فاجعة جديدة في السواحل التونسية... الباحثون عن الفردوس يتحولون الى طعم للاسماك في البحر ومن قبل كانوا ضحية طعم الاسماك على اليابسة... أولئك الذين يرتزقون من ارسال الشبان الى الموت... مجرمون. مواسم الهجرة الى الشمال... من افريقيا عبر حدودها الشمالية لن تتوقف رغم الجهد الذي تبذله الدوائر المسؤولة... تلك التي همها حماية الشبان من أنفسهم... من إغراء سماسرة الموت... حياتهم من الموت... مواسم الهجرة الى الشمال لن تتوقف لان جيراننا في الشمال مازالوا يعتبرون المسألة قضية أمنية... وينادون بمزيد احكام حراسة المياه لمنع المتسللين... هم يعرفون ان القضية تتجاوز الجانب الأمني ولكن النظر الى أبعد من ذلك يكلفهم جهدا آخر ومسؤولية أخرى فيها تكاليف... أصدقاؤنا في الضفة الشمالية يعرفون جيدا ان الحارقين القادمين من داخل افريقيا او من شمالها ليسوا قطاع طرق ولا هم ارهابيون او يودون الحاق الاذى بدلهم... هم يعرفون ان الحارقين يبحثون عن مورد رزق وان الهجرة بين الضفتين لم تتوقف أبدا في الاتجاهين فهم جاؤوا الى بلاد افريقيا غزاة وجاؤوها مبشرين وجاؤوها مدرسين ومهندسين... وجاؤوا مستشارين... وهم ربطوا بطن افريقيا بمزارعهم ومصانعهم... وعقلها بلغتهم وتاريخهم وحضارتهم... أوروبا على «مرمى ساعة طيران» من افريقيا والشاب امام التلفاز يعيش ليلا في بذخ اوروبا ويفيق نهارا على واقع متعب... غير أن أصدقاءنا في الضفة الشمالية مازالوا يعتقدون في زهوهم ان البحر يحميهم من رؤية العواصم القصديرية في افريقيا... فاذا بها تأتي اليهم... عمّالا بنوا الطرقات والجسور وناطحات السحاب ونسجوا الحرير الذي يرفلون فيه... ثم جاء يوم قالوا فيه «ستوب» للهجرة... فيزا... فيزا... وطالت صفوف المذلة امام القنصليات في كل العواصم الافريقية... ستوب للهجرة في زمن العولمة... زمن ازالة الحدود يعبر الماعز والبقر ولا يعبر البشر... اداروا ظهرهم للقارة السمراء ليأخذوا بالاحضان بيض اوروبا الشرقية وبقايا الاتحاد السوفياتي... هناك أمطرت السماء ذهبا هبة للوافدين الجدد... وتنقلت الرساميل بسرعة البرق وتحولت مصانع بأكملها لدعم النسيج الصناعي وتشغيل العاطلين وأصحاب الشهادات العليا... ولم تعد افريقيا في الصورة... وان امضوا معها اتفاق «شراكة» فهو بالأساس اتفاق أمني... ونسوا أن الحلول أعمق من هذا بكثير... لذلك فان قوارب الموت ستتواصل لتثقل ضمير الناس الميسورين الذين فقدوا روح الشراكة والتعاون يوم تخلوا عن «أصدقاء تاريخيين» واشتروا اصدقاء جددا بالمال... وآه يا بحر...