عاجل/ الوكالة العقارية للسكنى توجه نداء هام لهؤلاء..    غار الدماء: سكان منطقة حمام وشتاتة يستغيثون ويطالبون بفك العزلة    جلسة بوزارة الفلاحة لبحث آليات إنقاذ المزارع البحرية المتضررة من التقلبات الجوية    المهدية: انقطاع التيّار الكهربائي الأحد 08 فيفري 2026 بعدة مناطق من معتمدية سيدي علوان    بيل وهيلاري كلينتون يطالبان بجلسة استجواب علنية بشأن علاقتهما بإبستين    الرابطة الأولى: تشكيلة مستقبل المرسى في مواجهة الشبيبة القيروانية    ملتقى فرانكونفيل لالعاب القوى بفرنسا - التونسية نورهان هرمي تحرز المركز الثاني لمسابقة الوثب الطويل    عاجل: هذا ما تقرّر في حقّ شاب وفتاة قاما بالإعتداء على سائق تاكسي في دوّار هيشر    خطير/ الإطاحة بعصابة لسرقة سيارات بعد نسخ مفاتيحها باحواز العاصمة..#خبر_عاجل    واشنطن تأمر مواطنيها بمغادرة إيران "فورا    ويُغيّر إسمه: مغنّي راب بريطاني يعتنق الإسلام    تونس تتنفّس: السدود تمتلئ أكثر من 50% والمياه في تحسن مستمر!    الرابطة الأولى: تشكيلة الإتحاد المنستيري في مواجهة النجم الساحلي    الترجي الرياضي - الملعب المالي: من أجل الانتصار وافتكاك الصدارة    بيان عاجل بعد ''منع'' الشعائر الرمضانية    الرابطة الأولى: برنامج مواجهات اليوم من الجولة الخامسة ذهابا    روسيا تشن هجوما ضخما على شبكة الطاقة الأوكرانية    انفراج مرتقب في النقل: دفعة أولى من الحافلات ترسو بحلق الوادي    عاجل: ''ويكاند'' بطقس متقلّب    استراتيجيات الترجمة    رابطة أبطال إفريقيا - مولودية الجزائر تفوز على الهلال السوداني 2-1 وتعزز حظوظها في سباق التأهل    ترامب يرفض الاعتذار عن منشوره بشأن أوباما وزوجته    ترامب: أجرينا محادثات جيدة مع إيران ويبدو أنهم يريدون إبرام اتفاق    هيئة محلفين كبرى في نيو مكسيكو توجه لائحة اتهام تتعلق بالتحرش بأطفال لمخرج أمريكي شهير    الصحفي الهاشمي نويرة في ذمة الله    نفذا "براكاج" مروع لسائق تاكسي: السجن لشاب وصديقته..    مستشفى شارل نيكول.. أول عملية استئصال رحم بالجراحة الروبوتية    تونس الكبرى.. تفكيك عصابة مختصة في إستدراج القاصرات والإعتداء عليهن    رفض الإفراج عن لطفي المرايحي وتأجيل محاكمته إلى 13 مارس    إصدار جديد .. «تأمّلات» مجلة أدبية جديدة يصدرها بيت الرواية    مدير أيام قرطاج لفنون العرائس عماد المديوني ل«الشروق» .. مهرجاننا لا يقل قيمة عن أيام قرطاج المسرحية والسينمائية    مَأساة حمدي بابا تهزّ السّاحة الرياضية .. .نجومنا من وهج الشّهرة إلى جحيم الفَقر والاهمال    «يوم الذكرى العالمي» .. مائوية من العطاء و8 عقود من النضال الكشفي    إنجاز طبي متقدّم في طبّ الأمراض الصدرية التداخّلي بمستشفى عبد الرحمان مامي بأريانة    أيام 10 و11 و12 فيفري ...تونس تحتضن أول مؤتمر دولي للطبّ الاهتزازي    بورتريه ... سيف الاسلام.. الشهيد الصّائم !    القيروان ...غلق محلّ يروّج لحليب سائب مخصّص لصنع الحلويات كمادة لتغذية الرضع    البنك الدولي يواصل معاضدة جهود وزارة الصناعة في انجاز المشاريع الطاقية    رمضان على التلفزة الوطنية: اكتشفوا السيرة النبوية بحلة درامية جديدة    عاجل: دولة عربية عندها مخزون قمح يكفي حتى 2027    وزارة الصحة تؤكّد فعالية لقاح HPV!    