مازال بعض المسؤولين وغير المسؤولين ممن ينسبون أنفسهم الى العراق مصرين على المزايدة على سلطات الاحتلال في وصف هذه المهمة «النبيلة» التي يقوم بها الامريكيون في العراق ويتسابقون في الخروج بتصريحات أشد تطرفا... وأشد مضاضة على العراقيين. مازال هؤلاء يتحدثون عن «تحرير العراق» ولايعترفون بشرعية المقاومة ولا بوجودها قوة أساسية فاعلة ضرورية ولا غنى عنها في حاضر العراق ومستقبله، وليس آخرهم مسعود برزاني زعيم ما يسمى بالحزب الديمقراطي الكردستاني الذي رفض وصف قوات الاحتلال الامريكي في العراق بأنها «عدوة» لأنها في رأيه «حررت الشعب العراقي» بل إن الزعيم الكردي ذهب الى حد التصريح بأنه لا يجد مبررا لاستهداف هذه القوات، أي أنه ينكر المقاومة بما هي رد فعل طبيعي على الاحتلال. فإذا كانت القوات القادمة الى العراق دون تفويض دولي وتحت ذريعة ثبت بطلانها قوة «تحرير» فبئس التحرير هذا، وإن كانت القوات التي جلبت الدمار والخراب وقتلت النفوس البريئة وأدخلت الفجيعة الى كل بيت عراقي «ليست عدوة» فمن هو عدو العراقيين إذن؟ إن كلام برزاني لا يُفهم الا على وجه واحد وهو أن «صداقته» للأمريكيين هي التي تحرّكه للدفاع عن «مهمتهم» في العراق اي انه لا هم له في ما يعانيه العراقيون من تبعات «صداقته» ومن ثمة فهو لا يكلف نفسه واجب الدفاع عنهم ولا يملك أيضا حق الحديث نيابة عنهم لأن منطقه غير منطقهم ولأن العداوة والصداقة لا يلتقيان أبدا ولأن الواجب الوطني والمصلحة الشخصية أيضا لا يلتقيان. على أنه لا عذر لبرزاني في ما صرّح به لأن مغالاته تجاوزت منطق الشرعية الدولية على هشاشته وتجاوزت أيضا تصورات أشد متطرفي الادارة الأمريكية ورؤاهم. فقد أقرّ مجلس الأمن الدولي منذ ماي 2003 بأن القوات الموجودة في العراق هي قوات احتلال ولا يمكن توصيفها بغير ذلك، وأنّ القانون الدولي يفرض عليها ما على قوات الاحتلال من واجبات إزاء الطرف المحتل. وحتى أولئك الذين حرّضوا على غزو العراق تنفيذا لشريعة المحافظين الجدد كانوا أكثر اعتدالا إذ اعترفوا بأخطاء الإدارة الأمريكية في العراق فقد أقرّ رئيس مجلس السياسات الدفاعية الأمريكي السابق ريتشارد بيرل بأنّ بلاده أخطأت إذ حوّلت «تحرير» العراق الذي روّجت له إلى احتلال... بيرل الذي يعتبر من أشد صقور البنتاغون تطرّفا كان أكثر عقلانية من برزاني حين صرّح بأنّ الاحتلال لن يتمتّع على أيّة حال بتأييد كبير وأقرّ بأنّ إدارة بوش كانت تغالط العراقيين والعالم حين صرّحت بأنّها جاءت إلى العراق «محرّرة» أما الرئىس الأمريكي جورج بوش نفسه فقال منذ أشهر إنّه لا يرضى لبلاده الاحتلال وإنّه سيقاوم فماذا بعد هذا الاعتراف؟ لقد كشفت تصريحات برزاني مرّة أخرى سوء نوايا الأطراف التي مهّدت لغزو العراق وضيق رؤيتهم لكن الأيام ستثبت أن من باع العراق ليشتري به ثمنا قليلا مخطئة حساباته خاسرة تجارته.