أيمن عبد النور يكشف حقيقة امتعاضه من عدم مشاركته في ودية الكاميرون    زغوان: صابة قياسيّة لانتاج الزيتون بالجهة تقدر بحوالي 75 ألف طن خلال الموسم الحالي    غيلان الشعلالي يبتعد عن الملاعب لمدة شهر    تونس تودع وثيقة إنضمامها إلى إتفاقية مجلس أوروبا لحماية الأطفال من الإستغلال الجنسي    جربة : إحتفالات حتى الفجر بفوز قيس سعيد    موسكو والرياض تبحثان مشروع إطلاق أقمار صناعية من السعودية    بعد فيديو محمد رمضان: وزارة الطيران توقف طيارًا ومساعده    شبكة مراقبون: "المسار الانتخابي لسنة 2019 في محطاته الثلاث لم يكن مثاليا "    محمد الناصر يشرف على مجلس الوزراء ويدعو الى الاسراع في تشكيل الحكومة الجديدة    لهذا استنجد النجم بالفرنسي البير كارتييه وتراجع عن تثبيت المحمدي مدربا أوّل    نبيل القروي يهنئ قيس سعيد بنجاحه في الإنتخابات الرئاسية    بنزرت..فوز قيس سعيد في 14 مركز انتخابي    رسالة من كردية تحمل جثة طفلتها إلى أردوغان    تصفيات شان 2020: اليوم انطلاق تربص منتخب اللاعبين المحليين    النّادي الصفاقسي مطالب بدفع هذا المبلغ الهامّ لفريق جونيور أجايي    قضية تحرش النائب بتلميذة.... قاضي التحقيق يستمع لزهير مخلوف    الناطق باسم الداخلية يكشف ل"الصباح نيوز" آخر تطورات عملية الطعن بجرزونة    بعد انتصار على مصر.. منتخبنا يعود للهزائم في مونديال الكرة الطائرة    بعد عملية الطعن بجرزونة/ الخبير الأمني علي زرمديني لالصباح نيوز: ذئاب منفردة تتحرك وفق النظرية الداعشية    قرية السنافر الزرقاء ..حقيقية و يمكن زيارتها    بنزرت: عمليات تمشيط وغلق جميع المنافذ بحثا عن منفّذ عملية الطعن    بعد فوز قيس سعيد بالرئاسة: من هي سيدة تونس الأولى اشراف شبيل؟    بعد أن أشار لمرض قيس سعيّد ب”السرطان”/ ليلى طوبال توجّه رسالة حادّة لنبيل القروي    عجز الميزان التجاري الغذائي يرتفع الى 1114مليون دينار، موفي سبتمبر 2019    2000 مليار للربط الكهربائي بين تونس وإيطاليا    هام/تقلبات جوية منتظرة..وهذه التفاصيل..    عاجل/ طعن جندي و مواطن فرنسي ببنزرت.. وهذه التفاصيل    انس جابر تقفز 8 مراكز في تصنيف لاعبات التنس المحترفات    الدورة الثالثة لماراطون «الترا ميراج» ... المغربي المرابطي للمرة الثانية    وفاة الممثلة السورية نجوى علوان    الطبوبي: تشغيل الشباب تحدي منتظر أمام الحكومة القادمة    في المرسى : تفكيك عصابة لترويج المخدرات من بين عناصرها فتاة    جريح بإطلاق نار داخل مركز تجاري بولاية فلوريدا في أميركا    القبض على لاعب بجمعية رياضية بالعاصمة إعتدي جنسيا على أطفال.. وحجز 15 مقطع فيديو صوّرها لضحاياه    بعد انتحار اجنبية.. الاحتفاظ بزوجها على ذمة البحث    انتاجات مشتركة بين وزارة الثقافة ومؤسسة التلفزة التونسية    رحل في أوج العطاء.شوقي الماجري... وحلم سينمائي لم يتحقق    المخرج السينمائي رشيد فرشيو ل«الشروق» ..