استقبلنا المفكر والعالم في الانثروبولوجيا الدينية صباح السبت الماضي على عتبة باب منزله مازحا ومعلقا على خطانا بالكعب العالي بانها« خطى عسكرية». كان عميق البصيرة رغم قصر مجال بصره. كان عميقا في تحليله للشأن التونسي الذي اصطدمت ثورته بالعنصر الديني ولم تتخلص منه وغرقت فيه ليصبح مستنيرو البلاد عرضة للتكفير من قبل اغلبية تقتات من توقّف القرآن عند التلاوة وممارسة المقدسات بعيدا عن أي اجتهاد كما يقول يوسف الصديق. الآيات بقيت في التلاوة وابعدت عن القراءة وسلطة المفسرين كانت سياسية انتظر مناظرة تلفزية مع راشد الغنوشي حول ما وراء القرآن * القرآن صالح لكل زمان لكنهم سلبونا حريتنا في العلاقة الفردية مع الله ونجد انفسنا مجبرين على الانصياع الى تأويلات أناس لا مستويات لهم * لا يجب ان يكون للدين دور مؤسساتي في المجتمع بل ان يكون له دور اهلي * الخطاب الديني اليوم يغلب عليه طابع توجيه إرادة الله بدل الفصل بين فلكك وفلك الله تونس(الشروق) يقول ضيفنا في هذا الحوار إن التونسيين كانوا يعيشون إسلاما هادئا دافئا قبل مجيء الإسلام السياسي وأنّ مقاطعة الانتخابات وضع يتهدد مجال الحريات ويؤبّد وضعنا الديني تحت سلطان تفسير مضحك ومتعفّن واضعا نفسه على ذمّة الجمعيات للقيام بمحاضرة حول المسالة الدينية. كما قال ضيفنا إنّ الإسلاميين يهربون من مناظرة تلفزية معه وأنه ينتظر مناظرة تلفزية مع راشد الغنوشي او القرضاوي للحوار حول ما وراء القرآن. كما كشف لنا الصديق انه رفض مؤخرا منحه حراسة شخصية لصيقة باعتباره مهددا بالقتل من قبل أعداء فكره.وهذه تفاصيل حوارنا مع الفيلسوف يوسف الصدّيق. نود ان نبدأ الحديث معك أولا حول ما يحدث في الشأن العام كيف ينظر يوسف الصديق للأوضاع الحالية في البلاد؟ يقول المفكر الإيطالي أنطونيو قرامشي إنّ من اعسر أوقات الثورات هي ان يظل العامل القديم يحتضر ولم يمت بعدُ والعامل الجديد في طور الولادة. وفي اعتقادي الثماني سنوات ولادة طالت وهناك عنصر عادة ما تتخلص منه الثورة نحن في تونس لم نتخلص منه بعدُ وهو العنصر الديني نحن اليوم نعيش صورة كاريكاتورية مضحكة منذ ان اقبل البرد علينا وأقول البرد وليس البدر لأننا كنا نعيش الإسلام الدافئ واليوم نعيش اسلاما مسيّسا. هل تعتبر ان عدم التخلص من العنصر الديني أسهم في حالة التطرف الديني التي برزت في المجتمع وخاصة في صفوف الشباب ما بعد الثورة؟ نعم كان هذا من ضمن الأسباب الأساسية وما ينقصنا اليوم هو نقد هؤلاء لأنفسهم من الداخل وما ينقصنا هو الثقافة الدينية وما نحتاجه هو وجود اشخاص على الأقل يستطيعون الرد عليهم ونقدهم. وفي اعتقادي التخلص من المسيحية كان بيسر كبير ليصبح العنصر الديني حاضرا في الافراد لديهم وغائبا عن الدولة وما نحتاجه اليوم في تونس هو وجود الانسان القادر على تنصيب الخطاب في هذه المعضلة المطروحة. ماذا تقصد بالثقافة الدينية ومن المسؤول عن وضع هذه الاستراتيجية هل هي الدولة؟ سأرد عليك بسؤال هل من مشمولات الدولة ان تخصص مصاريف واجورا لإدارة المساجد وخلاص الموظفين في دور العبادة ؟ أليس دورها تنمويا بالأساس؟ لا ليس من مشمولات الدولة وضع هذه الاستراتيجية كما ليس من مشمولاتها تخصيص ميزانية ومصاريف للمساجد. حين نعود لتاريخنا نجد ان الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة مباشرة بعد الاستقلال فرض مجلة الأحوال الشخصية وفرض مسائل أخرى لم يضع لها أثرا قانونيا او نصا ينص عليها ويحفظها وذلك بسبب الغرور السياسي فبورقيبة كان سابقا يتحدث للناس حول تحسين الهندام والنظافة وكان يرسل شخصيات سياسية للجهات للترويج لهذا الامر وربما اعتقد آنذاك ان الإطاحة بالعنصر الديني لا يحتاج الى نصوص او بيداغوجيا وبمجرد انحصار بورقيبة وأفول حضوره السياسي اصبح الحجاب مسألة أساسية. نحن نشأنا على مقولة «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لاخرتك كأنك تموت غدا» هذه هي العلمانية كاملة. انا شخصيا نشأت في هذا الإسلام واذكر ان والدي ذات يوم صفعني (يبتسم ويضيف طبعا صفعة خفيفة لطفله) وقال لي بلهجته الجريدية الجميلة «وكي نجيبلكم الرزق هذا موش عبادة» وذلك لانني سألته لماذا لا تصلي جمعا رغم قرب جامع الزيتونة من مكتبتك وبالتالي يسهل عليك الصلاة في وقتها. كان ديننا دينا علمانيا هادئا لكن حدثت أشياء صلب السياسة. اما عن الثقافة الدينية فالدين نفسه خاضع لمنظومة أخلاقية سابقة للقرآن وجاء القرآن وجمعها (في صورة الاسراء) هذه المنظومة الأخلاقية جاء الدين ليرسخها بالخوف من الموت ومن الندم وبالتالي تاسست الاخلاقيات ثم جاء الدين ليعطيها الجانب الطقوسي. لا يجب ان يكون للدين دور مؤسساتي في المجتمع بل ان يكون له دور اهلي بمعنى ان الدولة لا دخل لها في العبادة وفي دور العبادة لأنها المناط بعهدتها «إعمل لدنياك كأنك تعيش ابدا» اما «إعمل لاخرتك كانك تموت غدا» فهي مسالة تخص الفرد لوحده. العنصر الديني هو نقطة رئيسية في حربنا على الإرهاب ما الذي تراه منقوصا في هذه الحرب؟ الحرب على الإرهاب هي أمنية بالأساس وهذا دور الدولة فحامل السلاح يواجه بالسلاح وما نحتاجه في الصف الخلفي هو حجة الخطاب وهذا ما ينقصنا لدى المدرسين وغيرهم حين يتحدثون عن المسالة الدينية فهي مسالة فردية بالأساس ويقول سبينوزا «ليس الله بحاجة ان يوجد...» وربي هو النور هو عكس الظلام علينا ان نعالج الخطاب الديني والاصل بالنسبة لي هي الثوابت البديهية. في التاريخ هناك مقولة للطاغية تيمورلنك الذي كان يحرق المدن قبل الخروج منها ثم يبني هرما من الجماجم وكان العلامة عبد الرحمان ابن خلدون في سوريا حين طُلِب منه التحدث الى تيمورلنك لنهيه وبعد ان تحدث اليه عبد الرحمان اجابه تيمور «يا عبد الرحمان الكلام كلام الله ولكن الاذن بشرية» وبالتالي المسالة الدينية خضعت لهذه الاذن البشرية. وفي اعتقادي لسنا في حاجة الى وزارة تحرص الدين ولديها ميزانية للمساجد الخ واذكر ان من الطرائف التي حصلت الاضراب عن صلاة الجمعة لمدة 5 أسابيع للمطالبة بإعادة رضا الجوادي الى الامامة في صفاقس فهل يعقل ؟ هل يضربون عن الصلاة من اجل فرد ؟ لمن يصلّي هؤلاء؟ نحن بلغنا هذا المستوى المتردي. إحداث وزارة الشؤون الدينية كان من ضمن خطط الرئيس الأسبق بن علي لاحتواء المسالة الدينية في اطار صراعه مع الإسلاميين لكن الإسلاميين هم من يحكمون اليوم وطيلة الثماني سنوات التي أعقبت الثورة إما بشكل مباشر او غير مباشر وبالتوازي مع حربنا ضد التطرف ما الذي نحتاجه عاجلا في المسالة الدينية خاصة وان الأوضاع الحالية المتأزمة تنفتح على موعد انتخابي جديد طبعا سيكون الخطاب الديني محركه الأساسي ؟ لا بد من تحرير الخطاب الديني وجعله مسالة أهلية فلماذا تستنزف الدولة ميزانيتها لرعاية دور العبادة لماذا لا تتركوا المساجد لمن يريدون العبادة «يعبد ربي بالّي عطاه ربّي» دعوا دور العبادة للتطوّع ووجهوا الأموال للتنمية نحن نحتاج لتحييد الدين والله عن الفضاء العام والمجادلة السياسية وتحييده خاصة عن خطاب راشد الغنوشي وغيره. فالخطاب الديني اليوم يغلب عليه طابع توجيه إرادة الله بدل الفصل بين فلكك وفلك الله. هذا الامر جعل الناس تنفر من العمل السياسي. بماذا يفسر يوسف الصدّيق الحملة المعادية التي شُنّت على تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة بشكل كاد يوحي بانّ الحريّة هي عدوّ للدين؟ ماهو صالح لكل زمان في كلام الله هو الثوابت في التوحيد ففي سيرة ابن هاشم مثلا شهادة حول كيفية اعلان ابن ابي سفيان لإسلامه حيث قال «اشهد ان لا إله إلا الله» ثم صمت فقال له العباس اكمل ويقصد «واشهد ان محمدا رسول الله» فقال له «لن استطيع» (وذلك بقناعة انه لا يرى في محمد الابن الفقير و ليس من اسياد قريش ان يكون رسولا لله) فقال له الرسول «دعه يا عباس لقد أسلم» هذه هي الثوابت هناك قواعد كونية أقامها الله. ومن يقول إنّ هذا صالح لكل زمان ومكان؟ اجابتي هي ان كل الآيات بقيت في التلاوة وابعدت عن القراءة والمقصود بالتلاوة هو الترتيل والترتيل من الرتل لغويا بمعنى انه بمثابة القطار الذي يسير والخروج عن السكة يعني السقوط ومنها الآية المتعلقة بالارث والتي ظلت في مستوى التلاوة دون قراءة. فالقرآن يتغير بالعصور. وفي مسالة الإرث مثلا لنعد الى التاريخ كانت المواد الموروثة آنذاك متنقلة سواء كانت نفيسة من ذهب وزرابي وحرير او عادية كالمواشي والجمال وغيرها وكانت طبيعة الزواج آنذاك ذات خصوصية فالفتاة قد يتزوجها قادم من قرية بعيدة وترحل معه وإن كانت هناك مساواة في الإرث كانت القرية ستفقر بسرعة ،الوضع يختلف اليوم فالمواد الموروثة ثابتة والفتاة حين تتزوج وايا كان مكان اقامتها لن يفقر أهلها ولن تفقر قرية ولن يفقر بلد ،الإرث ثابت والمتاع في نفس المكان. في الشهادة أيضا اقتصر البعض على اعتبار شهادة المرأة منقوصة باعتبار المراة ناقصة عقل ودين هذا تفسير مضحك وتفسير متعفن نعيش عليه والتاريخ يقول إنه سابقا كان يتم اعتماد شهادة امراتين حتّى إن تزوجت احداهنّ وابتعدت ظلّت الثانية على الشهادة. ..