دفع الإستثمار والشراكة بين تونس وإسبانيا محور لقاء علي الكعلي بسفير إسبانيا بتونس    ربط أوّل وحدة سياحية للتزوّد بالغاز الطبيعي بجربة وقريبا ربط نزل ووحدة صناعية في جرجيس    بطولة الكرة الطائرة.. برنامج اياب الدور ربع النهائي    كان الأواسط.. التشكيلة الأساسية للمنتخب في مواجهة المغرب    مطاردة على الحدود مع ليبيا...وحجز 15 ألف قرص دواء مهربة    وزارة الدفاع: إنقاذ 7 تونسيين عرض البحر    بالصور/ منوبة..ورشة عمل لاطارات الشباب حول مفهوم التنشيط ودور المنشط    بالصور/ منوبة..ورشة عمل لاطارات الشباب حول " مفهوم التنشيط ودور المنشط"    سامي الطريقي لالصباح نيوز: تظاهر أنصار النهضة وحزب العمال في وقت واحد ومكان واحد عرس ديمقراطي    وزير السياحة: مشروع مراجعة نظام تصنيف النزل يهدف الى تطوير القطاع الفندقي    الهايكا تسلط خطية مالية ضد قناة التاسعة    قرعة الدوري الأوروبي: مواجهة مثيرة بين ميلان ومانشستر يونايتد    ارتفاع عدد الموقوفين إلى 8 أشخاص.. مستجدات قضية "النفايات الايطالية"    42,9 بالمائة من المستجوبين في استطلاع للرأي حول نوايا التلقيح ضد فيروس كورونا لدى مهنيي الصحة، مستعدون للتطعيم    جمعية القضاة تطالب وزير العدل باحالة الابحاث المتعلقة بالمآخذ المنسوبة للقضاة إلى الجهات المختصة    وزارة التربية: هكذا ستكون مواضيع امتحانات الباكالوريا والنوفيام والسيزيام    مبادرة جديدة للتحالف من أجل النادي الافريقي لدعم خزينة النادي    رئيس النقابة الجهوية للفلاحين بسوسة في تصريح ل" الصباح نيوز": ارتفاع أسعار الاعلاف أضر بمربي الماشية ..وسنخوض تحركات احتجاجية    توقيت غلق المطار بالرؤية ! من شروق الشمس الى غروبها !    الجلسة العامة الانتخابية لاتحاد تطاوين ..عكرمة الوذان يواصل المسيرة    انزلاق أرضي خطير قرب المدرسة الابتدائية "الشحارير" بعين دراهم يهدد مستعملي الطريق    الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية نحو رقمنة الخدمات: ضمانة للجودة وتعزيز للشفافية    في ندوة لائتلاف "collec "..دعوة الى الايقاف الفوري للعمل بالفصول السالبة للحرية في قانون 52 وسحب القنب الهندي من الجدول "ب"    إحباط ثلاث عمليات هجرة غير نظامية    وزارة الطاقة: نحو زيادة جديدة في سعر المحروقات    رفض الإفراج عن المحامي بسام الحمروني    بعد 7 أعوام.. الكاف يرفع الحظر عن الملاعب الليبية    النّادي الصفاقسي: اليوم موعد الجلسة العامّة الانتخابية    غلق النفق المتواجد أمام مطار تونس قرطاج الجمعة لاستكمال الأشغال    مهدي محجوب: إرتفاع أسعار السيارات بسبب ارتفاع الآداءات وتدهور قيمة الدينار    قابس: تسجيل حالتي وفاة و20 إصابة محلية جديدة بفيروس "كورونا"    سيدي بوزيد : إصابة 6 عاملات بالقطاع الفلاحي في حادث مرور    عرضت نصف مليون دولار لمن يعيدهما.. سرقة كلبين لليدي غاغا في هوليوود    رئيس حكومة الوحدة الوطنية في ليبيا يلغي زيارته إلى المغرب    أول رئيس للنيجر من أصول عربية    الرابطة الاولى (ج 14).. الترجي لمزيد الهروب والافريقي للشروع في الانقاذ    تفاصيل القبض على منحرف من أجل الإعتداء بالعنف الشديد على شخص بواسطة سيف كبير..    في حملات للشرطة البلدية.. 