ستبقى أحداث سبتمبر عنصرا فارقا سواء من الناحية التاريخية او السياسية حيث فرضت نفسها على العالم كله سواء داخل أمريكا التي شهدت تلك الاحداث او دول العالم ولماذا لا وقد تغيرت بعدها خريطة السياسة الدولية تماما وظهر معها مصطلح سياسي ولغوي جديد هو قبل أو بعد سبتمبر او بمعنى أصح «/» وبسببها ظهر مؤخرا التقرير الأمريكي الخاص بهذه الأحداث الذي حاول الاجابة عن أسرار هذا اليوم والمسؤولين عنه وكان أحد الاسئلة التي حاول الاجابة عليها سؤال رئيسي هو : «لماذا يكرهوننا؟». وفي هذه السطور نحاول رصد أحداث / سواء على مستوى العالم العربي او العالم بأسره، كما نحاول كذلك الاجابة عن السؤال الذي طرحه تقرير / حول الكراهية وأسبابها خاصة مع استطلاعات الرأي التي أكدت ان هذا التقرير يعد أهم كتاب صدر في عام . ونبدأ من السؤال الاخير الذي يعد العنصر الجوهري في كل ما تشهده منطقتنا سواء قبل او بعد /، وهو ما كان محل العديد من الدراسات والكتب ومنها كتاب «لماذا يكره الناس أمريكا؟» للكاتبين زياد الدين سردار وميريل وين دافيس وهو السؤال الذي كان منطقيا يتعارض مع التعاطف الذي حظت به أمريكا في أعقاب أحداث سبتمبر وهو ما تحول الى النقيض تماما خلال الفترة التي تلت هذه الاحداث سواء قبل الحرب ضد العراق او بعد احتلاله نتيجة السلوك الامريكي في المنطقة والعالم حيث أدت تلك الاحداث الى هيمنة أمريكية مطلقة واستخدام مفرط للقوة بناء على حق اجهاض الارهاب وتوجيه ضربات له عندما ترى ان هناك خطرا على أمنها دون النظر الى أمن ومصالح الآخرين، وزاد من عمق الكراهية تلك الاكاذيب التي تم فضحها بشأن الحرب ضد العراق وتفجر فضائح التعذيب في سجن أبو غريب. وما تمثله من فضيحة أخلاقية للسياسة الامريكية. وشهدت القاهرة كما شهدت الدول العربية كلها عنايون ضخمة وسلوكيات تؤكد عمق هذه الكراهية للسياسات الأمريكية وكان أبرزها عرض الفيلم الوثائقي / للمخرج الأمريكي توماس مور الذي كان غريبا أن تجد الاقبال على فيلم وثائقي مثله بالطوابير او ان تسمع الضحكات في صالة العرض من المشاهدين على سلوكيات بوش وردود أفعاله عند نشوب هذه الاحداث. وتتعدد ملامح هذه الكراهية سواء من فيلم يوسف شاهين الاخير «اسكندرية نيويورك» الى أغاني شعبان عبد الرحيم المتوالية التي بدأها بأغنية «أنا باكره اسرائيل» وحتى «اصحوا يا زعماء العرب» التي يصرخ فيها احتجاجا على أمريكا التي جعلت من دنيانا غابة، كما ظهرت مسرحيات متعددة تلعب على هذه الأوتار وتعكس المشاعر العدائية للسياسة الأمريكية في أعقاب أحداث ال من سبتمبر وكان من أبرزها وأنضجها مسرحية «اللعب في الدماغ» التي تنتهي بصيحة الجنرال تومي فرانكس : أنا أكره العرب ثم يتلقى بعدها طلقة رصاص في رأسه. أما أبرز تعليق على هذا الواقع فيقدمه المفكر الكبير الدكتور أحمد كمال أبو المجد الذي يقول : «يستحق الرئيس بوش ان يدخل موسوعة جينس للأرقام القياسية وذلك عن قدرته على تغيير مشاعر وآراء الناس نحو أمريكا في أقصر وقت ممكن»، ويضيف : «كان أغلب الناس يقولون نحن نحب أمريكا لأنها مجتمع مفتوح، أما الآن فقد وصلت المشاعر نحوها الى الحضيض. لقد كانت هذه الكراهية بمثابة النتائج التي ترسبت داخل الرأي العام العالمي والعربي عن فترة ما بعد سبتمبر، ويبقى السؤال الموضوعي هو : وما هي تلك النتائج التي شهدها العالم، وبالاخص العالم العربي، وكيف كانت بمثابة علامة او فاصلة تاريخية تقاس بها الاحداث او كما يرصدها عدد من مفكري العلوم السياسية بأنها كانت اللحظة التي سلم فيها الرئيس الأمريكي جورج بوش نفسه الى مجموعة المحافظين ليبدأوا في تنفيذ خططهم الجاهزة سواء بالنسبة للهيمنة الأمريكية على العالم او تنفيذ البرامج الجاهزة في العراق وأفغانستان وسوريا، وهو ما تمتد تفاصيله حاليا الى السودان. التحولات الجذرية