عندما تنحدر قوة عظمى إلى هذا الدرك الأسفل من الحضيض.. وعندما تتدحرج الامبراطورية إلى هذا المستوى المتدني وتظهر كل هذا الافلاس القيمي والأخلاقي والسياسي.. عندما يحدث هذا وذاك فإن هذه الامبراطورية تكون قد تعرّت وكشفت كل عوراتها وعيوبها وعلامات ضعفها ووهنها أمام شعوب العالم.. يحلو للرئيس الأمريكي أن يتباهى بهذا «الانجاز» ويحلو له أن ينتشي بنجاح عملية اختطاف رئيس دولة مستقلة وعضو في الأممالمتحدة.. لكنه يتناسى أن هذه العملية لم تكن لتنجز بتلك السرعة والدقة لولا الخيانات الداخلية في محيط الرئيس الفينزويلي والتي تجعل ما يصوره ترامب على أنه «فتح مبين» أشبه شيء لعملية استلام وتسليم ضلع فيها أشخاص باعوا الذمة والضمير واختاروا تدوين أسمائهم على لائحة خونة الوطن والعملاء للأجنبي. ليس هذا فقط، بل ان ترامب وهو يأمر بتنفيذ عملية بهذا القدر من القذارة والانحطاط ينسى أو يتناسى أنه يكشف كل عورات بلاده ويعرضها على رصيف الأمم.. لتظهر أمريكا التي طالما تغنى قادتها بأنها واحة الديمقراطية ولحقوق الانسان والتي تنبري في المنابر تعلن نصرتها لهذه القيم الكونية النبيلة في ثوب أتعس دكتاتور تعوزه قوة الحجة ويعوزه العقل والحكمة فيلجأ إلى حجة القوة ويلوذ بالغطرسة والجبروت لغة للتعامل مع دولة مستقلة وذات سيادة ويفترض أن لها حرمتها التي يحميها القانون الدولي ويصونها المجتمع الدولي الذي أنشأ مؤسسات أممية وظيفتها معالجة كل القضايا بين الدول وايجاد حلول لها بالطرق السلمية وبما يحفظ السلم والأمن الدوليين.. قد يقول قائل أن هذه ليست المرة الأولى التي تلجأ فيها أمريكا إلى حجة القوة لتبرير تحركاتها المجنونة ضد هذه الدولة أو تلك. فقد سبق للولايات المتحدةالأمريكية عام 2003 أن اخترعت «حججا واهية» وسرديات بلا أساس من الصحة من قبيل حيازة العراق لأسلحة دمار شامل ومن قبيل تحرير العراق من الدكتاتورية فإذا هي تعود وتعترف بأنها أخطأت باعتماد تلك المبررات الواهية لغزو العراق واسقاط دولته ومؤسساته وشنق قيادته.. وفي الأثناء غرق العراق في بحار من الدماء والدمار نتيجة الفتن والحروب العرقية والمذهبية التي فجّرها الاحتلال الأمريكي. هذه المرة، في حالة فنيزويلا يعيد التاريخ نفسه.. لكن بصورة أفظع وأبشع. فإذا كانت الدابة الأمريكية والقائمون عليها قد كلفوا أنفسهم عام 2003 عناء تغليف غزو العراق واحتلاله بسرديات وأكاذيب وحاولوا مرارا وتكرارا مع مجلس الأمن لاكساء عملية الغزو بنوع من الشرعية الدولية أو الغطاء الدولي، فإنهم في حالة فينزويلا اكتفوا بتحديد لائحة الاتهام وبإصدار الحكم وبالتحرك لتنفيذه بتعلات واهية من قبيل دكتاتورية الرئيس مادورو وضلوعه في تجارة المخدارات وفي اغراق أمريكا بهذه الآفة.. مع أن كل العالم يدرك أن النفط هو سبب احتلال العراق وتصفية قيادته وأنه أيضا مع مناجم الذهب النائمة في أراضي فينزويلا هو سبب اختطاف الرئيس مادورو والمحرك الحقيقي الذي دفع الدابة الأمريكية للانقضاض على دولة مستقلة ذات سيادة. وبالمناسبة ينسى ترامب الذي يغلف خطوته الاجرامية ب«محاربة الدكتاتورية» أنه يكرّس صورته كأتعس دكتاتور كوني تتوزع شروره على كل دول وشعوب العالم.. كما ينسى وهو يحاول تغليف خطوته المتهوّرة بإنفاذ القانون ومحاكمة الرئيس الفينزويلي أن غزو دولة واختطاف قيادتها وترويع شعبها هو في الأصل بمثابة «أم الجرائم» والتي يفترض أن يمثل مقترفها أمام محكمة الجنايات الدولية لا أن ينبري في ثوب «القيّم» على انفاذ القانون واعلاء راية العدالة. ان الولاياتالمتحدةالأمريكية تحت قيادة ترامب والتي ظهرت عليها الكثير من أعراض الافلاس الاقتصادي والأخلاقي والسياسي هي الآن بصدد الدخول في مرحلة التوحش.. وهي لن تتوقف عن محاولة معالجة أمراضها بالسطو المسلح على مقدرات الشعوب وبافتكاك خيراتها واستباحة سيادتها وحرمة قياداتها. وقد أغرى نجاح اختطاف مادورو الرئيس ترامب بالتطلع نحو كوبا وكولمبيا وجزر «الغرينلاند» في انتظار وقوع عيونه على دول أخرى وعلى كنوز أخرى.. وهذا المعطى يضع المجتمع الدولي أمام حتمية التحرك بسرعة وانشاء جدار صدّ يحول دون انطلاق الدابة الأمريكية المتوحشة لتدمير ما بقي من تماسك المجتمع الدولي واستقراره.. والمطلوب هو التحرك السريع والناجز لمنع ترامب من أن يتحول إلى نيرون الجديد الذي يحرق كل العالم هذه المرة.. وليس روما فقط. عبد الحميد الرياحي