سلطة المفسرين كانت سياسية. ما الذي يمنع التفسير اليوم خاصة في ظل هذه الولادة العسيرة التي تعيشها تونس منذ ثماني سنوات؟ الإسلام اصبح اليوم كنيسة بمعنى انه هناك مجهودات لمنع الاجتهاد. لدينا آية نفخر بها وهي «لا اكراه في الدين» لكن التفسير اليوم او التنوير الذي نعيشه نعيشه كافراد زمن هذا المنطلق أقول للشعب البسيط الذي يسمّون اذانه بتوزيع شهادات الإسلام والتكفير نحن لسنا ملحدين نحن مؤمنون نؤمن بقوة القران ولا نرتهن للتفسيرات المضحكة. هم يسلبوننا حريتنا في العلاقة الفردية مع الله ونجد انفسنا مجبرين على الانصياع الى تاويلات أناس لا مستويات لهم. شخصيا درّست مع راشد الغنوشي في القيروان وكان من "أطفإ" المثقفين ولكن ما بناه ليس بالعلم والفلسفة بل بالسياسة انا أنتظر مناظرة تلفزية معه او مع القرضاوي حول ما وراء القران ولعلمك يا أسماء رفض عبد الفتاح مورو منذ أسابيع اجراء مناظرة تلفزية معي في احدى القنوات الخاصة هم يهربون من المناظرة التلفزية. استقبلك الرئيس الفرنسي ماكرون مؤخرا في اطار الاستراتيجية التي تسعى فرنسا لوضعها للحد من التطرف هل جمعك لقاء مماثل مع مسؤولين في تونس؟ التقيت ماكرون خلال زيارته لتونس في فيفري الماضي ولديّ لقاء معه أواخر شهر نوفمبر وهم يسعون لوضع خطة للتعاطي مع المسألة الدينية وكيفية الرد عن التيارات الإسلامية. وفي تونس نعم هناك أحزاب دعتني للمحاضرات ولكني ارفض بشدة التواجد في فضاءاتها الحزبية او الانتماء اليها لذلك حجزت لي تلك الأحزاب قاعات في فضاءات ثقافية وفي نزل والقيت محاضرات وحضرها أناس كثيرون وكان هناك تفاعل. لديّ نصيحة فردية وهي ضرورة اخلاء الفضاء العام من السجال الديني ولكن ثبُت ان الإسلام السياسي والدكتاتورية مشتركان في فعل الأمور الصحيحة وهي اغراقنا في المسائل الثانوية. نحن مقبلون على موعد انتخابي جديد تفصلنا عنه حوالي سنة ما الذي نحتاجه لتصحيح الأمور في المسالة الدينية وفي مسألة الحريات؟ ما تفعله النهضة هو ذات التمشي الذي يعتمده اردوغان في تركيا ونفس التكتيك السياسي والاستراتيجي والفرصة الوحيدة التي لنا هي التكثيف من اهتماماتنا بالشان العام فما نعيشه اليوم هي حصيلة حكمه منذ ثماني سنوات حتى وان حكموا من خلف الستار وما يشعر به الشعب اليوم من أزمات في المعيشة وغيرها هي نتاج حكم الإسلاميين وبالتالي لابد من توعية الشعب بضرورة ان يقطع عليهم الطريق بالصندوق في الانتخابات المقبلة هذه التصفية يجب ان تكون بإرادة الناخب وليس بتاثير الاخرين وشخصيا مستعد لمعاضدة مجهودات الجمعيات بالمحاججة من اجل هذا الامر. فشعبنا البسيط كان يهتم بدنياه ولا يتمنى سوى ان يتذكر الشهادة قبل مماته لكن جاءه من كذب عليه وادخله هذه المتاهة.