بدأت الاستقالات الفردية والجماعية تتهاطل على الأحزاب، وهي عند المنعرج الأخير، في سباق لا يقع التحضير له عند الامتار الأخيرة وإنما مبكرا وقبل الاعلان عنه. وإلا ظهرت وكأنها لا تأبه حتى بما يعنيها، وبدت وكأنها تستخف من نفسها. وكانت هذه الأحزاب ولازالت تؤاخذ التجمع الدستوري الديمقراطي بأنه يبدأ حملاته الانتخابية مبكرا ويعدّ لها قبل الأوان. وكأن في الأمر بدعة، وكأن في سبقه ما يشين، فيما القاعدة تقول يسعى كلّ حزب على الدوام وفي كلّ حين إلى تأطير الناس، وتعبئة المجتمع وضمان الفوز. وإلا فما هو دوره؟ يبدو أن الدور خان الأحزاب الوطنية، وأنها تاهت في سراديبه، بحيث هي تبدو الآن مكتفية بحصتها المضمونة، عوض ان تراهن على الأكل من الكتف السّمين خصوصا أنها من الأصل «ضامرة» (من الضمور) وأن جسدها يحتاج إلى الكثير من الغذاء. والمتأمل في أسباب هجمة الاستقالات، يعجب أحيانا منها ويندهش من مبرراتها، ولا يفهم توقيتها على اعتبار انه توفرت أمام الجميع فاصلة زمنية كبيرة، كان يمكن أن يقام خلالها حوار داخلي (داخل هذه الأطر) وكان بالتالي يمكن التخفيف من حجم الاستقالات وما سيترتب عنها من نتائج لن تزيدها إلا ضمورا، ولن تنفعها حتى وان انتفع كلّ حزب ببعض من حصّة الخمس المضمونة بطبعها. لا أحد يتمنى للأحزاب الوطنية تراجعا لكن ما العمل وهي مصرّة أن تستغل بوسائل تنتقدها نظريا ولا تتخلى عنها عمليا، وان تكتسب عادات لعلّها وحدها جعلت في قطيعة تامة مع الواقع ومع قواعد العمل السياسي.