صندوق الزكاة يسقط في الماء (متابعة)    المكلّف بملف الإعلام في وزارة المالية ل"الصباح نيوز": الإعلام العمومي والمصادَر في حاجة لانعقاد مجلس وزاري عاجل    انتاج الفسفاط يصل الى نحو 5ر3 مليون طن من جانفي حتى موفى نوفمبر 2019    هذه الليلة: طقس بارد مع أمطار مؤقتا رعدية ورياح قوية    ناجي البغوري: "تفعيل الاتفاقية الإطارية المشتركة للصحفيين يتطلب المصادقة على الإتفاقية القطاعية والنقابة بصدد التفاوض بشأنها مع المؤسسات الإعلامية"    إدارتا شرطة وحرس المرور تحذران مستعملي الطريق    الوردية.. القبض على شخصين وحجز كمية من الأقراص المخدرة    شوقي الطبيب: سيتم قريبا تركيز لجنة تتولى إسناد مكافآت مالية للمبلّغين عن الفساد    الشواشي ل”الشاهد”: سنلتحق مجدّدا بمشاورات تشكيل الحكومة إذا دعانا الجملي    استعدادادات حثيثة لإجراء الاختبارات التجريبية لقطارات الشبكة الحديدية السريعة خط سيدي حسين السيجومي بمسار خط منوبة    الأردن.. وفاة شخص وإصابة 49 آخرين بإنفلونزا الخنازير    الرئيس العراقي يدعو "المتظاهرين" لاختيار رئيس حكومة جديد    الحكم بالسجن على رئيسي وزراء الجزائر السابقين    لاعبو النجم ينهون الإضراب.. والمساكني جاهز للمباريات    وزارة الصحة تدعو المواطنين الى توخي المزيد من الحذر عند استعمال وسائل التدفئة التقليدية    بداية من 2020: “واتساب ” لن يعمل على هذه الهواتف    تفاصيل الاطاحة بمسؤولين يدلّسون العقود ببلديّة المرسى    اول ظهور لهالة الركبي بعد ابتعادها عن الاضواء لسنوات وحقيقة البرنامج الضخم    "للات النساء" عمل تركي مدبلج عن كفاح المرأة على قناة نسمة    تونس : القبض على عنصر تكفيري مصنف “خطير” بأريانة    استعدادا ل"كان" ومونديال 2021.. 4 وديات لمنتخب الأواسط    القصرين : إلقاء القبض على شخص جزائري الجنسية بحوزته 2 فاصل 5 كغ من مادة القنب الهندي    الترجي يشد الرحال نحو الدوحة و23 لاعبا في الموعد    تطاوين : تمشيط منطقة واسعة من ” جبال الظاهر ” للقبض على عنصرين مسلّحين تم الابلاغ عن وجودهما    بالفيديو: محمد كوكة : "بعد وفاتي... نحب جثتي تتحرق"    عبير موسي: مقترح صندوق الزكاة ضرب للدولة المدنية وتأسيس لدولة الخلافة    وزارة الفلاحة تحذر البحارة    10 ألاف مكشّخ يساندون الترجي ضد الهلال    تونس/ اتّحاد الفلاحين: “قرابة 600 معصرة زيت تُعاني جملة من المشاكل”    فقدان طائرة عسكرية في تشيلي    إقالة مسؤول بسبب "جام" على الفايسبوك : الخطوط التونسية تكذّب عماد الدائمي وتوضح..    أيام قرطاج المسرحية 2019 : ''جزء من الفانية''... تعبيرات عن متناقضات التركيبة النفسية للبشر    تعرف على قرعة مجموعات دوري أبطال آسيا    الكاف.. فتاة 14 سنة تقدم على حرق نفسها    جندوبة: انخفاض درجات الحرارة...وفاة عجوز حرقا بسبب ''كانون''    في حملات للشرطة البلدية.. 180 عملية حجز وتحرير مئات المحاضر والمخالفات    سعر صرف العملات الأجنبية بالدينار التونسي    في الحب والمال/ هذا ما يخفيه لكم حظكم اليوم    زيت الزيتون التونسي يتوّج بالذهب    دراسة جديدة : المشي على الأقدام إلى العمل يقلل من خطر الإصابة بالسكري    بوتين: يعاقبوننا رياضيا لاعتبارات سياسية    كأس العالم - قطر: المشروبات الكحولية ستكون متاحة في منطقة المشجعين    «جوجمة... برشة حس» للمختبر المسرحي ببرج الرومي .. عندما يبدع المساجين في إدانة مناهج العلاج النفسي!    