حوار فاطمة بن عبد اللّه الكرّاي تونس (الشروق) تبدو لك هادئة، لكن بركانا من الغضب يسكنها جرّاء ما يعانيه الإنسان الفلسطيني على أيدي عصابات ارهابية هي أقرب لقطّاع الطرق منها إلى جيش دولة.. حين تستسرل في سرد الحكاية من البداية، وتفصّل لك المشهد من ألفه إلى يائه، تبكيك ولا تبكي هي.. فما يشهده الانسان الفلسطيني من ظلم وتعسّف وقتل وارهاب دولة منظّم، يفوق طاقة العقل في التصوّر.. ما يتعرض له الشعب الفلسطيني هو عملية إبادة جماعية مع تقطيع للأوصال زائد عنصر مسبق الاصرار والترصد.. نعم، الكيان الصهيوني اليوم في أعتى مرحلة من وجوده تتسم بالشراسة وقلب الحقائق وتشويه الحق وصلب العدل. هي إمرأة من هذا الزمن.. ومن ذاك الزمن أيضا.. مناضلة بالفطرة والآن تحسّها مناضلة بالفكرة.. جاهدت في سبيل وطنها الجريح.. وتأبى أن تترك القدس،موطنها، لأي غريب يدوس.. فلاحت تلك المرأة التي تختزل في نظراتها شجرة الزيتون الفلسطينية وتختزل في فعلها السياسي رباط القدس وضرورة الدفاع عليه.. لا تؤمن أن الدفاع عن الوطن يمكن أن يكون بالوكالة.. فكلّ إنسان فلسطيني وحيثما وجد في تلك الأرض المقدسة.. الأرض الطيبة يجب أن يدافع عن كرامة الجميع وكأنه الجميع وليس واحدا.. عندما ترمق ضحكتها تحسّ أن هذه المرأ ة التي أمامك تختزل الطفلة ذات الشعر الأسود الجميل، وذاك الوجه المشرق والمقبل على الحياة، فهذه سمة المقدسيين تحديدا.. تحسّ بهم وكأنهم ينوبون كل العالم مسلمين أو مسيحيين قدم، في الذود عن «زهرة المدائن».. هي الوزيرة الفلسطينية زهيرة كمال، ابنة القدس التي عرفت النضال الوطني الفلسطيني قبل أن تحتلّ مدينتها «القدس» سنة 1967.. بالنسبة لوزيرة المرأة الفلسطينية، يعدّ اللاجؤون الفلسطينيون عَصَبَ القضية الفلسطينية ومفتاح حلّها.. درست بالقاهرة في أواخر الستينات، وأثناء دراستها التي ترافقت خلالها بالجامعة مع أسماء وقيادات فلسطينية معروفة مثل ياسر عبد ربه وسمير غوشة والشهيد هايل عبد الحميد والسفيرين في القاهرة وبالجامعة سعيد كمال ومحمد صبيح، إذن أثناء هذه الفترة الغنية بالأحداث السياسية، حدثت حرب ال67 واحتلّت مدينتها وعادت في 68 الى القدس بتصريح زيارة مدته شهر. عملت مدرّسة فيزياء في مدارس «غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين» «الأنروا»، فزادت تشبّثا بقضية اللاجئين لأنها فعلا هي أساس القضية الفلسطينية.. التقيت الوزيرة زهيرة كمال، في تونس، على هامش ندوة «كوثر» حول تأثير البحوث في رسم السياسات.. وكانت ستغادرلتوّها تونس باتجاه عمّان ثم الضفة.. في هذا الركن «حديث الأحد» والذي تنزل عليه الوزيرة زهيرة كمال ضيفة مبجلة، تتحدث المسؤولة الفلسطينية عن المعاناة اليومية لشعب فلسطين وعن سياسة القتل والتجريف والحصار التي يمارسها الاحتلال في حق هذا الشعب.. هي المناضلة التي دخلت مجال السياسة من بوابة المعاناة الفلسطينية الشاملة، أول عضوية لها في المجال كانت حركة القوميين العرب ثم الجبهة الديمقراطية حيث كانت من أول المؤسسين لها، والآن هي عضو المكتب السياسي للاتحاد الديمقراطي الفلسطيني (فدا) مقيمة بالقدس وتعمل برام اللّه. سألت الوزيرة في البداية عن المشهد الفلسطيني اليومي، ذاك المشهد الذي يلي ويسبق الحدث الذي تنقله إلينا الفضائيات ووكالات الأنباء.. سألتها عن حقيقة الحياة العادية بين هدم المنازل وقصف السيارات والمترجلين وبين الحواجز والمعابر والأذى الذي يشارك به المستوطنون في الخطة الاستعمارية المقيتة. قلت لها: *ماذا تنقلين لنا عن المشهد الفلسطيني اليوم وبعد أربع سنوات من عمر الانتفاضة؟ قالت الوزيرة الفلسطينية التي نذرت حياتها الخاصة للاخوة الذين فقدوا الأب العائل، ذات سنة إن: حقيقة المشهد الفلسطيني مأساوي وصعب. معاناة الناس ازدادت بشكل كبير. هناك تركيز من الاعلام على الحدث وعدد الشهداء والجرحى، ولكن ماذا بعد الشهادة ماذا يحدث، ماذا يحلّ بالمرأة بعد استشهاد معينها ورئيس العائلة.. عندما يهدم بيت أو تجرف أرض ماذا يحدث لهذه الأسرة.. يكون قد فقدوا كل شيء إلى حدّ أول أمس (الأربعاء) مليون شجرة وصل عدد الأشجار التي اقتلعتها اسرائيل.. هم لا يمسّون حياتنا اليومية العابرة، بل يستهدفون مستقبلنا.. وقوتنا.. وأرزاقنا.. هم (الاحتلال) يمسّون اقتصادنا واستراتيجيتنا ومستقبلنا. شجر زيتون لمئات السنين.. اسرائيل تريد أن تجعل من أرض فلسطين أرضا محروقة.. *لماذا؟ الاسرائيليون يريدون أن يثبّتوا حقيقة (كذبة) أن يجعلوا الناس تترحّم على أيام الاحتلال، يريدون أن يجعلوا الحياة جحيما بدون الاحتلال ظنا منها أن شعب فلسطين غافل عن هذه الحقيقة.. الآن، هناك 66 من الشعب الفلسطيني يعيش تحت حافة الفقر. هناك جدار يُبنى وهو يحرم 400 ألف إنسان من الحصول على أي نوع من الخدمات.. فمن هم خلف الجدار ممنوعون من الخدمات الصحية والعمل، في فلسطين القسم الآخر من الجدار. هنا لا بدّ من التأكيد أنه رغم كل هذه المآسي، فهناك أمل مازال قائما على اعتبار أن الانسان الفلسطيني الذي يرى الجحيم بعينيه لا يفكّر في ترك أرضه وداره. *نلاحظ الآن التركيز على اللاجئين والمخيمات لماذا حسب اعتقادك، تستهدف آلة الحرب الاسرائيلية مخيمات اللاجئين الفلسطينيين؟ أول شيء: «اللاجؤون» هم ما يذكر الاحتلال بما فعله في 48، فقضية اللاجئين عنوان الصراع، وان قيام دولة إسرائيل هو على حساب هذا الشعب. ثانيا أبناء المخيم هم وقود هذه الانتفاضة. القمع يزيد أكثر فأكثر، لأن الأساليب النضالية أصبحت أكثر تجذّرا وقوة تجاه الاسرائيليين. هذه العمليات فيها تقنية أكبر. اليوم صواريخ القسام لمّا تنزل على مستوطنة، يعرف الصهاينة أن هذا الشعب الأعزل لم يعد كذلك. الردّ الاسرائيلي عنيف جدا، لكن الاحتلال في التوازن هو لصالح الاحتلال، اليوم نرى المخيمات تشتعل بفعل نيران الاحتلال.. يستهدفون المنازل والنساء والأطفال.. فمثلا إطلاق «القسام» (صاروخ) أدّى الى قتل جنديين اسرائيليين ومستوطن، الرد كان استشهاد 32 فلسطينيا، من القصف الاسرائيلي العنيف، وبالتالي فإن الفارق موجود وواضح. *الآن على مستوى الحواجز، نعلم القليل ربّما عمّا هو جار حقيقة وعلى أرض الواقع. هذه المعاناة على المعابر والجسور التي يتكبدها الانسان الفلسطيني، كيف تصوري لنا ما خفي منها على شاشات التلفزيون وما لا تورده التقارير الصحفية؟ حقيقة الحركة بالنسبة للإنسان الفلسطيني أصبحت شيئا صعبا جدا، ليس فقط على الجسور بل داخل المدن، الحصار الاسرائيلي مطبق.. الفلسطينيون وكأنهم في سجون تخيّلي، مثلا من قرية معينة لا يمكن الذهاب إلى أخرى إلا بصعوبات كبيرة، ولا يستطيع الوصول أبدا الى غزة، الوضع صعب جدا. حركة الانسان خارج البلد أصعب وأصعب، عليه أن يتعدّى عديد الحواجز بين القرى والمدن، ثمّ عندما يصل الجسر عندها تبدأ معاناة أخرى، فمثلا بين أريحا والجسر بعض الناس يقضون ليلة كاملة، لأنه يفتح في ساعات محددة، لمسافة لا تقتضي سوى خمس دقائق! الاجراءات الاسرائيلية تعيق هذا العدد، وبرفح الوضع أصعب، لأن الخروج من غزة هو أشدّ قسوة.. التفتيش.. الإنسان الفلسطيني بشكل عام يتعرض لهذه العقوبات. الاحتلال لا يريد لنا أن نكون منفتحين على غيرنا أو تكون لنا علاقات عادية فيها السفر السهل.. الإنسان الفلسطيني يفكر ألف مرة قبل أن يسافر. *ما هي الفئات الاجتماعية التي تحتاج الى السفر حتى تذوق هذه المعاناة.. الأكيد أن السفر من فلسطين لا يكون للنزهة أو السياحة؟ الطلاب يسافرون والمرضى كذلك أو للقاء عائلي، سأقصّ عليك المأساة الفلسطينية من خلال قصة داخل العائلة، إبنة أختي خطبت لفلسطيني يحمل وثيقة سفر، بمعنى هؤلاءيمكن أن يأتي الى فلسطين، وبالتالي فإن أقرب منطقة علينا هي الأردن. وأفراد يجب أن نأخذ «عدم ممانعة» من الأردن حتى يدخل الفلسطيني إلى الأردن. وهذه اجراءات لكل الفلسطينيين، والطرف الآخر الذي يحمل وثيقة يحتاج الى تأشيرة دخول، ورغم أنه خطيبها وكان يدرس بالأردن، رغم ذلك طلبه رفض في الأردن، وتأجل الفرح لأيام قادمة، وحتى تكتمل الأسرة. هذا يعني أن أفراحنا أيضا تتمّ بأقل عدد من العائلة.. وأفراحنا ليست مبرمجة، لو كان الوضع عاديا، لقدم العريس بنفسه، لكن نحن تحت احتلال مقيت.. هذه ضريبة الاحتلال.. فلسطيني آخر كان راجعا مع إبنه الذي يدرس خارج فلسطين ليحضر عرس أخته فإذا بالاحتلال يسمح له هو با لدخول واعتقل إبنه الطالب.. فتأجل العرس.. وشقيق العروس مازال في رهن الاعتقال.. فلا العرس تمّ ولا الطالب رجع الى مواصلة دراسته بالبلد الذي كان يدرس فيه! هذه مأساة الشعب الفلسطيني التي قد تغيب عنكم في الأخبار. *هل لك أن تحدثينا عن وضع السجينات الفلسطينيات.. عن قصصهن وعن معاناتهن؟ اليوم عندنا حوالي 120 إمرأة معتقلة لدى الاحتلال، منهن 22 أمّا، بما يعني أن 67 طفلا هم بدون أمّ.. وأحيانا كثيرة بدون أب لأنه عادة ما يكون معتقلا هو الآخر.. أسيرتان وضعتا طفليهما بالسجن.. ما هذه الحياة.. يولد الطفل الفلسطيني سجينا ولا يرى الحياة. بحدود 15 أو 16 سنة معتقلات لدى الاحتلال.. قاصرات، ولا ذنب عليهن سوى أنهن من فرط الغيض على الاحتلال تتحدث عن حلم بأنها كنتيجة للضغط والعمليات المتزايدة، تريد أن تفجّر نفسها وتقوم بعملية استشهادية تعتقل، هناك طبعا حرمان من الزيارة، وإن تمّت فلا تكون إلا من وراء الشباك حاجز.. زمان كان اللقاء مباشرا.. نتقابل ويمكن أن يقبّل الأهل الزائر والمعتقل.. بعدها أصبحت الزيارة من وراء الأسلاك والملامسة حتى بالأصابع ممكنة.. اليوم هذا ممنوع أصبحت الملامسة غير ممكنة. الزيارة أصلا ممنوعة، وإذا تمّت فمن وراء حواجز، ولا تقدري على رؤية الشخص بوضوح. وأصبح مطلوبا من الأسرة أن توصل لأبنائها الأكل الى داخل السجن، تجويع في السجن، الا تقدّم شيئا في السجن للسجين. يشترون كل ما يلزمهم من داخل السجن. الأهل الذين لهم سجناء، يدفعون مالا شهريا، إلى مغازة السجن. هذه مهزلة: سجن ودفع مال، وهم يشغلون المساجين أيضا.. ربما قريبا يدفع المعتقل الفلسطيني ثمن إقامته بالسجن. *كيف تتعاملون مؤسساتيا مع ملف الأسرى؟ هناك مؤسسات تهتمّ بالأسرى.. نادي الأسير الفلسطيني، يتابع الأسير داخل السجن ثمّ ما بعد السجن، مؤسسة «مانديلا» ومؤسسة «الضمير» ومؤسسة «الحق»، «مانديلا» و»الضمير» عندهم محامون ويبحثون في المسألة. هذه المؤسسات تقوم بهذه الزيارات. كثيرا المحامون هم الذين يطمئنون العائلة عن ابنائهم.. لأن العائلة تُمنع من زيارة الأسير لمدة سنة كاملة. *بعد هذا المشهد المحزن... هل مازال عند الفلسطينيين أمل؟ الأمل؟.. لولا فسحة من الامل لم يكن العيش ممكنا . الاسرائىليون يحاولون بكل الطرق ان يقتلوا هذا الامل عند الانسان الفلسطيني. هذا جزء من المهمة التي اوكلت لهم. الاتفاقيات تمّت في عهد الليكود، شامير وقبله بيغن مع مصر... وشارون يطرح مسألة الانسحاب من غزة. مع انه «العمل» ربما يتحدث عن السلام، لكن لا يعمل شيئا. من بدأ الاتفاقيات هو الليكود. العمل يتحدث عن السلام لكن عندما يمشي خطوات يتراجع الى الخلف. احيانا هو يقوم بأعمال يطمئن الاسرائىليين لذلك بداية اقامة المستوطنات من العمل. عمليات القمع وتكسير العظام مع «العمل» والليكود يواصل، تجريف مناطق في «جباليا» بدأت مع حزب العمل، هو في عملية قمعه للفلسطينيين لم يكن ارحم من الليكود. اليوم نحن تجاه حكومة اقسى من الليكود الذي تعودنا عليه. *بين العراق وفلسطين كيف تقيمين المشهد في شموليته وفي علاقات عناصره ببعضها البعض؟ حقيقة نحن موجودون في عالم مختلف، في عالم تحكمة امريكا، تحت شعارات مقاومة الارهاب، بدأتها في افغانستان ثم العراق، اليوم امامنا قانون محاسبة سوريا، واطلاق يد شارون واعطاء الضوء الاخضر له لمواجهاته لشعب فلسطين. لذلك نحن نقول ان ما تقوم به اسرائىل يمكن ان يتوسّع على اساس اكثر عنفا وبالتالي اكثر تصديا. المشكل ان كل هذا يتم تحت انظار العالم، والعالم لا يقول شيئا. اكثر المتضررين هو الشعب الفلسطيني. تشويه النضال الفلسطيني جاء من امريكا واسرائىل دون ان يُنظر الى المحتل واساليب القمع والقتل التي يمارسها. لو كان مما يحدث الآن في فلسطين حدث قبل هذا العهد، لكانت جائزة. وضع جديد يتطلب تحالفات واستراتيجيات جديدة، تأخذ المتغيرات الآتية بالاعتبار لان امريكا لا رقيب عليها. *الرئيس عرفات هل ترينه... ما هي احواله، كيف هي صحته؟ هل مازال صامدا؟ هذه مهزلة حقيقية، وعدم اكتراث دولي بما يحدث، رئىس منتخب، يُفرض عليه الحصار لأربع سنوات، الامر ليس مقبولا نهائىا ثم يتشدقون بضرورة التغيير والاصلاح وبنفس الوقت عندما نطرح نحن موضوع الانتخابات يعطّل الطرف الاسرائىلي التسجيل، يريدون نتائج مسبقة. الشعب هو الذي يختار وشعبنا اختار رئيسه اختار رئىسه بعد، وعليهم ان يختاروا قرار الشعب الفلسطيني. قبل اسبوعين صحته جيدة. طبيعة وضعه انسان موجود داخل بناية صغيرة اضاءتها غير كافية. ولكنه يتمتع بقوة وعزيمة. وهو مازال رمزا نضاليا للشعب الفلسطيني.