أطباء الشبان في إضراب بيومين    كان الأواسط: الغابوني بيار غيزلا اتشو حكما للقاء تونس وأوغندا    أحمد القديدي يكتب لكم: ارحموا أهل الفن والفكر يوم لا يرحمهم الدهر!    يوميات مواطن حر: إفلاس الناس    الصوناد: "من المنتظر استئناف التزويد بالماء الصالح للشرب بجهة أريانة، تدريجيا، ابتداء من منتصف الليل من يوم الأحد"    ناهزت قيمتها المليون دينار ..العثور على كمية كبيرة من المخدرات في البحر بسوسة    صلاح الدين المستاوي يكتب: تعلق المغاربة الشديد بالشيخ الفاضل ابن عاشور رحمه الله    أمير قطر وولي العهد السعودي خلال لقائهما في قمة العلا    بنزرت: فتاة ال 27 سنة تموت في ظروف غامضة    طهران تعلن رسميا رفضها مقترحا أوروبيا للجلوس على طاولة المفاوضات مع واشنطن بشأن الاتفاق النووي    سامي اللجمي : "انتهى زمن حلال عليهم حرام علينا "    بمشاركة ممثلون ايطاليون و تونسيون.. هل توافق هند صبري على بطولة مسلسل يروي قصة نجاح مهاجر تونسي بايطاليا ؟    عنف يوقف مقابلتين..والشطب النهائي وارد    النادي الإفريقي: العيفة والعقربي يدخلان الحسابات.. الهمامي يغيب لأسبوعين.. والوسلاتي يقترب من العودة    المتفرج فارس: غلطة في اسم عبد الرزاق الشابي ...    وفاة الفنان المصري يوسف شعبان    السّرس: حجز مسدّس وبندقيتين وخراطيش لدى شخصين    أسامة الخليفي: ''نحّي الرخصة''    الرّابطة الأولى: النّادي الصفاقسي يفوز على النّجم وينهي مرحلة الذّهاب في المرتبة الثّانية    نابل.. الاطاحة بتكفيري مفتش عنه    إنطلاق الايام الليبية التونسية    الإسباني خوسيه مورسيا يقترب من تدريب النادي الصفاقسي    ماذا يفعل عمر كوناتي في النجم؟    : تأجيل الإضراب العام الجهوي المقرر ليوم 2 مارس    بورما: الشرطة تستخذم الرصاص الحي وتقتل العديد من المتظاهرين    الرابطة الاولى.. السي آس آس يطيح بالنجم وينفرد بالمركز الثاني    بنزرت/كورونا:احداث خلية استشارية للمرافقة النفسية لفائدة الاطارات الطبية وشبه الطبية    زهير حمدي: المطلوب حاليا تجميع القوى الوطنية التقدمية من أجل مشهد سياسي مغاير    وفاة الفنان المصري يوسف شعبان بعد صراع مع فيروس كورونا    صلاح الدين المستاوي يكتب: حضور الزيتونة في ملتقيات الفكر الإسلامي بالجزائر كان يمكن ان يكون اكبر    إحباط 6 عمليات إجتياز للحدود البحرية خلسة    أطباء يدعون لإنتاج الأدوية الكفيلة بمعالجة 600 ألف تونسي مصاب بمرض نادر    حركة النهضة تعتذر عن التجاوزات في حق الصحفيين خلال مسيرة أمس    طبرقة: سرعة جنونية لسيارة تنتهي بحادث قاتل..    مجلس الأعمال التونسي الإفريقي يدعو لإعلان حالة الطوارئ الاقتصادية القصوى    باجة/كورونا: 2 وفيات و 17 اصابة جديدة    ''مهند'' يستخدم عربة عسكرية لحماية نفسه من كورونا    تجار يجمعون: "صولد" هذه السنة "كارثي".. وتراجع المبيعات ما بين 50 و60%    73 عملية حجز في حملات للشرطة البلدية    مدنين: تسجيل 5 وفيات بكورونا و55 إصابة جديدة    صفاقس: حالتا وفاة بفيروس "كورونا" وتسجيل اصابات جديدة    صفاقس: إحباط رحلة هجرة غير شرعية نحو السّواحل الإيطالية    قتلى وجرحى في انفجار بمجمع كيميائي بالصين    رئيس وزراء الأردن يطالب وزيري الداخلية والعدل بالاستقالة    مقتل 11 شخصا بهجوم مسلح في المكسيك    ماطر: خلع مقر الإتحاد العام التونسي للشغل واتلاف محتوياته    تنديد عربي بالهجمات الحوثية التي استهدفت الأراضي السعودية    زلزال يهز أكبر مدن ألاسكا    رانيا يوسف أمام القضاء المصري بتهمة "ارتكاب الفعل الفاضح"    طقس الاحد 28 فيفري 2021    بطولة ايطاليا: فيرونا يفرض التعادل على جوفنتس    الرسائل كلها وصلت...    