ككلّ ثورة لا بدّ أن يشهد المجتمع بعض الاضطرابات والاحتجاجات والبعض ممّا قد يُنعتُ بأنّه «فوضى»، ما تشهدهُ أنهج وساحات العاصمة وغيرها من المدن من مظاهر للانتصاب الفوضوي واحتلال بعض الأراضي أو أملاك الدولة أو افتكاك وتخريب بعض ممتلكات الخواص أو المجموعة الوطنيّة لا يُمكن أن يخرج عن دائرة مخلّفات «الثورة» واستتباعاتها. من حقّ هؤلاء أن يتكلّموا وأن يُعبّروا بطريقتهم عن مشاغلهم ومشاكلهم، من حقّهم أن يلفتوا إليهم الأنظار وأن يغتنموا مناخ الثورة للحصول على البعض من حقوقهم وهي حقوق بسيطة للغاية لا تتعدّى أبسط ظروف الحياة البشريّة الكريمة والهانئة. من الطبيعي أن يُلام وأن يُنتقد موظفون وعملة مرسّمون على الاحتجاج والاعتصام خلال هذه المرحلة من عمر البلاد بما فيها من دقّة وعلى الرغم من شرعيّة ما يرفعونه من مطالب مهنيّة ومعيشيّة، بل قد يُعتبر سلوك أمثال هؤلاء انتهازيّة وغوغائيّة وتصفية للحسابات والتلكّؤ عن خدمة أهداف الثورة وغايتها النبيلة في مجتمع عادل حر لا ظلم فيه ولا فساد. لكن، من نظر إلى العدد الأكبر من المنتفضين هذه الأيّام في عدد من الأنهج والساحات على أنّهم «فوضويّون» ومستهترون بالأمن أو النظام أو مظهر التمدّن، فقد يكون جانب الصواب بل وقد أخطأ في التقدير. تحدّث الجميع قبل 14 جانفي وبعدها، عن الظلم والقهر السياسيين عن انعدام حريّة التعبير والتنظّم، عن مظاهر الفساد المالي والإداري، وعن غيرها من الملفات والقضايا، وتحّدثنا حتّى عن المستقبل وآفاق الإصلاح والمواعيد الانتخابيّة المقبلة وتلقت البلاد تطمينات من المجتمع الدولي عن دعم غير مشروط وعن مُساندة لانجاح المسيرة نحو وأد إرث الماضي، ولكن لم يستمع أحد لفئة واسعة من المجتمع، وهي منغرسة في كلّ المجتمعات وفي كلّ الدول حتّى المتقدّمة منها، إنّها فئة المهمّشين الّذين يحيون بقدرة قادر على فتات قد يأتيهم يوما وينحبسُ عنهم أسابيع طويلة، هؤلاء الّذين حرموا من أبسط حقوق الحياة لم يعرفوا مقاعد الدراسة لم يقرأوا كتابا لم يشعروا يوما بأنّهم مُنتمون لهذا المجتمع أو ذاك، انحدرت بهم ظروف الحياة الصعبة إلى الهامش إلى قاع الدنيا يلتحفون السماء ويفترشون الأرصفة وساحات الحدائق ودهاليز المباني وسطوحها وأركان المدن، لا مطمح لهم غير سدّ الرمق وتوفير قوت يومهم ولعيالهم لمن أسعفُ الحظ ووجد من تُقاسمه عذابات الدّهر وقسواته. حتّى عملة النظافة، هم من قطاع المهمّشين في بلادنا، بقوا لعقود طويلة يخدمون الوطن بحماسهم فجرا ومساء وفي ليالي الشتاء الباردة، يجوبون الأنهج والطرقات يجمّعون الفضلات والزبالة، يقتطعون في كلّ يوم جزءا من أرواحهم وأنفاسهم وابدانهم لفائدة جماليّة الأنهج والشوارع ويسعون بكلّ طاقاتهم، حتّى تلك الّتي هزّها الارهاق وعلقت بها صنوف متعدّدة من الأدران والأمراض حتّى نتنشّق نحن الهواء العليل وننعم ببيئة سليمة ونقية من الأوساخ ومختلف مظاهر التلوّث. تونس الخضراء، لم ولن تكون أكداسا للفضلات والزبالة، كما أنّها لن تكون بلاد الفوضى والتعدّي على النظام العام والأمن وراحة الآخرين، لكن أولئك المهمشين طرقهم في التعبير عن أوضاعهم بالطريقة التي يشاؤون والتي يرتاحون إليها بحسب ما لهم من خيال وطاقات . من العيب أن يُدان أمثال هؤلاء وأن تسعى بعض الأطراف إلى التشويش على تحركاتهم وهضم حقّهم في التعبير، هم ليسوا من عليّة القوم، وليسوا من النخب ولا السياسيين ولا المثقفين ولا المتعلمين، هم شيء آخر غير هؤلاء جميعا، ليس لهم لا هياكل تمثيليّة ولا نقابات ولا من يُدافع عن حقّهم في أبسط ظروف الحياة الإنسانيّة الكريمة، وأصابع الإدانة لهم قد تزيد من تهميشهم ونقمتهم وتُضاعف ما فيهم من مشاعر النسيان والتجاهل والغبن المادي والاجتماعي. لنستمع إلى هؤلاء، لنقترب منهم، لنحضنهم إلينا لنمحي ما بهم من وساوس وخلجات للضعف والوهن واحتقار النفس وغياب للعزيمة وانجرار للهزيمة وربّما حتّى الجريمة. وهي مسؤوليّة كلّ الأطراف من حكومة وأحزاب ومنظمات وجمعيات وهيئات تنمويّة ومدنيّة، إنّهم جزء من هذا الوطن ومن حقّهم المشروع التعبير عن حياتهم قبل حتّى الحق في نيل الظروف الّتي يترجونها من وطنهم.