أيام قرطاج لفنون العرائس : جمهور غفير يُتابع عروض مسرح الهواة    القصرين: المشروع البحثي الأوروبي "فينوس" يراهن على نبتة التين الشوكي لتحويل الأراضي الهامشية إلى فضاءات ذات قيمة مضافة    كرة القدم: جولتان فقط خلال رمضان، إليكم رزنامة المباريات الرسمية!    عاجل/ مدينة العلوم تكشف موعد حلول شهر رمضان..    عاجل : قبل كأس العالم 2026.. قرار صادم من مدرب المنتخب المغربي    تحويل وقتي لحركة المرور بالطريق الجهوية رقم 31 على مستوى منطقة المنيهلة    الأيام الرومانية بالجم يومي 28 و29 مارس 2026    تنضيفة رمضان : عادة ولاحالة نفسية ؟    "كلمات معينة" يرددها صاحب الشخصية القوية..تعرف عليها..    بطاقة إيداع بالسجن في حق النائب أحمد السعيداني    يهم شهر رمضان..بشرى للتونسيين..    رمضان قرب : هذه المشروبات الدافئة اللي ترطب جسمك وقت الافطار    التوقعات الجوية لهذا اليوم..    محرز الغنوشي يُبشّر بعودة الغيث النافع    تونس والجزائر تعززان التعاون في مجال الصيد المستدام بدعم من الوكالة اليابانية للتعاون الدولي "جيكا"    رمضان 2026: موسم كوميدي عربي متنوع يملأ الشاشات بالضحك    نزار شقرون ينال جائزة نجيب محفوظ للرواية ...من هو؟    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



خميسيات آدم فتحي: في الوثوب والركوب والحرقان بالمقلوب
نشر في الشروق يوم 30 - 06 - 2011

صرخ «أرْمِيَا» باكيًا أمام خراب القدس: «آهِ لو أستطيع أن أصنع من دموعي أسنانًا للوردة»! صرخة تجد صدًى لها في نفسي اليوم وأنا أرى وردة هذه الثورة الممكنة تتناهشُها الأنياب من كلّ جانب. وكأنّها غنيمة جاهزة للوثوب أو مطيّة صالحة للركوب أو أرض لا تلين للبعض إلاّ محروقة.
تلك هي أضلاع المثلّث الذي أطبق علينا قرابة ربع القرن. «وثب» بن علي على السلطة و«ركبت» عصابات النظام، وبينما كان جزء منّا «يحرق» إلى الخارج بحثًا عن جرعة من الأوكسجين، كان جزء آخر «يحرق بالمقلوب»، لغويًّا وفكريًّا وثقافيًّا، أو إلى الداخل السحيق، ولا جواز له غير «بطاقة هويّة» لا يريد الانتباه إلى أنّ صورته فيها لم تعد تمثّله.
ثمّ خُلِع الطاغية وظنّ البعض أن أضلاع مثلّثه تفكّكت. فإذا الظنّ يخيب. وإذا مسلسل الركوب والوثوب و«الحرقان» متواصل. في هذا السياق أضع كلّ ما نراه اليوم من تأزيم للمرحلة الانتقاليّة، وتهديد للانتخابات، وتعنيف للمثقّفين، وتقسيم للتونسيّين بين مؤمنين وكفّار وسلفيّين وحداثيّين، بينما المرحلة واستحقاقاتها أعمق وأهمّ من ذلك بكثير.
ليس الأمر صراع هويّات فشعارات الكلّ تتغنّى باحترام عروبة تونس وإسلامها وشعارات الكلّ تتغنّى بالعقلانيّة والحداثة. ولو كان الأمر صراع هويّات لسهل علينا التمييز بين من يتّخذ الجذور قيودًا تشدّ إلى الماضي ومن يصنع منها أجنحة تحلّق نحو المستقبل. لكنّه صراع سياسيّ يختطف الهويّات رهينة للتغطية على غياب المضامين والمشاريع.
«في الهمّ ما تختار»! هكذا تقول عبارتنا العاميّة البليغة إصرارًا من الوجدان العامّ على التفاؤل. ولعلّ عزاءنا الوحيد في هذا الذي تمرّ به بلادنا أنّه يكشف لنا عن حقيقة أنّنا نتهجّى الديمقراطيّة ونتلعثم بها، وأنّ علينا بذل جهد كبير قبل الحصول على المُعدّل الضروريّ للنجاح في امتحانها!
