تدفع المتغيرات الاقليمية والدولية بعد نهاية تنظيم «داعش» الإرهابي الى حتمية عودة العناصر الإرهابية الى بلدانهم. وهذا المعطى يفتح الجدل من جديد حول عودة الارهابيين الى تونس ومدى استعداد بلادنا للتعاطي مع ملف بمستوى هذه الخطورة. تونس(الشروق) لم يبق من كابوس «داعش» الإرهابي سوى بعض الجيوب المقاتلة المهزومة في مختلف بؤر التوتر. وبعد قرار الولاياتالمتحدةالأمريكية سحب قواتها من سوريا دعت «واشنطن» مؤخرا الدول الى استعادة مواطنيها الذين التحقوا بالتنظيمات الارهابية تمهيدا لمحاكمتهم وذلك من خلال تصريح المتحدث باسم خارجيتها روبرت بالادينو. فهل يمكن لتونس رفض هذا القرار ؟ وهل ثمة استعدادات لحسن التعاطي في إدارة هذا الملف الثقيل، لاسيما أن الارهابيين المتبقين خارج بلدانهم الأصلية هم الأشرس وفق العديد من التقارير الإعلامية؟ سجال قانوني محسوم ومنذ سنتين تقريبا تفجر سجال سياسي دعا فيه البعض الى منع عودة الإرهابيين الى تونس. و وصلت المطالبات الى دعوة الدولة الى سحب الجنسية عن هؤلاء الارهابيين. وإذ يقع تفهم هذه المطالب الشعبية التي تعبر في النهاية عن خوف من مغبة سوء إدارة ملف بهذا الحجم فإنها في الواقع تفتقد الى أدنى المرتكزات القانونية. وبين الأستاذ في القانون الدولي والعلاقات الدولية عبد المجيد العبدلي في تصريح ل»الشروق» أن الفصل 25 من الدستور يحجر سحب الجنسية من أي مواطن أو تغريبه أو تسليمه أو منعه من العودة الى الوطن ، مشيرا الى أن الدستور هو في أعلى هرم القواعد القانونية وبالتالي فإن أي سجال سياسي أو قانوني في المسألة هو فاقد للمعنى. وشدد العبدلي على أن تطبيق الدولة بصرامة لقانون الارهاب لسنة 2015، والذي يتيح محاكمة التونسيين الذين ارتكبوا أعمالا إرهابية وجرائم خارج تونس في المحاكم التونسية، من شأنه أن يبدد مخاوف التونسيين من عودة الارهابيين داعيا الدولة الى أن تمارس وظيفتها بدءا بالتوقي وبت القضاء في هذه القضايا لفرز المجموعات المتورطة في الارهاب من أولئك الموجودين في بؤر التوتر من دون أن يشاركوا في هذه الأعمال الاجرامية. فهل أن الدولة التونسية استعدت للتعاطي مع ملف بهذا الحجم من الخطورة ؟ كيف استعدت الدولة؟ يطرح ملف عودة الارهابيين الى تونس تحديات كبرى على الدولة تهم بالأساس السؤال عن وجود استراتيجية وقائية وتهيئة الجهات القضائية والأمنية والمؤسسات السجنية لحسن إدارة هذا الملف ذي الكلفة المادية العالية الى جانب إيجاد برامج اجتماعية و تأهيلية ترعاها الدولة تفاعلا مع واقع مفروض. وفي هذا السياق أكد رئيس اللجنة الوطنية لمكافحة الارهاب مختار بالنصر في تصريح ل»الشروق» أن ملف عودة الارهابيين مطروح حاليا بقوة خاصة بعد بداية تقهقر التنظيمات الارهابية في عدد من الدول ، مضيفا أن الموقف التونسي يؤكد ضرورة بت القضاء أولا في مصير هؤلاء الارهابيين. ومن ثمة يقع تشريك العديد من الهيئات الأخرى والهياكل في الاستراتيجية الوقائية وذلك قصد النظر في وضعية أبناء