انتظرت تكريما من تونس.... فجاءني من الإسكندرية    ليلى طوبال تردّ على الحملة التي تعرضت بسبب مساندتها لقيس سعيد : "الخوانجية عندهم ربّي وانتوما عندكم ربوبا"    في الحب والمال/هذه توقعات الأبراج ليوم الاثنين 14 أكتوبر 2019    فائز السراج يهنّئ قيس سعيد    الحمامات: حادث مرور يخلف قتيلا و 3 جرحى    دردشة يكتبها الطاهر بوسمة : تونس تدخل نادي الدول الديمقراطية باستحقاق    الجزائر.. فرض ضريبة على الثروة والعقارات    وفد أمريكيّ يطلع على مشروع القمر الصناعي التونسي "Challenge 1"    مركز شاهد يدعو هيئة الانتخابات إلى تتبع كل من تورط في ارتكاب جرائم ومخالفات انتخابية وخاصة منها جرائم توزيع الأموال وشراء ذمم الناخبين    وزير التجهيز: أكثر من ثلاثة أرباع الأسر التونسية تملك مسكنا    المنستير..70 % زيادة في عدد قتلى حوادث المرور    أطعمة تسبب أمراض الكلى    رأي /زعمة يخدموا بقلب و رب؟    جولان المترو رقم 2 على سكة واحدة بين محطتي الجمهورية وحي الخضراء الى الاثنين القادم    تزايد أمراض القلب والشرايين بشكل مخيف    تسجيل حالات إلتهاب السحايا على الحدود التونسية    في صفاقس : صورة لقيس سعيّد تثير الجدل    أعشاب : نبات الدماغ والذاكرة    طرق فعالة لعلاج السمنة عند الأطفال    حظك ليوم السبت    حظك اليوم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





«وطن الدولة» و«أوطان القبائل»
نشر في الشروق يوم 22 - 06 - 2011

كيان اعتقد الكثير ممن روج لتلك الحداثة المزيفة القائمة على الاستبداد السياسي والفساد المالي والعقاري المترجم اقتصاديا إلى اختلال في توزيع الثروة بين الجهات، أنه قد تداعى وتهالك إلى غير رجعة تحت ضربات «التحديث الاستعماري» بوصف القبيلة قوة مقاومة، ومزاعم التفكيك الذي ادعته دولة الاستقلال وما تلاها لمختلف البنى القرابية والدينية التقليدية، فإذا بذلك الكيان المسمى القبيلة والذي يروج له الإعلام باسم العروشية ينبعث من تحت الرماد كطائر الفينيق. إذا بمفهوم الوطن يعود إلى نشأته الأولى «وطن الهمامة»، «وطن الفراشيش»، «وطن ماجر»، «وطن بني زيد»، «وطن ورغمة».. هي أوطان القبائل كما كانت تتعامل معها على سجيتها الأولى الدولة العثمانية وسليلتها الحسينية، وقد كانت تلك المعاملة تعتمد منطقا واحدا إن «أوطان القبائل» هي «أوطان مجبى» لا أكثر ولا أقل، ولا تلتزم تجاهها بأي التزام بما في ذلك حمايتها من اعتداءات المجموعات المجاورة. وانطلاقا من تلك الأوطان في وجودها الحقيقي أو في رمزيتها التاريخية عرفت تونس الانتفاضة وراء الانتفاضة والثورة تلو الثورة بداية من سنة 1864 وإلى اليوم (ثورة بن غذاهم 1864 ، انتفاضة القبائل المسلحة سنة 1881 بقيادة علي بن خليفة النفاتي، انتفاضة الفراشيش 1906، ثورة الودارنة سنة 1915، انتفاضة المرازيق 1944، الثورة المسلحة طيلة فترة الخمسينات ضد الاستعمار الفرنسي والمقاومة اليوسفية المسلحة ومحاولة انقلاب 1962 ، عملية قفصة المسلحة 1980، انتفاضة الخبز 1984 انطلقت من المرازيق في دوز، احداث الحوض المنجمي 2008، أحداث بنقردان 2010 ،انتفاضة سيدي بوزيد 17 ديسمبر 2010 والقصرين 12 جانفي 2011 لتتحول إلى ثورة 14 جانفي 2011..).
