يطل علينا هذا الشهر الكريم كميناء هادئ ترسو عنده أرواحنا المتعبة من صخب الحياة وجفاف المادة..نستقبله استبشارا بالسكينة التي تنزل بردا وسلاما على القلوب، وبشعور جماعي بالتعاون، وبأنفس قادرة على السمو والتعالي فوق الشهوات للعودة إلى صفائها الفطري الأول.. فرمضان بمعانيه السامية موعد مع الضياء الذي لا يخلفه الزمن، وفرصة متجددة لنغتسل من أدران الدنيا ونستعيد توازننا الروحي في أيامه المعدودات .. ولكن.. يأتي رمضان هذا العام كالعادة مثقلا بالأسئلة، جائعا إلى "المعنى" أكثر من المعدة المتلهفة على " كعبة بريك " ساخنة ..شهر الصيام الذي ننتظره كفرصة للروح والضمير، صار في كثير من البيوت والأسواق والشاشات موسم استهلاك محموم، ومهرجان وصفات أكلات يبقى اكثرها على الموائد ، وسباق إعلانات، كأن الغاية أن نمتلئ صخبا بعد الإفطار تلبية ل"حشيشة رمضان " ، وما أعتاها على النفوس .. رمضان ليس شهر الشهوات، بل شهر الرحمة والتقوى ، "لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ"، والتقوى يقظة ضمير أمام الله اولا ، ثم أمام الفقير والمسكين ، غير أننا، في زمن غريب عجيب نصوم عن الطعام ولا نصوم عن الكذب، نمتنع عن الشراب ولا نمتنع عن الظلم، تعمر المساجد وتكثر ركعات التراويح بينما يقل الصدق ويغيب قول الحق في معاملاتنا اليومية. هو شهر القرآن، لكن القرآن غائب في النقاش العمومي كخطاب "تحرري" من رواسب موروث شعبي التصق بالأذهان..." قرآن مهجور" لكنه حاضر فقط في التلاوة الاحتفالية والمسابقات.. نتلوه بأصوات شجية، ولا نتدبره كما أمرنا الواحد الأحد ..نردّد آيات الرحمة، وننسى آيات العدالة ..نحفظ قصص الأنبياء، ونغفل عن رسالاتهم الكبرى في مواجهة النفاق والتقاعس الاجتماعي. في أسواقنا، يتجلى امتحان الصيام الأقسى حيث الغش في الأسعار واحتكار المواد الأساسية، ليتحول الشهر الكريم عند بعض الجشعين إلى فرصة للتحيل و الإحتكار ..تزداد الاسواق وينتصب الباعة على الطرقات ، وتقل الرقابة، ويصبح رمضان مصدرا للقلق المادي للأسر البسيطة عوضا أن يكون راحةً لها. في بعض الإدارات ، يصوم الموظفون عن خدمة مصالح المواطنين ..بطء ، أبواب موصدة ، وعبارة "ارجع غدوة" تعلو على اغلب الشفاه المتعطشة الى " الشيشة " وسيجارة ما بعد الإفطار او حتى عنده ، وكأن الصيام مبرر للتقاعس لا دافع للعمل والإتقان والنجاعة. رمضان هو امتحان للدولة كما للفرد.. هو اختبار للسياسات الاجتماعية في دعم الفقراء بالضغط على الأسعار، وحماية المساكين والفقراء من جشع السوق بالضرب بقوة على أيدي المحتكرين "المستكرشين". نصوم في شهر التكافل، بينما يفطر العالم على صور غزة المحاصرة ، ويواصل بعض زعماء العرب المسلمين "الصائمين " صمتهم الثقيل كأن الصيام شمل الضمير الإنساني ، فأي معنى لصيام لم يتحول إلى موقف؟ وأي قيمة للعبادة إذا لم تُترجم إلى انحياز للإنسان حين يُذبح أمام الكاميرات؟ . ومع كل هذا ، يظلّ رمضان هو شهر الفرص المتجددة والبدايات البيضاء ، في كل زاوية نلمح بريق أمل في أيادٍ تمتد بالخير سراً وعلانية ، وفي عائلات تتسابق لتوزيع وجبات الإفطار ، وفي عيون تدمع خشيةً ورحمة ، وفي مساجد تعمر "بالركع السجود " . آن الأوان أن نستعيد رمضان من قبضة الاستهلاك والمستكرشين ونعيده إلى جوهره القرآني: وعي، عدل، رحمة، ومقاومة للظلم.. فالصيام ليس تدريباً على الجوع، بل هو ثورة بيضاء على الذات، وتعاون على البر، وانحياز كامل للصدق والكرامة الإنسانية. راشد شعور