تونس (الشروق) أفرزت الوقائع السياسية في تونس، خصوصا تلك التي سبقت الانتخابات الرئاسية والتشريعية الفارطة، بروز قطبين للمعارضة في المشهد السياسي، قطب يمكن تسميته بالوسط، اختارت مكوّناته تلطيف علاقتها مع السلطة ومواصلة خيار الوفاق معها، وقطب أكثر راديكالية اختار القطيعة وراهن على مسافة تبعده عن الحليف القديم! وعلى الرغم من التنافر الملحوظ بين القطبين، وتبادل الاتهامات، فإنّ المتأمّل في خطابهما السياسي يلاحظ أن جلّ مطالبهما تكاد تكون واحدة، لا شيء يفرّق بينهما إلا أسلوب المطالبة ولغة الطّرح. ففي حين يطرح القطب الأول مطالبه بشكل لا يثير السلطة ولا يستفزّها، يعمد الطرف الثاني إلى طرح نفس المطالب تقريبا، بلغة فيها الكثير من الاتهام وفيها الكثير من «التمرّد» الذي يشير ويدلّ على أن لغة الحوار معها فقدت «لطفها» القديم! ويهمّنا في هذه الورقة أن نتناول بالدرس مطلبا من المطالب الكثيرة التي تجمع الطرفين، بل أن نتناول بالتحديد سقف تلك المطالب المتمثل في التهيئة والتحضير للتداول السّلمي على السلطة. وهو مطلب وإن كانت لا تخلو منه أدبيات قطب الوسط فإنها لا تركز عليه كلية ولا تجعل منه أولوية، انطلاقا من قراءة سياسية واقعية لكل الحقائق المتوفرة اليوم في تونس، لكن هذا المطلب أصبح منذ مدّة يلحّ على الطرف الآخر ويتصدّر خطابه السياسي، ربما في محاولة منه لطرح أقصى شيء للحصول على ما هو أدنى منه. وربّما أيضا في محاولة للانتقال بالحوار السياسي في تونس من الممكن إلى اللاّممكن حتى يأتي ما تعتبره ممكنا. وتنطلق الشكوك من جدية هذا المطلب بالرّجوع الى تلك المقولة الشهيرة التي تختزل تعريف السياسة في أنها فن ممارسة الممكن، وهو ما لا ينطبق على حالة هذا الطلب كلية، إذ التداول أو التناوب أو التوالي هو أقصى مرحلة يمكن الوصول إليها بعد أن تكتمل كل العناصر التي تؤدي إليه. وأولها بلا شك بروز حزب يمكنه أن ينافس حزب الأغلبية وهو المنعدم تماما في تونس. مع اكتمال الشروط الاجتماعية والاقتصادية التي تسهّل هذه العملية، خصوصا أن الغاية من السياسة ليس التمكّن من السلطة في حدّ ذاتها وإنما إدارة المجتمع وتطويره مع الحفاظ على مكاسبه ومناعته. لذلك يبدو هذا الطلب سابقا لأوانه وبسنوات عديدة، ولربّما لذلك يجدر بالقطب الثاني أن يركّز الآن على ما هو ممكن، وأن يطوّع خطابه السياسي لما تعلنه هذه المرحلة الواضحة في واقعها وفي نتائجها، وأن ينتبه أن خيار القطيعة التامة، ربّما يرضي الغضب أو المزاج، ولكنه لن يغيّر شيئا إلا مواصلة تهميش هذا الطرف الذي كلّما حلّق عاليا كلّما انبتّ أكثر عن الأرض! كيف تكون عودته، وما هي ضماناتها؟ نحن لا ندّعي للحقيقة وصفة، ولا نملك لذلك جوابا، وما على هذا الطرف إن هو أراد إلاّ أن يتحسّس طريقه، وأن يجد مسلكه.