ولما جاء الاستقلال اعتقد أبناء تلك «الأوطان» أن زمن «أوطان القبائل» قد ذهب فعلا إلى غير رجعة وقد حل محله «وطن الدولة الواحد» كاستجابة لما تشترطه تلك الدولة في نشأتها من وحدة جغرافية وسلطة لممارسة السيادة وما تضمنه من تمكين لحقوق الأفراد الذين بات يُصطلح عليهم المواطنون بدل الرعايا(القطيع)، وأرضية كل ذلك هو التوزيع العادل للثروة وللمشاركة في السلطة وتوفير الحماية الأمنية وهي الوظيفة التي كانت تؤمّنها القبيلة بامتياز. لكن أحداث المتلوي أثبتت أن القبائل تنازلت مؤقتا عن قبليتها لكن الدولة أو هم القائمون عليها طيلة نصف القرن الأخير لوحوا بنهاية القبلية والعروشية لكنهم استمروا في ممارستها واستغلالها في الصراع على مواقع النفوذ داخل الحزب الحاكم المنحل ومؤسسات الدولة كما واصلوا في الاحتكام إليها في السياسة الاقتصادية والمنوال التنموي المعتمد مما جعل من المناطق الداخلية للبلاد بما في ذلك منطقة الحوض المنجمي، تكون الأكثر فقرا وتخلفا بالرغم من الريع الطبيعي الذي تتمتع به سواء تجسد ذلك في الثروة المنجمية أو الفلاحية، دون أن تستثمر المداخيل المتأتية من تلك الجهات في تنميتها تنمية حقيقية تحول دون تفجر مثل تلك الصراعات الدامية التي عشناها في الأيام الأخيرة والتي قد نعيش نظيرا لها لاحقا في مناطق أخرى في الجنوب التونسي أو حتى في شماله بسبب فقرها المدقع المتوازي مع بنيتها القبلية التقليدية. لقد بينت الصراعات القبلية ما كنا وقفنا عليه في خلاصة أبحاثنا في السنوات الأخيرة من أن القبيلة لم تتفكك كما اعتقد البعض (انظر مؤلفنا مجتمع القبيلة، المغاربية للنشر، 2006 ، 500ص) وإنما أخذت أشكالا جديدة في الظهور فهي لم تغب البتة عن المؤسسة السياسية وآليات اشتغالها وعن جمهور ملاعب كرة القدم وعن وعي الأفراد لاسيما في الإدارة التونسية وغير ذلك من المظاهر القبلية التي تُمارس دون أن يقع الحديث عنها لأنها من المحرمات في الثقافة السياسية السائدة، حتى أن الدراسات المتعلقة بالقبائل والمجموعات وكافة مستويات الانتماء التقليدي كانت ضمنيا غير مقبولة في الأوساط الأكاديمية ولم يرفع عنها التحريم إلا بعد دخول الجامعة أجيال من الباحثين هم في حل من الإرث السياسي البورقيبي الذي يحمل عقدة تجاه القبائل نظرا لانحياز أغلبها إلى اليوسفية والمقاومة المسلحة الرافضة لاتفاقيات الاستقلال الداخلي والاستقلال التام، وهو الاتجاه الذي تُرجم أكاديميا وبحثيا.
