تونس (الشروق) بعد الاحتفالية التي جاءت في شكل مقدّمة فرجوية مساء الجمعة الفارط لدى افتتاح أيام قرطاج السينمائية بدأ شريط رندة شهال الصباغ المخرجة اللبنانية، القادمة على ما يبدو لتوّها من نيويورك... بدأ الشريط وقد تلا شريطا وثائقيا بعنوان الذاكرة الحية، رأينا فيه انطلاق «أيام قرطاج السينمائية» فكرة فحلما فتجسيدا... فأمكن للعديدين إحياء الذاكرة وتنشيطها من خلال وجوه فارقتنا ومواقف تذكرنا بأنّ لنا قضايا نحن العرب مثلنا مثل بقيّة المنظومة الجنوبية... ليس هذا هو المهم بل كلّ ما أردت الوقوف عليه هو شريط المخرجة اللبنانية رندة شهال الصباغ والذي يحمل عنوان «الطائرة الورقية «Cerf-volant»... والحقيقة ذهب ظني من الوهلة الأولى التي رأيت فيها أولى لقطات الشريط تصوّر أطفالا يلعبون بالطائرة الورقية... ولما شاهدت إحدى الطائرات الورقية وقد اتخذت زينة علم لبنان رأسا تذكّرت الأغنية القصة التي أهدانا إياها مرسيل خليفة «الطفل والطيارة»! نعم لقد نقل لنا صورة أصدق من صور الفضائيات العربية الآن رغم مسحة التسابق والتراشق بالأفضل فيما بينها... ذهب بي الظنّ عبثا إلى أنها قصّة من قصص الاحتلال... وكيف لا تكون القصة من ذاك الطراز وقدتركت الأنباء في المحطات الكبرى والصغرى ذاك المساء وصور الجثث متناثرة يقتسمها الأطفال والنساء... لقد ذهب ظنّي خطأ إلى الفكرة والأهداف الأولى لمهرجان قرطاج السينمائي... وقلت إن مخرجة لبنانية تبدأ صور شريطها الأولى وهي تركّز على الشريط الحدودي بين لبنان وفلسطينالمحتلة (إسرائيل) وعلى أطفال وحقول ألغام وجنود إسرائيليين يرتدون نفس لباس الجنود الذين تركتهم في الفضائيات يقصفون ويقتلون ويفجّرون المنازل على من فيها، لابدّ وأن تكون العقدة، عقدة القصّة مهمّة ومحبكة بدرجة مبهرة... لا بدّ وأن تكون القصة ملهمة لأبطال الجنوب وأبطال فلسطين لا معيقة لهم ومحبطة والحقيقة حتى لا أظلم المخرجة هي حاولت من خلال قصة الشريط التي سأرويها لاحقا، أن تمسك العصا من الوسط... لكن دون جدوى... فلم تتواصل هذه الفكرة أكثر من 20 دقيقة متقطّعة ثم بدأ الموضوع الأصلي... يعني أن هذا الشريط يمكن فهمه من زاويتين... على أن هذه الأفلام العربية خاصة والتي تحتمل قراءتين... تعدّ موضة اليوم... فعندما تنقد أحدهم على فكرة ما يقول لك المخرج : أنت لم تفهم مقصدي... ثم سرعان ما يضعك في قفص اللامعرفة... أو النقصان المعرفي... هذه لا تقتضيها الضرورة الفنية بل هي سمة عدد كبير من المخرجين العرب الذين على عكس الأفارقة واليهود، لم ولن يقدروا على تحمّل عبء فكرة تجعل من أشرطتهم أشرطة دائمة... تُذكر فتشكر ويُثنى عليها... يبدأ الشريط إذن بصورة لطائرات ورقية تحلّق في السماء ثم تنزل الكاميرا لتصور لنا الأسلاك الشائكة وأيدي الأطفال البريئة التي تمسك وتقود بحنكة الخيطان التي توصل الطائرة الورقية باليد الغضّة... بناتا وأولادا... مع الأسلاك الشائكة تظهر لوحة تشير إلى الحدود اللبنانية الإسرائيلية... وعسكري إسرائيلي من هؤلاء الذين تركتهم يوم الجمعة يقتّلون الأطفال في غزّة ومن أولئك الذين يقطّعون أوصال أطفال الجنوب اللبناني من 82 إلى اليوم في شبعا.. إن جازف أحد هؤلاء الأطفال على العبور... مثلما فعلت دون أن يلحق بها أذى «لمياء» بطلة الشريط وذات ال15 ربيعا... القرية اللبنانية موضع الحدث في الشريط منقسمة إلى نصفين والفاعل هو الاحتلال الإسرائيلي... أما الجندي