الارهابيين. ولفت بالنصر النظر الى أن الاستراتيجية الجديدة ماتزال في بداياتها. وستقع بلورتها بشكل شامل في الأسابيع القادمة لاسيما أن هذا الملف مطروح في بلدان عديدة، مشيرا الى أن وجود مساع يومية الى التثبت من هويات المجموعات العائدة وأن وزارة الداخلية أيضا تحمل على عاتقها هذا الملف. حيث ستكون السجون المكان الطبيعي الذي سيأوي هؤلاء المجرمين فيما تقع معالجة بعض الحالات الأخرى على غرار وضعيات أبناء الارهابيين وفق أطر اجتماعية مضبوطة. أخف الضررين في المقابل يستدعي التعاطي الأمني مع ملف الارهابيين العائدين الى تونس جدلا حول مدى استعداد المؤسسات السجنية لاحتواء كم هائل من المجرمين وذلك أولا من خلال النفقات الاضافية المحمولة على الدولة وثانيا من زاوية انعدام البنى التحتية المستوعبة لذلك والتي تجد نفسها في غالب الأحيان مضطرة الى الجمع بين سجناء الحق العام و سجناء الجرائم الارهابية حتى في مراكز الإيقاف. وفي هذا السياق يرى المحلل السياسي والكاتب الصحفي باسل ترجمان في تصريحة ل»الشروق» أنه أمام الأمر الواقع الذي لا يمكن رفضه بالقانون فإن تونس مدعوة الى تطبيق قانون الارهاب بأكثر صرامة لاسيما أن هؤلاء الارهابيين قضّوا فترات طويلة في الجرائم الوحشية و»المهادنة مع الدم» ولم يغيروا من أفكارهم مما يجعل عودتهم محفوفة بمخاطر تكوين خزان إرهابي مجهول العواقب. واعتبر ترجمان أنه على الرغم من عدم وجود تأهيل كاف للمؤسسات السجنية التونسية فإن إيداع هؤلاء الارهابيين السجون يعتبر أخف ضرر من عملية إرجاعهم الى مواطنهم الأصلية التي يمكن أن تقود الى استقطابهم فئات أخرى من المجتمع التونسي. فهل ثمة اليوم برامج تأهيل نفسي واجتماعي لمتابعة هذا الملف؟ مجلس الأمن القومي مدعو الى التحرك ولما كانت عودة الارهابيين أمرا حتميا لا يمكن صده فإنه يفترض في ذلك أن تكون الدولة بصدد التعاطي مع ملف غير مفاجئ يحتم عليها ضرورة الاشتغال أيضا على برامج التأهيل النفسي والاجتماعي. وفي هذا السياق يرى الأخصائي الاجتماعي سامي نصر في تصريحه ل»الشروق» أن ملف عودة الارهابيين يفرض ضرورة تشكيل لجنة طوارئ في الغرض وخطة عمل، وخبراء لهم الاختصاص الكافي لتصنيف الارهابيين وفق درجة خطورتهم ومن ثمة النظر في عمليات التأهيل الممكن نفسيا واجتماعيا. وقال نصر إنه من الضروري أن يجتمع مجلس الأمن قريبا لتدارس هذا الملف الخطير وبث رسائل طمأنة الى الرأي العام الوطني دون البحث عن الاثارة بخصوص الخطة التي تنوي من خلالها معالجة الملف خاصة أن الارتباط السياسي للملف بشأن الأطراف المتورطة في تسفير هؤلاء المقاتلين يمنع كشف الحقيقة ومعالجة الملف بجدية. وفي المحصلة، لم يعد الوقت يسمح بتواصل السجالات السياسية العقيمة حول إمكانية عودة الارهابيين من عدمها. و بات من الضروري على هياكل الدولة الإسراع بوضع آليات كفيلة للتعامل مع ملف عودة الارهابيين بدلا من رفع الشعارات الرنانة غير القادرة على احتواء هذا الملف الخطير والشائك.