لقد نبهتنا الدراسات التاريخية ثم الأعمال السوسيولوجية إلى أن منطقة الحوض المنجمي بما في ذلك المظيلة كانت ولا تزال تعيش على أرضية قبلية وأن فضاء العمل الوحيد هناك هو المناجم ويقع تقاسمه قبليا وفق مبدأ المحاصصة بين المجموعات بحسب قوتها العددية. وهذا النظام سائد منذ أيام «الدولة الحامية» التي بدأت في استغلال مناجم الفسفاط سنة 1897 واستمر في ظل دولة الاستقلال وما تلاها. وهو نظام متفق عليه بين قبائل المنطقة وعروشها ويخضع لنوع من التعاقد غير المدون، تلتزم به الهياكل النقابية المنجمية منذ ظهورها في ثلاثينيات القرن المنصرم مع النقابات الفرنسية ثم النقابات التونسية لاحقا. وإن سد الشغورات المتأتية من تقاعد البعض أو وفاتهم وكذلك الانتدابات الجديدة التي تقوم بها الشركة كانت تخضع لتلك الآلية، وهي آلية قبلية دون شك وقد استطاعت أن تخترق «مؤسسات دولة الحداثة» الاقتصادية والسياسية والنقابية. ولم تختل تلك الآلية إلا عندما حاولت الشركة تعويض منطق المحاصصة القبلية بنمط يقوم على إعطاء الفرصة لأبناء الجهات الأخرى في العمل وهذا هو السبب المباشر في انفجار مشكلة الحوض المنجمي بالرغم من أنه منطق سليم إذا كان توزيع الثروة بين الجهات عادلا وغير مختل. فقد استفاق أبناء الجهة على أن الدولة تريد أن تنزع منهم الحق التاريخي الذي اكتسبوه دون أن توفر لهم بديلا تنمويا موازيا يحد من البطالة والفقر والتهميش. لكن احتجاج أبناء منطقة الحوض المنجمي بأكملها بقي تحت السيطرة طيلة السنوات الممتدة من 2008 إلى نهاية 2010 لأن مؤسسات الدولة لا تزال تحافظ على نوع من القوة الردعية والزجرية وهي من طبيعة الدولة. لكن الأمر سيتغير بعد الثورة مباشرة لأن تلك المؤسسات لم تعد قادرة على القيام بوظيفتها بسبب تعطلها عن العمل وضعف آدائها أو حتى تفككها، وهنا تتأكد المقولة السوسيولوجية كلما تفككت الدولة أو مؤسساتها فستحل محلها القبيلة، ولقد برز ذلك في أكثر من دولة عربية تعيش تجارب مشابهة متأتية من الانتفاضات والثورات والحروب، كانت وإلى الأمس القريب تبدو متجانسة متمدنة حداثية.
إن الأمر لا يتعلق بمعادلة أخلاقية كما يحاول البعض الترويج لها تستوجب الوعظ والإرشاد والإدانة(مواقف الأحزاب) أو البكائيات ودموع التماسيح التي يذرفها بعض المتنفذين وأصحاب المصالح الذين يعيشون على امتصاص دماء الآخرين، ووجوه شاشات البلازما الذين يستثمرون مشاهد القتل والاعتداء والحرق دون أن يتحولوا إلى صوت يقول كلمة حق لفائدة هؤلاء المعدمين الذين يتقاتلون على فتات موائد السادة الأجلاء.. إن الأمر أعمق من ذلك بكثير، فنحن أمام سياسات تنموية فاشلة قامت أساسا على المحاباة بين المناطق، مما يستوجب لفت النظر إلى أن الجهات المحظوظة الممتدة على طول السواحل التونسية وكذلك بعض المناطق الداخلية التي تعيش من مداخيل الهجرة لها بنيتها القبلية والعروشية ولكن القبائل هناك في حالة كمون لأنها أقل تأثرا بالأزمة المتأتية من المنوال التنموي ومن الخيارات الاقتصادية القائمة على الإصلاح الهيكلي والتأهيل الشامل وتفكيك مؤسسات الدولة وبيعها الذي أغرق البلاد في الديون وجعلها عاجزة على بناء تنمية اقتصادية ذاتية ومستقلة. ولا نعتقد أن القبلية في الساحل والجنوب والشمال ستبقى نائمة إذا استمرت الأزمة الاقتصادية على ما هي عليه أو إذا تفاقمت أكثر لاسيما في ظل عدم التعويض على الموارد التي كانت تتدفق من ليبيا لفائدة الشركات الاقتصادية والبنوك والمؤسسات الصحية وحتى الأفراد على حد سواء. إن رسالة المتلوي للدولة في نهاية الأمر أن لا فرق في الانتماء إلى «وطن الدولة» بين الجميع، أو هو «وطن القبيلة» لا تزال رمزيته قائمة، وترجمة كل ذلك هو التوزيع العادل للثروة والسلطة بين الجهات والمناطق.
٭ د.سالم لبيض (أستاذ علم الاجتماع السياسي جامعة تونس المنار)


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.