الذي يتولى من برج المراقبة مراقبة حركة السكان وكذلك مراقبة حواراتهم عبر مكبّر الصوت عند اللقاء عن بعد صبيحة كلّ يوم جمعة، فقد قدّمته المخرجة أو الشريط شابا (18 سنة) آدميّا يسمع الأغاني العاطفية... وله قلب ينبض ويحبّ... أعداء إسرائىل...! هكذا...! الجندي الإسرائيلي على فكرة لا يقدّم تنازلا واحدا في سبيل حبّه للمياء، التي زُفّت لقريبها الذي يقطن بالنصف المحتل من القرية... ثم تتمرّد وتهرب... وتتجه إلى الجندي الإسرائيلي الذي وقعت في غرامه فوقع هو بدوره في غرامها... نعم على وقع صور التلفزيون القادمة من غزة، شاهد نصف الحاضرين في افتتاح الدورة العشرين لأيام قرطاج السينمائية هذا الشريط... لم يقم «يوسف» الجندي الإسرائيلي (الدرزي الأصل) بأيّ خطوة فيها خطر على جيش إسرائيل أو على «الدولة العبرية» بل إن لمياء هي التي تحدّت الأهل والعرف والقضية والتاريخ وذهبت إلى الجندي بلا شروط ولا «قيود»... هذا تطبيع! قالت إحدى التونسيات التي كانت جالسة حذوي والتي علمت أنها أستاذة لغات بالتعليم الثانوي... فقلت في نفسي دون أن أشاركها ردّة الفعل الفورية : إنه أسوأ من التطبيع... هكذا وفي هذا التوقيت بالذات الذي انبرى فيه الأوربيون يؤكدون في سبر للآراء إن «دولة إسرائيل» هي الأخطر في العالم على الأمن والسلم في العالم، جاء هذا الشريط لينفض كلّ شيء... وليعتمد أسلوب «الطاولة الممحوّة» «La table rasé» لكلّ القضية... وبكلّ تفرعاتها لتقول لنا «صمتا... إن الصهاينة يحبّون... صمتا إن الجنود الإسرائيليين على عشقنا قادرون»! هكذا بين العشق الذي نراه إلى اليوم وإلى الغد... وإلى ما بعد الغد... والمتمثل في قنابل عنقودية وصواريخ قاتلة وجثث أطفال متناثرة... ودماء وجنازات مختنقة أصوات الماشين خلفها... تأتي مخرجة «عربية» وتقول إن هذا الأمر متقادم... وأنّ الجندي الإسرائيلي ودود... فلا نعلم من نصدّق... أأنفسنا نصدّق أم فيلم الطائرة الورقية والذي يشير بالمناسبة إلى أن قصة الحب بين لمياء اللبنانية و»يوسف الجندي الإسرائيلي» ليست الأولى بل هناك قصّة أخرى بين جندي أكبر منه سنّا وجميلة قريبة لمياء! نعم هكذا يسوّق الاحتلال عندنا... في العراق يشكر «وزير» من الحكومة المعينة الأمريكان لأنهم ضربوا سامراء ب»قسوة» وخلّصوا العراق من جماعات إرهابية فتطالعنا الصور الحية وهو يتكلّم جثثا لنساء وأطفال وشيوخ وفي فلسطين كما الجولان إن تمرّد أهله وجنوب لبنان شريط رندة شهال ليكذّب أعيننا ويدعونا إلى تصديق خيالها... أو لنقل «منامة العتاريس» على رأي التونسيين... حتى الاحتلال تناولته بشكل فلكلوري حين غرق «الجندي يوسف» في حب «لمياء». واعترف لمن «اكتوى» بنار حبّ جميلة قبله، (وهو جندي يكبره سنّا ووضعا) قال له الجندي الكبير طيب الحلّ في أن ترى «لمياء» باستمرار تكتب مطلبا إلى رؤسائنا في قيادة أركان الجيش الإسرائيلي تدعوهم إلى ضمّ بقية القرية، وعندها تصبح لمياء عندنا... أي لدى إسرائىل! هكذا هو المنطق الدرامي... والخيال السينمائي... وددت لو رأيت المخرجة وغيرهاممن لا يعون الحقيقة لأحيلهم على أفلام أتقنها اليهود وأبهرت العالم وجعلته يناصرهم على كذبة «الحياة حلوة» «La vie est belle» «لوودي آلان» «Woody Allen» والساعة الخامسة والعشرون «La 25ème heure» ... لكن... نسيت الإشارة إلى أن الشريط حذفت منه 30 دقيقة... وأنا لا أظن أنها إن بثّت سيتحول عنوان الفيلم إلى «اللاءات الثلاث»..