ويرصد الدكتور أحمد ابراهيم محمود بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية قضية مهمة وجوهرية أسفرت عنها أحداث سبتمبر وهي التحولات الجذرية في السياسة الخارجية الأمريكية، وهو ما تمثل في اعادة تكييف التفاعلات الجارية على الساحة الدولية تحت عنوان رئيسي هو الحرب ضد الارهاب، وكان من أهم مظاهر ذلك الحرب على أفغانستان ثم الحرب على العراق التي شكلت بدورها تطورا مهما في العلاقات الدولية من خلال قيام ادارة بوش بإرساء مبادئ جديدة منها الحق في التدخل العسكري متى وأين شاءت وفق منهج العمل الوقائي للتصدي لأي نوع من التهديدات، كما ظهر كذلك مبدأ السياسات المنفردة للولايات المتحدةالأمريكية والتغيير في التعامل مع قضايا التسلح النووي باعتبار ان هذا التسلح لم يعد التعامل معه يتم على أساس «الردع النووي» ولكن على أساس ان امكانيات استخدامه مفتوحة وقائمة وهو ما تطور الى أن أصبحت واشنطن في منطقة الشرق الاوسط طرفا ولاعبا اقليميا فاعلا وليست عاملا دوليا مؤثرا في العلاقات داخل المنطقة. ويرى الدكتور أحمد ابراهيم محمود ان تداعيات هذه الاحداث أفضت في النهاية الى ان الساحة الدولية شهدت العديد من المتغيرات التي تركت آثارا مهمة على العالم العربي وأعاقت العمل العربي المشترك وأسفرت عن تدويل أمن الخليج العربي واستهداف العراق والمشروع الشرق أوسطي وما يقوم عليه من تحويل المنطقة الى منظومة استراتيجية واحدة و انهاء جميع الصراعات الاقليمية كمقدمة لادماج اسرائيل في ذلك المشروع بالاضافة الى تطور منهم وهو انهيار عملية التسوية السلمية وتحول مفهوم الهيمنة الاقليمية الاسرائيلية الذي يتفق مع التوجهات الأمريكيةالجديدة لإعادة رسم خريطة المنطقة على أساس الجوار الجغرافي الذي قد لا تتفق مصالحه بالضرورة مع المصالح القومية الوطنية العربية. المؤامرة الجديدة أما المحلل السياسي عاطف الغمري فيرصد المتغيرات التي شهدتها المنطقة من خلال ظهور مصطلحات سياسية جديدة خلال العامين الماضيين وساعدت أحداث سبتمبر الى حد كبير في بروزها الى السطح، ومنها الدولة هائلة القوة بديلا عن مصطلح القوة العظمى والدولة الفاشلة التي جاء مصطلح الدولة المارقة بديلا عنه، وأخيرامشروع الشرق الاوسط الكبير الذي يأتي بعد اختيار العالم العربي على مدى السنوات العشر القادمة كميدان لتنفيذ ذلك المشروع وذلك بعد ظهور استراتيجية الحرب ضد الارهاب كأبرز نتائج أحداث سبتمبر، ويشمل ذلك اعادة رسم الخريطة الاقليمية للشرق الاوسط واعادة تشكيل الوزن النسبي لدول المنطقة وذلك وفقا للعبة المحاور. آفاق مستقبلية ويتجاوز المفكر السياسي السيد ياسين أحداث سبتمبر وما نجم عنها من متغيرات على أرض الواقع الى المستقبل الذي يجري العمل على صناعته من منطلق هذه المتغيرات، ويشير في ذلك الاطار الى تقرير حديث أصدرته حركة بحوث الصراع البريطاني تحت عنوان : «الصراع في عالم متغير : النظر الى العشرين عاما القادمة» وانتهى الى ان العالم سيبقى متعدد الاقطاب على الرغم من النزعة الامريكية التي تهدف الى ان يكون عالما أحادي القطب تنفرد بقيادته على خلفية قوتها العسكرية وتفوقها الاقتصادي. ويرى السيد ياسين ان ذلك الصراع الذي تخوضه الولاياتالمتحدةالامريكية للسيطرة على العالم كان احد المقدمات الرئيسية لنتائج أحداث سبتمبر ويدور بين القوى العظمى ومن بينها حلفاء الولاياتالمتحدة أنفسهم وعلى رأسهم المانيا وفرنسا، ويقول ان آخر تقريرين استراتيجيين صدر أحدهما عن مؤسسة «راند» الامريكية يشير بوضوح الى الصين باعتبارها القوة التي يحتمل ان تتحدى الولاياتالمتحدة في قيادة العالم، ويدعو السيد ياسين الى ضرورة قيام دول العالم وخاصة في البلدان النامية الى الاستعانة بالرؤى المستقبلية والسياسات المدروسة لمواجهة ذلك الصراع المستقبلي المصيري.