ثمّة شرخ قائم بين الشعارات والممارسة، يتحمّل الجميع جزءًا من المسؤوليّة عن تفاقُمه. شرخٌ أثبت التاريخ أنّه ليس في صالح أحد، وأنّه علبة باندورا سرعان ما تطلق شرورها في وجه من بادر إلى فتحها. كما أثبت التاريخ أنّ رجال الدولة الحقيقيّين يظهرون في مثل هذه المراحل، ليتميّزوا بوضوح عن المزايد الديماغوجيّ والانتهازيّ المحض والمستبدّ المتربّص.
حاول الاستبداد على امتداد عقود صَبَّ الشعب في قالب الرأي الواحد، والحزب الواحد، والحاكم الواحد، والثقافة الواحدة. لكنّ الجانب الأهمّ من هذا الشعب ظلّ يتمرّد على القالب، دون أن يجد لتعدّده البدائل الكافية، أو لنقل، دون أن تستقرّ هذه البدائل على أرض الواقع والوجدان، كي تتحوّل إلى ثقافةٍ تعدّديّة في كنف التلاحم الذي لا يعني التماثل ولا يعني الأحاديّة، وفي كنف الاختلاف الذي لا يعني التناحر ولا يعني الاحتراب.
ألجم الاستبداد الأفواه وعطّل الجدل وضيّق الخناق على الفكر والإبداع. ثمّ جاءت الثورة، أو لنقل الفرصة الثوريّة، فكشفت المستور وفضحت الفائض الإقصائيّ والضمور الديمقراطيّ لدى كثيرين، فإذا الشروخ عميقة، وإذا الوحدة أكثر هشاشة ممّا كان البعض يتوقّع، وإذا أمور كثيرة تدفع إلى الخوف من أن تُجهض الفرصة ولا تفضي إلى ثورة حقيقيّة.
أظهرت الثورة ما كانت العقول والقلوب تضمر (مع احترام الاستثناءات): الرغبة في الانتصاب مرجعيّةً فكريّةً أو فقهيّةً أو سياسيّةً أو وطنيّةً أو ثقافيّةً واحدةً وحيدةً، يقابلها العجز عن الحوار والتواصل، العجز عن الاختلاف في كنف الاحترام، العجز عن الاعتراف بالآخر. وهو في النهاية عجز لا ينمّ عن تقدير للذات بقدر ما ينمّ عن احتقار لها.
في ضوء هذا القصور الديمقراطيّ، ليس غريبًا أن تتفشّى المزايدات وأن تبقى شعارات الحريّة والكرامة والحقوق والقانون والمؤسّسات، شعاراتٍ فضفاضة، دون دماء الشهداء التي أريقت في سبيلها ودون معاناة المناضلين من أجلها.
الثورة انتصار للحريّة والمساواة والعدل والكرامة، وقصاص من الجرائم الاستبداديّة عن طريق إعلاء القيم الإنسانيّة واحترام القوانين المتحضّرة وإجراء المحاكمات العادلة. وهي أيضًا اعتناق للتعدّد والاختلاف، واعتراف بأنّ الحقيقة ليست حبْسًا على أحد. ولا فرق في هذا السياق بين التخوين والتكفير على الولاء، لمجرّد الانتصاب وطنيًّا وحيدًا أو مسلمًا وحيدًا أو حداثيًّا وحيدًا أو مناضلاً وحيدًا أو بريئًا وحيدًا.
وكم أتمنّى أن ينصت محترفو السياسة إلى نبض هذا الشعب وإلى مناضلاته ومناضليه بالفكر والساعد، كي يفهموا قبل فوات الأوان أنّ الإقصاء هو الإقصاء سواء تمّ تعميمه باسم المستبدّ أو باسم الثائر، وأنّ الاستبداد هو الاستبداد سواء تمّ تبريره باسم الطاغية أو باسم الثورة، وأنّ الحسبة هي الحسبة سواء تمّ إجراؤها باسم الدين أو باسم الدنيا.
صرخ «أرْمِيَا» باكيًا أمام خراب القدس: «آهِ لو أستطيع أن أصنع من دموعي أسنانًا للوردة»! فأجابه «باث» بعد قرون: «حين تكون الوردة بلا أسنان فإنّ الجميع يأكلها حتّى الفراشة». أمّا أنا فأقول: علينا أن نجعل من الحريّة واحترام الآخر المختلف أسنانًا للوردة، وردة الثورة، كي لا تذبل قبل أن تتفتّح.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.