المعرض الوطني للكتاب التونسي (9 19 ديسمبر 2019 ) إنتاج الكتب في تونس ارتفع الى 2000 كتاب سنويا    هند صبري تنعى المخرج المصري سمير سيف    باردو: المترو يدهس كهلا    الداخلية تعلن عن القبض على شخص مفتش عنه لفائدة "الانتربول"    نوفل سلامة يكتب لكم : في لقاء محاورة المنجز الفكري للدكتور هشام جعيط .."هل يكتب المؤرخ تاريخا أم يبني ذاكرة"؟    “مودييز” تحطّ من تصنيف خمسة بنوك تونسيّة    دوري أبطال أوروبا (مجموعات / جولة أخيرة): برنامج مباريات الثلاثاء    تونس: حجز أكثر من 100 ألف قرص مخدّر    كميات الأمطار خلال ال 24 ساعة الماضية    أردوغان يلوّح بإرسال قواته إلى ليبيا    سوسة .. تحوّلت إلى أوكار للمنحرفين ..المدينة العتيقة مهدّدة بالسحب من قائمة «اليونسكو»    بكل موضوعيّة: أخبار التاريخ غير مقدسة    دولة عربية تمنع تدخين ''الشيشة'' في المقاهي    يقضي على نزلات البرد: 12 مشكلة صحية يتكفل بحلها النعناع    في الحب والمال/هذه توقعات الأبراج ليوم الاثنين 09 ديسمبر 2019    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





«المشي على شفرة واحدة» للكاتب مراد ساسي 2\3....تعدّد الأصوات وتقنية الاسترجاع
نشر في الشروق يوم 14 - 11 - 2019

«فصار هو والشيخ يتبادلان المنافع القليلة ويتقاسمانها. يتعاونان معا لاستعباد سكان الجهة وتشغيلهم في أراضيهم دون مقابل أحيانا. كما يتنافسان على دفعهم إلى رهنهم أراضيهم ثم افتكاكها زورا وبالقانون عند العجز عن الدفع. والتضييق عليهم في الرزق. ثم يتواصل الأمر مع بداية دولة الاستقلال إلى حدود السبعينات. بدخول طرف ثالث هو النائب عن الجهة الذي زار المنطقة المنسية بهدف نيل أصواتهم حتى يحصِّل كرسيا بالبرلمان. موظفا العمدة والكومبتا ومالكي الأرض. فيقومون بحملة انتخابية لفائدة هذا النائب المحتمل القادم من العاصمة مقابل رشاو يقدمها لهؤلاء التابعين اولخدم عند السلطة، ميسرا لهم ربما ولوج عالم المال والأعمال والامتيازات. وأما العامة فلا شيء ينويهم غير ولائم يملؤون من خلالها بطونهم يوما أو بعض يوم ثم يجوعون. وخلال هذا الجزء من الرواية يحيطك السارد بظروف أهل قريته الاجتماعية ومستوى وعيهم وثقافتهم المتصلة بالأساطير أو التدين الساذج واللاعقلاني، من خلال الإيمان بالأولياء الصالحين كسيدي غيلان وقدرته على تغيير الواقع والارتقاء به لصالحهم، كالتعجيل بنزول المطر لمجابهة الجفاف، وأن تخرج الأرض من قثائها. كما نقرأ عن سلطة المؤدب الدينية المبنية على الجهل من ناحية والشذوذ الجنسي. مما خلق شروخا نفسية عند الأطفال في شخصياتهم ووعيهم لاحقا. إلى جانب التعرض إلى علاقات الحب والزواج ومحاكمة عقلية المجتمع الذكورية التي تستغلّ المرأة وترى فيها أداة لإشباع الجوع الجنسي دون وجه حقّ باستغلال ظروفهن لضيق اليد وحاجتهن إلى لقمة العيش.
لكن، في هذه البيئة الفقيرة المعزولة، قد تبزغ الشمس يوما فتضيء الكون أو ينزل المطر رذاذا أو طلاّ فيغسل الأدران ويُجري الماء وتنبت الأرض من خيراتها فينشأ الأمل ويخرج نبت جميل هو الشباب المتعلم.
