تونس الشروق في لقاء مع «الشروق» تحدث ادموند جوف عن كتابه (Mouammar Kadhafi Dans le Concert des Nations) الذي صدر له مؤخرا وكتبه عن القائد الليبي معمر القذافي وقد زار تونس خلال الأسبوع الماضي، وقدمه لقرائه. ادموند جوف تحدث أيضا عن العراق وعن المقاومة العراقية والانتخابات كما تحدث عن التطورات الأخيرة في السودان وخاصة الاتفاق الذي أبرم بين الحكومة والمتمردين وتأثيرات ذلك عن الوضع في دارفور وادموند جوف هو أستاذ العلاقات الدولية والعلوم السياسية بجامعة ريني ديكارت باريس . ويتولى أيضا ادارة مرصد العلاقات الدولية والتنمية والفرانكفونية وهو عضو اكاديمية العلوم لما وراء البحار، وهو أيضا نائب رئيس جمعية الصداقة الفرنسية السودانية وهو الى كل ذلك صاحب مؤلفات عديدة لعل أشهرها (Le Droit des Peuples) و(Le Tiers Monde) وقد عرف ادموند جوف باعتباره من المفكرين التقدميين انصار شعوب العالم الثالث كما عُرف بصداقته في العالم العربي وبانتصاره لكل القضايا العربية من الجزائر الى فلسطين، إلى العراق، إلى السودان.... * وضعتم كتاب (Mouammar Kadhafi Dans le Concert des Nations) الذي صدر مؤخرا فما هي الأسباب التي جعلتكم تكتبون هذا الكتاب، وربما يطرح السؤال في سياق العلاقة بين المثقف وخاصة المثقف الملتزم بقضايا الشعوب كما هو شأنكم، والسلطة، أي سلطة، ثم هل تجدون في الزعيم الليبي ملامح عبقرية استثنائية، أو أنكم اكتشفتم أنه كان موعودا (prédestine) للسلطة والزعامة منذ بداياته؟ ما دفعني للكتابة عن القذافي هو كل ذلك في نفس الوقت. البداية كانت من فكرة وضع كتاب حول تنظيم الوحدة الافريقية وقد كانت فكرة الناشر... ذلك هو السبب الأول، أما السبب الثاني فقد كان اشرافي على بحث الدكتوراه، لابنة القائد الليبي، عائشة القذافي في جامعة ريني ديكارت باريس والتي أبدت اهتماما بهذه الفكرة وعموما لم يكن مشروعا حسب الطلب. أما السبب الثالث، والذي أشرت اليه بنفسك هي شخصية القذافي نفسه، وذلك هو السبب الحقيقي بالنسبة لي، الذي دفعني لوضع هذا الكتاب، أنا أستاذ علوم سياسية، واهتم بكل قضايا السلطة وخاصة في دول العالم الثالث، وقد التقيت هذه الشخصية، عدة مرات خلال ربع قرن، وبما أن هذه الشخصية قد طغت على الأحداث وخاصة خلال الفترة الأخيرة، حيث يتم التساؤل حول التغيرات الأخيرة في المواقف الليبية فقد رأيت أن الوقت مناسب، لوضع كتاب حوله... تلك اذن بعض الأسباب التي جعلتني اكتب ذلك الكتاب. وبطبيعة الحال، هناك رؤساء دول عديدون وبامكاننا أن نكتب عنهم كتبا كثيرة ولكن ما كان يشدني انه صاحب شخصية كاريزمية اضافة الى أنه صاحب رؤية مستقبلية، سابقة للعصر، قد تخطىء هنا أو هناك، ولكنها رؤية استشرافية، وهي شخصية تذكرني بالجنرال ديغول الذي كان موضوع أطروحتي لنيل الدكتوراه سنة 1970. * منذ فترة بدأنا نشهد تغييرات واسعة في المواقف الليبية التي يعبر عنها القائد الليبي هل فاجأكم هذا التغيير وما هي الأسباب التي أدت الى ذلك من وجهة نظركم؟ بالطبع فاجأني هذا التغيير بعض الشيء كما كان وقع ذلك على كل الملاحظين وخاصة الموقف بشأن الولاياتالمتحدةالأمريكية التي كانت توصف بكل الأوصاف السيئة، وقد كانت هناك أسباب عديدة لذلك من وجهة نظر القائد الليبي، لعل أحدها فقط، القصف الأمريكي لمقر اقامته ومقتل ابنته الصغيرة بالتبني، ومن هنا كنا نتساءل حول حقيقة ما يحدث وقد حاولت طيلة السنتين الماضيين ايجاد بعض الاجابات لذلك. وانطلق في ذلك من صيغة، يمكن أن تلخص وجهة نظري، وهي قد لا تكون الحقيقة بعينها، ولكن هي وجهة نظري، وهي ان ما حدث هو تغييرات تكتيكية ولكن ليس هناك تغييرات استراتيجية، وأعتقد أن الأهداف الكبرى تظل مطروحة، وأعتقد أنه على كل الملاحظين والمتابعين لهذا الشأن أن يضعوا هذه الفرضية في حسبانهم عند أي تحليل، حتى لا يتفاجؤوا بعد ذلك، وأود أن أنقل لكم هنا ما قاله لي صديق مقرّب جدا، التقى القذافي منذ أيام فقط، وتحدث معه حول كتابي، وقد قال للقائد الليبي إن ادموند جوف يفهم الموقف الليبي طبقا للصيغة التي ذكرتها فقال له القائد الليبي : «أن ادموند جوف قد فهم جيّدا أن ليبيا ستظل تمثل مكة بالنسبة لحركات التحرر الوطني». اEdmond Jouve a bien compris que la Lybie (resterait) la Mecque des mouvements de libération nationaleب. وكما تلاحظون هذه الجملة لو قيلت في الصحافة الغربية فانها ستكتب بالبنط العريض في الصفحات الأولى للجرائد وربما تدعم هذه الصيغة التي تحدث بها القذافي وجهة نظري. نعم هناك تغييرات، قد تكون على مستوى التحالفات، ولكن الأهداف الكبرى لم تتغير. ليس أمامنا اليوم قذافي جديد، أو قذافي قديم. ولكن أمامنا قذافي يمارس الواقعية السياسية،... القذافي يدين بقوة الارهاب، وقد كان ذلك واضحا منذ سنوات عديدة في الميثاق الأخضر وهو صادق في ذلك وأعتقد أنه يطمح الى أن يظهر في الصورة المعاكسة تماما لبن لادن، وهذا أمر أول... هناك أمر ثان، ويتعلق بمسألة حركات التحرر الوطني، وما اذا كان ينبغي مواصلة تقديم الدعم لها، وأعتقد أن الاجابة قد أصبحت واضحة من خلال المقولة التي قالها القائد الليبي حول حركات التحرر الوطني، وكلما كانت كانت هناك هيمنة أو استعمار، فان القذافي قد يقوم بما كان يقوم به في السابق، منذ انطلقت الثورة. * بالنسبة للوضع في العراق كيف تحللون الانتخابات العراقية وخاصة الإصرار الأمريكي على المضي قدما في ذلك وما هي نتائج ذلك على الوحدة الوطنية العراقية؟ هذه الانتخابات لا يمكن النظر اليها الا باعتبارها مهزلة مأساوية (Une farce tragique) فهل يمكن الحديث عن انتخابات جدية في بلد يرزح تحت الاحتلال الأجنبي؟ قد تكون هناك بعض الارادات التي تريد أن تكون هذه الانتخابات جيدة ولكن ذلك لن يكون ممكنا على أرض الواقع. وسوف تكون هناك انتخابات حرة. يوم يأخذ الشعب العراقي مجددا، مصيره بين يديه كما كان يقوم بذلك طيلة تاريخه الطويل والثري عبر ممثلين شرعيين ولكن للأسف، نحن الآن بعيدون كل البعد عن هذه الحقيقة. وحسب رأيكم هل بدأت ملامح وجه المقاومة العراقية المركزية تظهر بوضوح؟ نعم، أذكر أني قلت في صحيفتكم أياما فقط بعد احتلال العراق، اننا نرى بداية حرب تحرير وطنية، وهو ما نراه ونتابعه كل يوم، وربما كانت هذه المقاومة تعرف بعض الفوضى وعدم التنظيم في البداية ولكن الواضح اليوم أن هناك قيادة مركزية لهذه المقاومة وبالتالي، فإن كل ما توقعناه في السابق قد حدث. أنا الآن أقترب من سن التقاعد وقد درست كثيرا الدول المستعمرة قديما وتاريخ شعوبها، ويمكنني أن أقول إني اكتسبت خبرة معينة أو ثقة في الشعوب، ما يجعلني أتسلح بالتفاؤل في هذا الشأن، ويقيني دائما أن الشعوب هي التي تنتصر في النهاية وتلك حتمية. ذلك كان تاريخ تونس عندما كانت محتلة وذلك كان تاريخ فرنسا، التي احتلت أيضا، كما احتلت. ومهما كانت الآلام، فإن الشعوب هي التي تنتصر في النهاية. وربما ما يشغل أنصار «حق الشعوب»، هو كيفية تقليص هذه المرحلة الفاصلة بين الاحتلال وحرية الشعوب، لتقليص المعاناة. * تهتمون أيضا بالوضع في السودان فما هي وجهة نظركم بشأن الاتفاق الذي أبرم الأسبوع الماضي بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية في الجنوب وهل تعتقدون أن الأمور ستسير بصفة جيدة خلال المرحلة الانتقالية ثم بعد ذلك؟ وخاصة على مستوى وحدة السودان؟ نعم لقد ابتهجت جدا بهذا الاتفاق، أنا نائب رئيس جمعية الصداقة الفرنسية السودانية وقد شعرنا بالبهجة لامضاء هذا الاتفاق الذي كنا ننتظر حصوله منذ فترة طويلة. أعتقد إنه علينا فعلا أن نسعد جميعا بالتوصل لهذا الاتفاق، الذي يرسي الوضع الطبيعي لهذا البلد، وهو الوحدة كلنا مع الوحدة (LصEtat unitaire) وتلك كانت الفكرة الأقوى في تراثنا كفرنسيين منذ ثورة 1789 وما أتمناه لبلدي أتمناه أيضا للسودان، وأعتقد أن الطرفين في السودان، يرغبان في تحقيق وحدة السودان، ولكنهما يدركان أن هناك قوى تعمل عكس ذلك وتبرر ذلك بعدة مبررات منها المبررات الدينية، وهناك مرحلة انتقالية لمدة ست سنوات واذا لم تسر الأمور كما يشتهي الطرفان، ستكون هناك امكانية تقرير المصير. وسوف يكون أمام كل طرف أن يفكر بجدية في مستقبله، وربما يقتنع الطرفان أنه بامكانهما التعبير، كل من جانبه عن هويته وعن خصوصياته ولكن في اطار الدولة الموحدة. ولنا في اطار الجمهورية الفرنسية، مثلا على ذلك في العلاقة بين فرنسا وكالودنيا الجديدة، عبر آليات محددة تمكن الكلدونيين من تصريف أمورهم والتعبير عن تطلعاتهم بكامل الحرية، ولكن في اطار أوسع هو الجمهورية الفرنسية، وأعتقد أن هذا الأمر الذي نجح بالنسبة للجمهورية الفرنسية قابل لأن يطبق في السودان وينجح أيضا. ولكن سيظل هناك مشكل دارفور ونتمنى أيضا أن يتم حل هذا المشكل في نفس الاطار أيضا حتى يتمكن السودان من الاقلاع نحو آفاق كبرى، وهو الذي يمتلك قدرات اقتصادية وجغرافية هائلة، ونتمنى أن يتم توجيه المصاريف الهائلة التي كانت تغذي الجهد الحربي، نحو خدمة الشعب السوداني ورفاهه. * وهل تعتقدون انه سيكون لهذا الاتفاق تأثير مباشر في الوضع بدارفور؟ سوف يكون له بالضرورة تأثيرات مباشرة الحكومة السودانية كانت تنظر الى الحل في الجنوب بأن له الأولوية واليوم فإن قوى السلام التي عملت من أجل التوصل للتسوية في الجنوب سوف تعمل على ايجاد تسوية في دارفور. وأعتقد أنه سوف يكون بامكان المتمردين في دارفور أن يقفوا على مدى استعداد الحكومة لايجاد تسوية هناك، وكذلك العكس، ثم إنه تم التقليل من أهمية المشكلة في دارفور، حيث توجه كل الانتباه الى الوضع في الجنوب، وبالتالي فإن تسوية مشكلة الجنوب تفتح المجال للتسوية في دارفور أيضا. وهنا أيضا أريد أن أقول شيئا إن السودان سيكون حالة جيدة أو مخبرا لتعايش الأديان والعرقيات، وسيكون السودان أمام تحد هام وهو ضمان تعايش مجتمعات دينية مختلفة، سواء المسلمين أو المسيحيين أو الوثنيين وربما سيكون أمامنا أن نتحدث عن النموذج السوداني للتعايش في المستقبل وإن هذا النموذج قد يمكن من تفادي اشكالات أخرى مماثلة في السودان أو في المنطقة عموما وخاصة في تناول الاشكاليات الدينية. لذلك تتجه عيوننا جميعا الى ما يحدث في السودان، نحن ندرك، انطلاقا من تجارب عديدة أن لأمور لن تسير بصفة جيدة وبدون مشاكل، منذ البداية وبسهولة فقد تكون هناك بعض الاشكاليات الصغيرة أو الحساسيات التي تفترض ايجاد معالجة ولكننا ندرك إنه طالما توفرت الإرادة الحقيقية لايجاد تسوية ولبناء مجتمع أكثر عدلا وانصافا وتسامحا وان هذه الارادة تتواجد على أعلى مستوى فإننا على يقين من أنه سيكون بالامكان ايجاد حل لكل اشكال. وتاريخ الانسانية مليء بالعبر في هذه المجال.