تونس الشروق كان واضحا قبيل الحرب على العراق أن الولاياتالمتحدةالأمريكية اتخذت قرارها الحاسم بمحاربة العراق والاطاحة بنظامه كمرحلة أولى ثم البقاء عسكريا في العراق كمرحلة ثانية. والأوضح من هذا وذاك هو أن الولاياتالمتحدةالأمريكية كانت تتصرف بعصبية وبلا هدوء ولا ضوابط وهي تقترب من ساعة الصفر التي حددتها أي 20 مارس 2003 لقد أثبتت الإدارة الأمريكية أنها لم تكن بحاجة الى تأني أو اعمال العقل في ما يخص التقارير المتواترة من هنا وهناك حول أسلحة الدمار الشامل العراقية المفترضة في الأول والتي تبين أنها مفتعلة في الآخر. كان واضحا أن ادارة بوش استغلت في تخطيطها لضرب العراق سواء كان بحوزة بغداد أسلحة محظورة أم لا، الوضع الدولي الذي بوأها الصدارة والزعامة بعد انهيار نظام الثنائية القطبية ولما كانت الأممالمتحدة نتاجا لنظام ما بعد الحرب العالمية الثانية المرتكز على الثنائية القطبية، فقد كان يسيرا على الولاياتالمتحدة أن «تتجاوز» المنتظم الأممي وكان أيسر منه «تجاوزها» (واشنطن) لاتفاقيات جينيف الأربع والقانون الدولي الإنساني برمته.... عديد التقارير الصادرة عن مؤسسات مختصة في المجال الاستراتيجي مثل مؤسسة «راند» الأمريكية وعن الاستخبارات الأمريكية وعن «معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى» تحدثت جميعها عن العراق كهدف استراتيجي للولايات المتحدةالأمريكية يكون منطلقا لأهداف أخرى استراتيجيا أبعد وأشمل من العراق... بل وأدق منه وأكثر دواما لسياسة واشنطن تجاه العالم برمته... وبالاطلاع على تقارير صادرة عن المؤسسات البحثية المذكورة نتفطن دون مواربة الى أن خطة واشنطن في العراق ليست وليدة الحادي عشر من سبتمبر ولا هي نشأت مع حرب 91 على العراق وليست بالتالي سياسة معزولة عن الحرب العراقية الإيرانية التي كان فيها لاستراتيجية واشنطن باع ونظر... لقد كشفت مجازر الحصار على العراق وكذلك عدد القتلى والشهداء العراقيين قبل وبعد حرب الخليج الثانية أن المبرر لا يستقيم مع النتائج... فقد أخضع الشعب العراقي إلى سياسة أممية فريدة تصل حد الجريمة المنظمة قصد ابادة شعب بأسره وممارسة نظام الانتقام الجماعي تجاه بلد حاول أن يقف ويقول لا لكل المشاريع التي صيغت ولا تزال في المنطقة... والحقيقة أن لاءات العراق كما لاءات عديد الدول العربية التي رفضت في مفاصل تاريخية مقايضة الكرامة بالرغيف لم تكن سوى ناقوس خطر لما يتربص بالأمة جمعاء، فاسرائيل بدأت تفقد دور الحامي لمصالح الأمبرالية الليبرالية في المنطقة بمجرد أفول القطب الشيوعي، وبالتالي فإن ربط قضية فلسطين بتداعيات أمنية يكون ظاهرها حربا وكرها على الولاياتالمتحدةالأمريكية وباطنها تدعيم لمكانة اسرائيل هو الخيط الذي يوصل ما يحدث الآن بما حدث بالأمس القريب أي نحو عشريتين خلت. «لا يوجد هناك أي تبرير للموت وسوء التغذية التي سببها الحظر (على العراق)، نحن في طريقنا لتدمير مجتمع بأكمله والوضع بهذه البساطة والبشاعة» هذا ما نطق به دينيس هاليداي مساعد الأمين العام للأمم المتحدة السابق، والذي استقال من منصبه وهو يشهر بهذه الجريمة ضد الانسانية التي أقحمت فيها واشنطن هيئة الأممالمتحدة عنوة ودون استشارة أحد... هكذا كان الوضع يتهيأ للسياسة الأمريكيةالجديدة التي بدأت مرحلتها الثانية والحاسمة يوم 20 مارس 2003 . لكن ماذا قالت تقارير الدوائر المختصة من «راند» الى «معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى» مراكز الاستخبارات الأمريكية التي لا تعتلي تقاريرها كشفا عن اسم أوجهه؟ مؤسسة «راند» الأمريكية مشهورة وصيتها يتمثل في كونها من المؤسسات الأمريكية التي تتقدم بدراسات وأفكار دورية لوزارة الدفاع (البنتاغون) من ذلك أن هذه المؤسسة البحثية تقدمت سنة 1993 ولما كان العراق في أوج مرحلة الحصار بتقرير يحمل عنوان : «العراق في العقد القادم : هل سيبقى العراق لغاية عام 2002؟». لقد كان العنوان محفوفا بالخطر بل إنه عنوان يدل على تساؤل خطير ومزعج في آن واحد. إذ يجدر بأي متابع أن يسأل قبل كل شيء : وما الداعي للسؤال عن بقاء العراق من عدمه. وهل بلغ الاستهداف الأمريكي للعراق حد نفيه من الوجود؟ كيف يتم ذلك والعراق ليس أفغانستان ولا هو دولة هامشية أو ثانوية؟ لكن ما قدمته مؤسسة «راند» في الاجابة عن العنوان الذي وضعته يدلل أن الاستراتيجية الأمريكية هي استراتيجية مخيفة وتستحق العناية والمتابعة. يرى التقرير المشار الى عنوانه آنفا أن السياسة الأمريكية تجاه العراق» تنطوي على مسائل تتجاوز مصير دولة لحقت بها الهزيمة» كما يعتبر التقرير أن العراق هو أحد البلدان التي تنتهك الحظر على انتشار أسلحة الدمار الشامل لكن التقرير ينبه بل ويؤكد على أن يكون العراق في المنظور والمخطط الأمريكيين هو أول دولة «يتم تدمير مرافقها العامة وترويضها بعد الحرب الباردة» على أن تكون العملية سابقة قابلة لأن تعمم على دول أخرى. التقرير وعندما يدخل باب النصح، وماذا يجب على الادارة الأمريكية أن تفعله، وما يمكن أن تكون عليه السياسة الأمريكية في المنطقة برمتها فإنه يشير الى ضرورة : «استخدام كل الأساليب لابقاء العراق بدون قرار سيادي حيث أن المطلوب هو العمل على شل العراق فلا ينهض ولا يسقط تماما». «الحفاظ على علاقات متوترة بينه وبين جيرانه واثارة القلاقل الداخلية لابقاء علاقات متوترة داخليا». والحقيقة، لا يعد كلام التقرير سحرا ولا هو مسقط وليس كذلك محل ندم أو تراجع من العرب تجاه نظرة اعتمدها تجاه العراق فيها الكثير من التضليل الأمريكي، بل إن التقرير دقيق ويحتوي على عناصر وأهداف محددة طبقتها واشنطن حرفيا... ولكن بايادي عربية، وذلك طوال فترة التسعينات كاملة، أي قبيل الحرب الثانية على العراق في 2003 . اذن لمدة عشر سنوات ظل العراق رهن «الأساليب» الكثيرة التي أشار اليها التقرير ليبقى بلا قرار سيادي، ولعل أهم مؤشر على ذلك السطو الامريكي البريطاني على جزء من أرض العراق يمارسان تجاهها حظرا جويا في مستوى خطي العرض شمالا وجنوبا بلا قرار أممي وبقرار سيادي عراقي منزوع من أصحابه وأما علاقاته المتوترة مع جيرانه فالجميع يتذكر كم كان محزنا تراجع قمم عربية وخليجية عن دعوات صحوة لمصالحة العراق وعودته الى الحضن العربي الرسمي بيد أن المحاولات جميعها كانت تواجه بصد أمريكي عنيف، ولعل ندائي الرئيس الاماراتي وولي العهد السعودي في منتصف التسعينات لعودة العراق والمصالحة العربية أهم ما يمكن تذكره حين نصل إلى البند الذي يؤكد على ضرورة ابقاء علاقات العراق متوترة مع جيرانه، حتى تستمر سياسة أمريكا... وتستمر الاستراتيجية... والى حلقة الغد حيث فيها كشف لمؤسستين أخريين نصحتا واشنطن بما يدمر العراق.