إنه فعل التعليم الذي بدأ يؤتي أكله ويحفر في هذه البيئة ويسعى لتغييرها والارتقاء بتفكيرها محدثا ثورة. إنه محجوب بطل الرواية هذا الطفل يتيم الأبوين الذي رباه الخال نراه يتعلم وينجح ويتميز ويحصل على الباكالوريا ثم يدخل الجامعة. ويصير لديه وعي طلابي بالسياسية والثقافة مما يجعله مطاردا من البوليس ومهددا بالسجن والإيقاف. فيسكن الميناء ويتعرف على الشيخ البحار و"بنقة "اللذين يطمئنان إليه ويفتحان أمامه مغاليق الماضي وتجارب حياتهما الخاصة. وييسّران له الحرقة إلى إيطاليا دون وثائق. ومنها إلى المشرق سوريا ولبنان. إلى جانب تعلم ابنة العمدة التي أحبت محجوب فعاشا قصة حبّ لم تكتمل بفعل عملية الخصي التي تعرضت إليها أي " " التصفيح" فجعلتها لا تستمتع بجسدها فتُخمدُ لذتها أو تُقتلُ. فتقرر الهروب من هذه البيئة مع فرنسي إلى الخارج ثم تنهي حياتها لاحقا انتحارا كاعتراض منها على رفضها لمجتمعها ومحاكمته. مجتمع يحاصر الحبّ ويستلذ الزنا ويغتصب شرف العذارى الضعيفات (بهجة في المدينة العتيقة وأمّها قبلها).
المشي على شفرة حادة وأساليب القص
سيطر السّرد بضمير المتكلم المفرد المذكر على كامل الرواية بإضاءة جوانب عديدة من حياة البطل في الماضي وواقع القرية وأهلها مما يُعتبر تأريخا للمكان وأهله. ماض بعيد هو زمن الاستعمار. وماض وسطي هو فترة السبعينات وماض قريب هو فترة التسعينات وما بعدها أي فترة تفكك الاتحاد السوفياتي والحروب العرقية والدينية في يوغسلافيا بين البوسنيين والسّرب. غير أن السارد الرئيس يتخلى أحيانا عن هيمنته المطلقة لفائدة شخصيات أخرى متيحا لها فرصة أن تبوح وتحكي فتوسع من معارف البطل وتعمّق تجربته في الحياة فتعدّد الأصوات. وهذه الأصوات هي في حقيقة الأمر أدوار سردية تقوم بها شخصياتٌ روائية مكَّنها الراوي الأصلي من إمكانية مشاركته السرد والتقدّم بالأحداث. كالخال بوشنب والأم السالمة وابنة العمدة والنائب والبحار وبنقة وبهجة بائعة الهوى في المدينة العتيقة. بعضها عربي كالشيخ اللبناني وعشيقته الكردية السورية وابنتها وبعضها أجنبي كالصهيوني اليوغسلافي مروج الأسلحة في المشرق العربي ومرية الغجرية والعرّاب والكابو والإسكافي والرئيس وغيرهم وهم شخصيات مافيوبة تبيع المخدرات وتتاجر في السلاح عبر العالم. ووراء كل شخصية قصة مؤلمة. إذ يعاني جميعها في محيطه اليأس والخوف والتهديد بالموت. إلى جانب إشارات أخرى جاءت على لسان رجل الموساد عند حديثه عن الصراع بين الفصائل الفلسطينية في الضفة والقطاع أو بين القوات الفلسطينية والجيش الأردني في شهر أيلول الأسود. مما جعل هذه الرواية تبتدئ بالبحث في الحياة الاجتماعية للشخوص ثم تتحول إلى سجل تاريخي سياسي بدأ بما حدث في بلد المنشأ تونس وانتهى بالمشرق وإيطاليا، بلد المافيا والإجرام وشراء السّاسة بالمال فيكونون خاضعين للجماعات المسلحة المتحكمة فعلا في المشهد السياسي.
رواية ' المشي على شفرة واحدة " 236 ص
الكاتب " مراد ساسي
صادرة عن أبجديات النشر والتوزيع / سوسة
الطبعة الأولى 2019


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.