163 عملية حجز و154 إزالة فورية    القصرين.. ايقاف عنصر تكفيري مفتش عنه ومحكوم بسنة سجنا    في العاصمة: القبض على 03 أشخاص من أجل ترويج المخدّرات وحجز كمية من مخدر القنب الهندي    رئيس حكومة الوحدة الوطنية يقدم هيكلية حكومته إلى البرلمان الليبي    الوضع الوبائي بمختلف الولايات: الجمعة 26 فيفري 2021    لأول مرة.. سلالة كورونا البريطانية المتحورة تظهر في الجزائر    سيدي بوزيد: إصابة 6 نساء في حادث بمنطقة الصفايا من معتمدية السعيدة    الإعداد لاستعادة النشاط السياحي محور ندوة عن بعد    تونس: هكذا سيكون الطقس اليوم    واشنطن: نشر تقرير مقتل خاشقجي خطوة نحو الشفافية والمحاسبة    ملكة بريطانيا تتحدث عن تجربتها الخاصة مع لقاح كورونا    صلاح الدين المستاوي يكتب: في غياب شيوخ الزيتونة عن الإعلام مخاطر تتهدد وحدة الدين والمذهب في تونس    السعودية: الكشف عن موعد أول رمضان وعيد الفطر    المتفرج فارس: الوطنية "تتفكر" صلاح مصباح ...    نقابة المهن التمثيلية ترد على شائعة وفاة النجم يوسف شعبان    عيسى البكوش يكتب/ في ذكرى رحيل صالح جغام...أحد الفرسان الثلاثة    شيخ مصري يشعل جدلا غير مسبوق: «صعدت للسماء السابعة.. للقاء الله" !!    التونسي رمزي الملوكي يقدم حفل مهرجان ''Golden Globes'' افتراضيّا    بالصورة.. لطيفة تهنئ الكويت    رضوى الشربيني: أنتظر رحمة الله    بالفيديو..هند صبري تتحدّث عن مسلسلها الجديد على ''نتفليكس''    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





مجموعة "كذلك " للعراقي برهان المفتي(2\3): الاعتماد على الرمز يضمن للقارئ حريّة التأويل والتفسير
نشر في الشروق يوم 23 - 01 - 2021

بعد جزء اول عرّفنا فيه بالكاتب العراقي برهان المفتي وبيّنا أسباب ودوافع اهتمامنا بمجموعته القصصية " كذلك " نواصل اليوم نشر الجزء الثاني من هذه القراءة:
و بسبب كل ما تقدم وجدتني أقبل على مطالعة القصص بلهفة ، و أتصيّد لما يمكن أن يؤكّد أو يفنّد ما جاء في غلافي المجموعة، أي أنني أقبلت على مطالعة النصوص بعقلية المتصيّد للهنات و الأخطاء، إلا أنني و للحقيقة أُعجبت بالقصص و وجدت نفسي مشدودًا إلى طقوسها و مهووسًا بإيحاءاتها و هو ما جعلني أشعر بالمتعة زمن القراءة.
فمنذ اطلاعي على نص الإهداء، تأكدت من تورّطي في صياغة أحداث كل القصص التي احتواها الكتاب. كما شعرت أنني مقبل على قراءة نصوص مختلفة، ستقودني حتمًا إلى التعرّف على إنتاج مبدع يسعى إلى التجديد و الإضافة النوعية.
فنص الإهداء كان مختصرًا لكنه بليغ جدًا ، حيث كان كما يلي:
"إلى طرفي هذه القصص/ نحن ... و الخيال." (ص: 5)
و يلاحظ معي القارئ أن الكاتب برهان المفتي يدفعنا إلى التورّط في ثنايا حبكته القصصية، من خلال هذه ( نحن) السّابحة بخيالها بين طرفي هذه القصص التي صيغت بطريقة تدعونا إلى البوح بمواقفنا تجاه كل ما يعترضنا في معترك الحياة، فهي ليست حكايات تسجّل الواقع، بل أشعر أنّها كانت لوحات فيها الكثير من الشاعرية، استغل فيها الكاتب جيدًا فنيات الكاركاتير ، لذلك أشعر أن كل النصوص كانت حمّالة لمعاني و مقاصد متنوعة و ربما تختلف حتى لدى القارئ الواحد من قراءة إلى أخرى حسب تغير الأوضاع.
و مواصلة لنفس هذا التمشّي الذي يرتكز أساسًا على تفسير تأويلي لبعض عتبات الكتاب، أرى أنه من المفيد الانتباه مثلًا إلى المقارنة و البحث عن أوجه الترابط، أو التنافر بين عنوان القصة الأولى في المجموعة و هو ( مدينة الزجاج) و البحث عن علاقته بعنوان القصة الأخيرة في الكتاب و هو ( وليمة الجراد). و نلاحظ مثلًا أنها جاءت خبرية، و في شكل جمل اسمية، و الحال أن البناء القصصي في النصين جاء رمزيًا ، و صادمًا للقارئ بما أن الأحداث تدفعه إلى تأنيب داخلي بسبب الانهزامية التي أصابتنا جميعًا في تعاملنا مع الواقع المعاش. أو هذا هو حقيقة الشعور الذي انتابني و أنا أتابع السرد القصصي للنصين ، رغم أن النص الأول كان بداية اكتشاف من طرفي لأسلوب الكتابة لدى برهان المفتي، بينما أتممت قراءة القصة الأخيرة في المجموعة( وليمة الجراد) و لهفتي تزداد للاطلاع على كتاباته التي نشرها بعد هذه المجموعة علّني بذلك أتمكّن من كسب رؤية أوضح حول تجربة هذا القصاص المبدع.