بهدف إعلان حالة الطوارئ الاقتصادية.. مجلس الاعمال التونسي الإفريقي يدعو لعقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن القومي    صندوق النقد الدولي يحذر من تفاقم الدين العمومي في ظل غياب الاصلاحات في تونس    شرطان رئيسيان وضعهما صندوق النقد الدولي على طاولة حكومة المشيشي    أوّل أيّام شهر رمضان    توقيت غلق المطار بالرؤية ! من شروق الشمس الى غروبها !    شيخ مصري يشعل جدلا غير مسبوق: «صعدت للسماء السابعة.. للقاء الله" !!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





مجموعة "كذلك " للعراقي برهان المفتي (3/3): بين الواقعية والرمزية
نشر في الشروق يوم 24 - 01 - 2021

كنا لاحظنا في الجزء الثاني الذي نشرناه امس السبت ان نصوص برهان المفتي تدعو إلى التفكير، و التجنيح بالخيال بعيدًا وقلنا أن الجملة الأولى و التي كانت اسمية و خبرية أيضًا ، كانت مربكة و مرعبة ونواصل اليوم في هذا الجزء الثالث والأخير قراءة مجموعة برهان المفتي:
و نلاحظ من خلال كل ما تقدّم أنّ الكاتب اختار منذ البدء قارئه، حيث أنّ القصص و بحكم إدانتها في أحداثها للانهزامية، كانت ترفض القارئ السّلبي و لا تقبل إلا بمن يُقدم على تشكيل الأحداث في صياغة تأويلية تتماشى و قناعاته. لذلك أكاد أجزم أن قصص المجموعة منفتحة على التعدد و التراكم بفعل تنوع القراءات.
ففي آخر فقرة من نصوص المجموعة، شعرت و كأن الكاتب يُقدّم لنا جوابًا لأسئلة الفقرة الأولى في الكتاب، رغم أنها ليست رواية، بل هي فقرة من القصة الأخيرة. فهل يعود ذلك إلى أن الكاتب في نهاية الأمر كان مهووسًا بسؤال جوهري وحيد؟ أم إنه كان متسلّحا في جميع نصوصه بأدوات الرّسم، و لذلك جاءت المجموعة في شكل لوحة فنيّة متماسكة الأطراف؟ و ما التركيز على موضوع الانكسار و الانهزامية، إلا مدخلًا تأويليا لإحدى استنتاجات القصص.
و لإضفاء الوضوح على ما ذكرت، أقدّم للقارئ الفقرة الأخيرة في الكتاب و التي جاء فيها:"...لكن تلك العيون الجاحظة تجمّدت و هي تنظر إلى المريض ذي الجسم المكوّر الخامل و ما عليه من كسوة و رداء ... حتى اندفع واحد من الناس ليأخذ نصيبه ممّا يرى... فتبعه الناس أجمعون، و النمل تحت الأقدام و في كلّ مكان... و بين هذا الهيجان، تداخلت الأيدي والأقدام،... فلا تدري من يأخذ ممّن، أو من يظفر بشيء. و حين حلّ ظلام المغيب، لم تكن في الغرفة إلاّ بقايا كتلك التي يتركها الجائع و هويغادر وليمة دسمة!!". (ص: 109)
و نلاحظ من خلال كل ما تقدم، اعتماد الكاتب برهان المفتي على لغة شاعرية في قصصه مع الارتكاز على الرمزية المنفتحة على تأويلات مختلفة، و هو ما أعطى لكتاباته قيمة إضافية. لذلك أرى أنه من المفيد التقاط بعض الجمل التي رأيت أنها تساعد على تقريب الصورة التقديرية و المثلى لإبداع برهان المفتي و الذي شعرت أنه يحترم كثيرًا قارئ أدبه.
من هذه الاختيارات، أذكر مثلًا ذاك التّساؤل المدسوس في قصة( مدينة الزجاج) و الذي جاء كما يلي:"... هل الناس جميعًا بأقدام مسمارية؟..." (ص: 7)، فهذا السّؤال يفتح أمامنا شبابيك الخيال واسعة و يجعلنا نبحث حقيقة عن مدى امتلاكنا لأدوات مواجهة هذا المصير الجديد و الذي جعل من (مدينتنا أرضُها من زجاج)، حتى يُفترض امتلاكنا جميعًا لأقدام مسمارية تُخوّل لنا مجابهة الواقع.
