كلما اشتدت ضربات المقاومة الفلسطينية صارت حكومة الاحتلال الاسرائىلي اكثر ارتباكا واشدّ غباء، وباتت تجتهد حتى في اختيار «التسميات المناسبة» لعملياتها العسكرية بهدف ارهاب الفلسطينيين. وليس ادلّ على ذلك من الحملة العسكرية الاخيرة التي بدأتها قوات الاحتلال منذ ايام في شمال قطاع غزة، والتي اوقعت عشرات الشهداء من الأبرياء. حكومة شارون اطلقت على هذه الحملة تسمية «أيام الندم» وهناك من «اجتهد» في ترجمة هذه الصيغة فأسماها ب «أيام التوبة» او «ايام الردّ» او «أيام العقاب» على ان هذه التسميات جميعا مغلوطة عرفا وشرعا، لأن التوبة لا تكون الا على الضالين، ولا يكون الندم الا للمخطئين ولا يعاقب عما اقترف سوى المذنبين. على ان الفلسطينيين لا ذنب لهم ولا خطيئة اذ يقاومون قوة غاصبة انتهكت ارضهم وعرضهم وأهلكت الحرث والنسل فاكتسبت بذلك صفة المخطئة والمذنبة والظالمة... فأولى بشارون وجنوده ان «يتوبوا» عما يفعلون وان يرتدّوا عن سياسة القتل والتدمير الشامل، وان يتركوا فلسطين لأهلها. ثم ان هذه العملية تعكس حالة الذعر التي اصابت الكيان الصهيوني بفعل ضربات المقاومة فهي تهدف اساسا حسب ما اعلنه قادة الجيش الصهيوني الى منع اطلاق صواريخ «القسام» التي لا يتعدى مداها 12 كيلومترا في اتجاه مستوطنة سديروت. ويعكس هذا الاجراء فشلا امنيا وقلقا وجوديا، ويكمن الفشل الامني في عجز اسرائىل بترسانتها المرعبة عن اخضاع المقاومين الفلسطينيين بأسلحتهم التقليدية المحلية الصنع ولا غرابة في ذلك فالصراع بين الطرفين صراع بين الحق والباطل، والحق ثابت والباطل زاهق ولو بعد حين... وأما القلق الوجودي فيبرز من خلال حرص حكومة الاحتلال على حماية المستوطنات وتسخير كل الطاقات لهذه الغاية لعلم الصهاينة ان اقامتها اجراء غير شرعي وانها تبعا لذلك هدف مشروع للمقاومة. وتقضي العملية العسكرية الاسرائىلية الاخيرة كذلك بأن يسيطر جيش الاحتلال على اراض بعمق 9 كيلومترات في شمال قطاع غزة والاستعداد للبقاء في الشريط المحتل لمدة طويلة، وهو ما يتعارض مع خطة الانسحاب المزعومة التي يروّج لها شارون. ولقد طرح قادة الجهاز الامني الاسرائىلي احتمال استدعاء قوات من الاحتياط وهو ما يعني نجاح المقاومة بوسائلها البسيطة في فرض نفسها على أجندة حكومة الاحتلال التي صارت تقرأ الف حساب قبل الإقدام على اية خطوة ضدّها. ورغم كل ذلك توقعت مصادر امنية اسرائىلية ألا تؤدي العملية الى وقف نهائي لإطلاق صواريخ «القسام» وانما الى تقليصه فحسب، بل ان هذه المصادر ذهبت الى حدّ الافصاح عن ان الهدف من هذه الحملة العسكرية يكمن في إحداث «توازن رعب» مع الفلسطينيين، وفي ذلك اقرار ضمني بأن الصهاينة باتوا في حالة ضعف وان المقاومة الفلسطينية هي التي «تعاقبهم» باستنزاف اموالهم وأرواحهم وعتادهم العسكري، وهي التي تحدد مستوى الصراع وأبعاده وكيفية التعامل مع الوضع الميداني. وهب ان «أيام» شارون لمعاقبة الفلسطينيين ستكون طويلة فإنها لن تزيد على اية حال عن عملية «السور العراقي» التي نفذها جيش الاحتلال قبل نحو عامين ونصف في الضفة الغربية، ثم انها لن تكون حتما بلا نهاية، وسيأتي اليوم الذي تردّ فيه المقاومة بقوة وسيكون النصر حليفها بلا شك لأنها ببساطة تدافع عن قضية عادلة، قضية التحرر وسيدرك شارون ان عمر الاحتلال قصير، وليعلم ان الايام دول، من سرّه زمن.. ساءته أزمان!