و لأنني لا أؤمن بالمجانية و الصدفة في أي عمل فني ، سأحاول البحث عن بعض التّأويلات البلاغية لقصص المجموعة، من خلال التوقف عند الفقرة الأولى في الكتاب، و آخر فقرة فيه ، حتى و إن لم يكن يخطط القصاص لذلك، لإيماني بأن أي كتاب يصدر يصبح ملكًا لقارئه، لذلك يحق له الاعتماد على جميع العتبات قصد بلوغ التأويل الأنسب.
فمنذ أول فقرة في المجموعة، يشعر القارئ أنه مقدم على مطالعة نصوص تدعو إلى التفكير، و التجنيح بالخيال بعيدًا ، و في أعماق ذواتنا خاصة. بل أشعر أن الجملة الأولى و التي كانت اسمية و خبرية أيضًا ، كانت مربكة و مرعبة أيضًا. ينطلق السرد هكذا:( مدينتنا أرضُها من زجاج). فالكاتب يضعنا منذ هذه الجملة الأولى على صفيح متحرك. فرغم رمزية الصورة، شعرت أن مدلولاتها كانت ثاقبة، ومربكة، وتحرّك الانتباه لدى القارئ إلى درجاته القصوى ، و هو أمر محمود في الأعمال الفنية و التي تجدّد حياتها بتنوع القراءات لها.
و حتى تتوضّح الصورة أكثر في ذهن القارئ، سأقدم الفقرة الأولى كاملة، آملًا منه البحث بنفسه عن العلاقة التي تربطها بالفقرة الأخيرة من الكتاب، لأن ذلك قد يساعدنا جميعًا على الخروج باستنتاجات، ربما لم يخطط لها الكاتب و لا قصدها.
ينطلق برهان المفتي في أول فقرة من الكتاب بقوله:"
مدينتا أرضُها من زجاج، مع ذلك، نمشي عليها بكلّ عنف، هناك أجزاءٌ من المدينة تكسَّرتْ و أصبح الدخول إليها خطرًا ، نمشي بتلك الطريقة لأنّنا نريد أن نقلّل الضغط على أقدامنا المليئة بالنتوءات المؤلمة التي هي مسامير تظهر في باطن أقدامنا و تكبر مع الأيّام كأنّها أخطاؤنا! و حين تنكسر الأرض في مكان ما من المدينة، فلا سبيل لإصلاحها." (ص: 7)
و يلاحظ معي القارئ و منذ هذه الفقرة الأولى ميل الكاتب إلى التلميح دون التصريح، و الاعتماد على الرمز دون الوقوع في الخطابة و المباشرتية، و هي اختيارات فنية تمنح القارئ إمكانيات كبيرة في التأويل و التفسير لمقاصد النصوص، و هو الأمر الذي يغلّفها برداء الإبداع. فرغم أن برهان المفتي هو كاتب عراقي، إلا أنني و كقارئ من تونس شعرت أن هذه القصص تحكي واقعنا اليومي المعاش، لأن النصوص في حقيقة الأمر جاءت في لغة شاعرية تأسر لُبّ المتابع لأحداثها الرمزية، و تدفعه بلطف إلى اختيار الموقف الأنسب منها ، مع منحه مطلق الحرية في التفسير و التأويل.
و في محاولة من الكاتب كسرَ و هدم الرّؤية التّأويلية للأحداث ، أقدم مثلًا على خلخلة بعض الثوابت التي كنا نظنها غير قابلة للنقاش. من ذلك مثلًا التسليم بأن الماء هو دومًا أساس الحياة. غير أن أحداث قصة ( مدينة الزجاج) جاءت لتعلمنا في سردها أنّ (... الماء خوف في هذه المدينة.) (ص:9) و يأتي هذا السياق المختلف لمفهوم وجود الماء في بناء سردي متناسق يُشعر القارئ بأن هذا المفهوم العكسي للحياة كان نتيجة لممارسات الحاكمين فينا و الذي قدّمته الأحداث على أنّه المميّز الذي لا يعرفون أصله، و الذي عرّفته القصة بالقول:"... حتى قال ما يُريد أن نَسْمَعَهُ و ليس ما نُريد أن نُسْمِعَهُ." ( ص:8).


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.