كما أشعر أن الجملة التي جاءت في قصة ( ربّما تعرفونهم) و التي شعرت بعمق رمزيتها، حيث قال: " ... و أخذ كبيرنا من كلّ كلب عظمة الذيل ليجعل منها قلمًا يكتبُ به تاريخ القرية كما قال، و أمر أن نجعل باقي العظام إبرًا دقيقة، و أمرنا أن ندبغ جلود تلك الكلاب..." (ص: 12)
و بالعودة إلى الموروث الشعبي الذي أعلمنا باستحالة استقامة ذيل الكلب رغم وضعه في قصبة مدّة طويلة، تجدنا مصدومين من إصرار كبير القوم على كتابة تاريخ القرية بعظمة ذيل الكلب. فهل يعني هذا أن كل التاريخ الذي كتبناه، لا يمكن له أبدًا أن يستقيم؟ خصوصًا و أن السارد طلب منا بعد ذلك أن نجعل من باقي عظام الكلاب إبرًا ، و هو ما سيسمح لنا بعد ذلك بالتّشكيك في كل التاريخ المكتوب عن القرية.
و إضافة إلى هذا الشعور بالشك و التساؤل الذي يصيب قارئ قصص مجموعة ( كذلك) ، وجدتني مشدودًا إلى نوعية التهم الموجّهة للشخصيات. حيث نجد الراوي يقول مثلًا في قصة " موت مفاجئ" : "...فعلمت أنّني كنتُ أعاني من إفراط في التفكير، و صعوبة في التكيّف مع المتغيّرات المحيطة، و كنت مُدمنًا على التّحليل المنطقي..." ( ص : 20)
و أظن أن مثل هذه التّهم الموجّهة لإحدى شخصيات القصص تفضح الأهداف الحقيقية للكاتب. حيث نلاحظ أنه اختار مخاطبة وعي القارئ دون الادعاء بأنه يسرد عليه خبرًا منطقيًا. و بذلك يتخلّص نهائيًا من الواقعية ليرتمي مباشرةً في أحضان الرّمزية، و التي تتطلّب من القارئ اختيار المدلولات التي تتناسب مع تأويلاته للأحداث.
و تأكيدًا لهذا الاختيار الفني و الأسلوبي في الكتابة القصصية لدى برهان المفتي، نقرأ مثلًا في قصة " حينذاك": "... فنخرج من الوادي إلى يوم نفخ جديد حيث لا صوت في قريتنا، فالشّفاه مشغولة بالنفخ، و لا فعل هنا فالأيادي تمسك بالنفاخات التي تكبر حتى وقت المسير إلى الوادي مع المغيب." ( ص: 55)
و الحقيقة أن مثل هذه الرموز و الصور الموحية إلى مواقف محدّدة من الأحداث كانت كثيرة و متعدّدة، حتى إن القارئ يتساءل أحيانًا ،هل هو بصدد مطالعة سرد قصصي أم يُتابع بذهنه رسم لوحة شعرية موغلة في الخيال؟
و لتأكيد ما ذهبت إليه، أرى أنه من المفيد الإشارة إلى تلك الجملة التي جاءت في قصة " السقوط" حيث يقول الراوي: "... يقومون بخياطة يومهم إلى أحلامهم الّتي ستبدأ بعد أن تميلَ الشمس و تنزل عباءة اللّيل ..." ( ص: 83) أو تلك الجملة التي جاءت في سرد قصة " الفكرة": "... نعم، أنا أخبركم هذه القصة بعد أن تحوّلت جثتي إلى قلم ناطق،..." ( ص: 93)
و أتمنى أن أكون، و من خلال هذه الفقرات و الجمل المنتقاة من القصص، قد تمكنت حقيقة من تقديم بعض مميزات الكتابة القصصية لدى برهان المفتي، هذا المبدع الذي شعرت أن الرسم الكاريكاتيري شغله كثيرًا عن الاهتمام بإبداعاته القصصية، و التي أشعر أنها كانت إضافات نوعية للمكتبة الأدبية بصفة عامة. و من باب الأماني الشخصية، أقترح على الكاتب نشر طبعة جديدة من مجموعته ( كذلك) تكون كل قصة منها مرفوقة برسم كاريكاتيري خاص بها.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.