لم تكن الأزمة القائمة حاليا بين الحكومة والاتحاد العام التونسي للشغل سابقة. ولن تكون الأخيرة في علاقة السلطة السياسية بالمنظمة الشغيلة. فالتاريخ يشهد أنّه كلّما ضاق الأفق السياسي وغابت الحلول الاقتصادية والاجتماعية ساءت هذه العلاقة وتعمّقت الأزمة. الشروق مكتب الساحل: اليوم ونحن نعيش مرحلة «ما بين إضرابين»، إضراب 17 جانفي الذي نُفّذ والإضراب العام المرتقب يومي 20 و21 فيفري المقبل، نستحضر محطة تاريخية لافتة للنظرلعلّها كانت الأخطر من حيث انحراف المعركة بين السياسي والنقابي إلى مربّع العنف والدماء. إنها محطة الإضراب العام الذي عرفته تونس يوم 26 جانفي 1978. تلك المحطة كانت لها منطلقاتها ومسبباتها وحيثياتها. فقد شهدت تونس في بداية السبعينيات من القرن الماضي أزمة متشابكة لامست كل المجالات تقريبا. وكان الانسداد السياسي والاجتماعي والاقتصادي سمة بارزة على المشهد. وتفاقمت شكاوى الناس وتذمرهم من غلاء المعيشة ومن الإجراءات المجحفة التي اتخذتها حكومة الهادي نويرة آنذاك للتصدي للأزمة، إضافة إلى كلّ ذلك بدأت حالة الانقسام السياسي تخرج إلى العلن. ولاحت مسألة صراع الأجنحة حول بورقيبة. ومثّلت هذه الحيثيات المشحونة أرضية لتتحرّك القواعد النقابية منذ صيف 1977 لتنظيم صفوفها. وكانت مظاهرة 9 سبتمبر 1977 بصفاقس وإضراب عمال شركة «سوجستاكس» بقصر هلال أبرز التحركات التي أغضبت النظام. وجعلته يشنّ حملة ممنهجة على النقابيين وعلى مقرات الاتحاد. وقد كان الاتحاد الجهوي للشغل بسوسة سبّاقا إلى إعلان الإضراب العام الجهوي يوم 9 نوفمبر 1977. ومن بين دوافع الإضراب حسب ما جاء في بيان الاتحاد: الاحتجاج على محاولة اغتيال الأمين العام للاتحاد (الحبيب عاشور آنذاك)، والاحتجاج على ما صدر من السلطة الحزبية بالجهة من ثلب وشتم بحق الهيئة الإدارية ووصفها ب «الفئة الضالة» والمطالبة بإطلاق سراح مساجين حوادث قصر هلال وصفاقس ومنزل بورقيبة وإرجاع كل الموقوفين عن العمل وتنديدا بكل التدخلات التعسفية من طرف أجهزة النظام العام والجيش». ومع حلول ذكرى تأسيس الاتحاد يوم 26 جانفي 1978 تضاعفت التعبئة العمّالية وازداد الوضع احتقانا وأُعلن الإضراب العام ليوم 26 جانفي. يومها حوصرت مقرات الاتحاد من طرف قوات الأمن والجيش وقُطع الماء والكهرباء والهاتف وخوطب النقابيون المعتصمون بمقرات الاتحاد بمضخمات الصوت طلبا للاستسلام، وفق ما يؤكده نقابيون عاشوا ذلك اليوم. إضراب 26 جانفي جوبه بالقمع والاعتقالات وخلّف عشرات القتلى ومئات الجرحى وآلاف المعتقلين... لكن الصورة اليوم تختلف تماما، رغم أنّ ظاهر الأمر ينبئ عن أزمة عميقة بين الطرف الحكومي والطرف النقابي... واليوم تُدار الأمور في تونس بالحوار والتفاوض وإعمال العقل رغم محاولات توظيف هذا الصراع من جهات سياسية وجرّه إلى مربّع المواجهة والفوضى خدمة لأغراض سياسية... واليوم تونس تعيش وضعا اقتصاديا واجتماعيا صعبا قد يهدّد المسار السياسي المتعثّر أصلا تبدو الأطراف السياسية والاجتماعية مدعوّة إلى التعاطي مع الأزمة بعقلانية بعيدا عن سياسة ليّ الذراع والتصعيد التي لن تزيد الوضع إلا تعقيدا. فالاتحاد يعلم علم اليقين أنّ سياسة الحكومة الحالية ليست بدعا من السياسات المعتمدة في تونس ما بعد 2011، وأنّ عصا صندوق النقد الدولي مرفوعة في وجه الحكومات المتعاقبة منذ سنوات. ولعلّ ضرباتها تزداد ألما كلّما ساء الوضع الاجتماعي وتباطأت عجلة الاقتصاد وتشابكت الحسابات السياسية. ومن ثمة فإنّ اتهام الحكومة الحالية بالعمالة وبالرضوخ لشروط صندوق النقد فيه شيء من الإجحاف، غير أنّ فيه من المبرّرات ما يجعل الاتحاد مصرّا على التصعيد. وهو أنّ للحكومة بدائل للحلّ إن هي رغبت وجدّت في محاربة الفساد وسعت في تحقيق العدالة الجبائية... والحكومة في المقابل تعلم ما يعلمه الاتحاد وما يفكّر به. وهي موقنة بأنّ تمسّكها بموقفها لن يؤدّي إلّا إلى تصلّب موقف الاتحاد. وهو ما يعني المضي نحو تنفيذ الإضراب العام المرتقب بيومين. وتدرك ما لمثل هذه الخطوة التصعيدية من مخاطر وتداعيات لا على الوضع الاقتصادي والاجتماعي فحسب بل على الوضع السياسي خاصة ونحن في سنة انتخابية، الأمر الذي قد يُضعف موقف الحكومة أمام صندوق النقد الدولي والمانحين الدوليين الذين يعتمدون مسار التحول الديمقراطي مقياسا لالتزامهم بمدى الوقوف إلى جانب هذه التجربة الناشئة... بين جانفي 1978 وجانفي 2019 تغيّرت معطيات كثيرة... الصراع واحد وأدوات إدارته مختلفة. والوضع الاجتماعي والاقتصادي متشابه، وطرق التعاطي معه تختلف باختلاف هذا الواقع السياسي الناشئ بعد الثورة... فهل قرأنا التاريخ حقّ قراءته؟ وهل استُخلصت الدروس وسارت الأمور نحو الخلاص؟