة انتاجاتنا العربية، لكن الأوروبيين الوسطويين يتمتعون بالقرب الجغرافي من أوروبا وبالتالي بوضع تنافسي افضل، كما تتنافس سلعنا مع السلع القادمة من آسيا التي هي اقل تكلفة، وتستطيع بذلك تجاوز الرسم الجمركي، ستكون قدرتنا على استيعاب كل السلع الأوروبية ضعيفة، لكن الفائدة الأهم التي يمكن أن نجنيها من الشراكة الأوروبية هو التدفق الاستثماري الأوروبي للمتوسط، والتحالف الأوروبي العربي، دون أن ننسى أنه ضمن اتفاقية الشراكة هناك برامج لاعادة التأهيل وامكانيات لتمويل التكوين من أجل انتاج عصري لمجابهة المنافسة من حيث الجودة حسب المواصفات العالمية. ٭ العالم يمر بأزمة اقتصادية جاءت نتيجة للازمة المالية العالمية، ما هي أسباب هذه الأزمة؟ أهم الأسباب كانت السياسة المالية المرنة التي اعتمدتها الولاياتالمتحدةالأمريكية لفترة حوالي خمس إلى عشر سنوات وانخفاض معدلات الفائدة, السبب الثاني كان ضعف الرقابة المصرفية, بالاضافة إلى نوع من النشوة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي والمنظومة الشيوعية، فكان الشعور بأن هذا النظام الرأسمالي لا يقهر وأنه سيصلح نفسه بنفسه مما أدى إلى عدم تشديد الرقابة, وكانت المؤسسات المالية في نيويورك تتساهل في منح القروض دون مراجعة جيدة, لأن رؤساء المؤسسات يتقاضون حوافز ومكافآت في آخر السنة، حيث كانوا كلما زادت القروض تكون حوافزهم أكبر، أيضا الضعف في تصنيف المؤسسات المالية على أنها خالية من الأخطاء ولا يوجد فيها خلل، كذلك تحرير أسواق المال الذي تم خلال العشرين سنة الماضية، وانتقال رؤوس الأموال في الأسواق العالمية، وما يسمى بالعولمة المالية. ٭ كيف انتقلت هذه الأزمة من أزمة مالية محلية إلى أزمة مالية عالمية ولماذا كانت بهذه الحدة؟ العولمة المالية والعولمة الاقتصادية هي السبب الرئيسي فيها, حيث أن من حوالي 20 سنة بدأت دول العالم تزيل القيود على حركة رؤوس الأموال الخاصة فيما بينها , فأصبحت الأموال تنتقل بسهولة من بلاد إلى أخرى، وبدأت المؤسسات المالية والأفراد وصناديق التقاعد وصناديق التأمين وغيرها تستثمر خارج حدود بلادها، فصار عندنا ما يسمى بالعولمة المالية، وأصبحت الأموال تنتقل بسرعة بين الدول , وإلى أسواق الأسهم في مختلف دول العالم.. ٭ ماذا تعني العولمة الاقتصادية؟ العولمة الاقتصادية تعني تحرير التجارة بين الدول، أصبحت دول العالم مرتبطة ببعضها البعض , مثلا عندما لم تعد الولاياتالمتحدة قادرة على الاستيراد من الصين تأثرت الصين بفقدان الطلب من الدول الغربية وعلى رأسها الولاياتالمتحدة، اذاً الأزمة وصلت إلى الصين وهي التي اعتمدت بشكل كبير على التصدير، هذا الترابط بين العالمين سواءً بسبب تدفق رؤوس الأموال الخاصة أو من ناحية التجارة العالمية، جعل هذه الأزمة عميقة على الشكل الذي رأيناه. ٭ ماهي الخطط التي تمت لانقاذ الاقتصاد وتصحيح النظام الاقتصادي والمالي العالمي؟ تم تأمين بعض المصارف و شراء بعض الديون المتعثرة في هذه المصارف من قبل الحكومات,أدخلت بعض الدول نظام تأمين الودائع في المصارف , وكان هناك خطط لانعاش الاقتصاد فقد تم تخفيض معدلات الفوائد حتى تستمر بعض البنوك في الاقراض، وزاد الانفاق العام حتى نخرج من الركود الاقتصادي،هناك اجراءات تتخذ لانقاذ المؤسسات من الافلاس، وخطط للتقليل من عمق الركود الاقتصادي، منها أن بعض المصارف تأممت، وهناك مجموعة من البنوك أقامت صناديق لحماية بعضها البعض من الافلاس. وهناك بعض المؤسسات المالية الأمريكية تحوّلت إلى مؤسسات تجارية حتى تقبل الودائع وتصبح لديها سيولة، أما بالنسبة إلى خطط انعاش الاقتصاد فهو لتخفيف الأثر على الاقتصاد الحقيقي وليس على الاقتصاد المالي،صار هناك زيادة بالانفاق العام وخفض لمعدلات الفوائد. كما أن الدول الغنية والدول ذات الغنى الجديد (تركيا السعودية البرازيل) اجتمعت في واشنطن لتنسيق السياسات بالنسبة إلى أسعار الفائدة ووضع الرقابة على المشتقات، ووضع قيود على تدفقات رأس المال، هناك سياسات لانقاذ رأس المال على المستوى المحلي وخطط على المستوى الدولي. ومع ذلك لم يُسيطَر على الأزمة وهي لم تنته بعد. وعلى العموم الصورة ماتزال غير واضحة. ٭ هل كانت الأزمة متوقعة من طرف المختصين؟ ولماذا لم يستطع أحد الوقوف في وجه الأزمة قبل تفاقمها؟ كان هناك جشع من مديري المؤسسات بسبب المنافسة والرغبة بتحسين الأعمال، ومن جهة أخرى فان المشتقات المالية الجديدة التي ابتكرت خلال الخمس والعشرين سنة الماضية، لم تكن خاضعة لأية رقابة من السلطات النقدية، وهناك من اعتقد أن السوق يمكن أن يصحح نفسه بنفسه، والسبب الآخر هو دور العولمة المالية، بمعنى أن هناك تدفقا هائلا لرؤوس الأموال الخاصة بين الدول، بسبب تحرير الأسواق المالية، التي فتحت أبوابها وحررت اقتصادياتها وسمحت بدخول وخروج العملات الخاصة إليها. فصار هناك ما يسمى «بالأموال الساخنة» هذه الأموال تنتقل من سوق إلى أخرى، ومن بنك إلى بنك، ومن مؤسسة إلى مؤسسة، ومن بلد إلى بلد. ٭ هل ما زال هناك توقعات سلبية للأزمة؟ أسوأ السيناريوهات تقول اننا سنكون أمام بطالة مرتفعة جداً، وانخفاضات كبيرة في الانتاج، سينجم عنه تسريحات للعمال بأعداد كبيرة، وبالتالي يمكن أن يكون هناك خطر كبير قادم، الطبقة الوسطى عندما تشعر أنها لن تستطيع الوصول إلى ما تريده من الممكن أن تلجأ إلى العنف أو الثورة. أما السيناريو الثاني فان هذه الاجراءات التي تمت حتى الآن من الممكن أن تعطي مفعولها بنهاية المطاف، ويصلح النظام الرأسمالي نفسه، وتعود الاقتصاديات العالمية للانتعاش، ويعود النظام الرأسمالي أقوى مما كان عليه لأنه سيستفيد من التجارب التي مرّ بها. ٭ ألا يخضع البنك الدولي لاعتبارات سياسية؟ يخضع البنك لاعتبارات سياسية في بعض الأحيان، فللولايات المتحدة نفوذ على قرارات البنك، ولكن ليس في المطلق، الولاياتالمتحدة لها نسبة 18 في المائة من رأس مال البنك، وبالتالي لها قوة صوتية وقوة نفوذ على الآخرين في مجلس الادارة. ٭ هل لمساعدات البنك الدولي شروط؟ هل يراعي الخصوصيات الاجتماعية للبلد؟ طبعاً للبنك شروط عندما يقدم التمويل تكون أحياناً فنية بحتة، وأحياناً للسياسة الاقتصادية للبلد معنى، مثلاً سوريا ترفض أي تدخل للبنك الدولي في سياستها الاقتصادية، ولم تأخذ أي تمويل منذ سنة 1986. ٭ دكتور نبيل، الاقتصاد واقع بعيد عن الأحلام، لكن هل هناك حلم اقتصادي؟ ولِمَ لا؟ خلق سوق كونية واحدة.