لا نعتقد أنه يوجد طرف سياسي في تونس بامكانه ان يدعي انه اكثر ديمقراطية من غيره! ولابد من الاعتراف بشجاعة بأن الديمقراطية أمر مستحدث، لم يسبق اليه طرف معيّن ولم يبتكره حزب بعينه. فكل هذه الاحزاب، خصوصا التي تزايد منها على الديمقراطية، هي في الاصل احزاب شمولية سواء كانت تنتمي الى اليمين او الى اليسار، وأن عدّة ظروف جعلتها تغير خطابها السياسي في اتجاه المرونة والقبول بالآخر، منها الهزيمة التاريخية النكراء للفكر الشمولي كلّه (يمينا ويسارا) ومنها زحف العولمة وزحف الخطاب الليبرالي معها. هذه هي الحقيقة وما عداها مجرّد اوهام ا و مزايدات. ولربّما لهذا السبب انتهجت السلطة في تونس مبدأ التمرين على الديمقراطية ومبدأ اعتماد الجرعات فيها، وهي جرعات قد يراها البعض بطيئة ولكنه يجب ان يراها «لازمة» في نفس الوقت. ومن حق هذا البعض (على الاقل نظريا) ان يطالب بتسريعها أكثر لكن لن يكون من حقه ان ينفيها، خصوصا اذا ما رافق النفي ادعاء بالاسبقية او بالريادة في هذا المجال بالذات. وربّما لنفس السبب ايضا يحتاج الخطاب الديمقراطي عندنا الى كثير من التواضع والاعتراف. التواضع الذي يعوّض الادعاء والاعتراف بأن البناء الديمقراطي في تونس يجب ان يكون من صنع الجميع، وبوفاق بين الجميع خصوصا ان الذي تحقّق فيه من خطوات سابقة كان من صنع الجميع، وبتنسيق بين كل الاطراف، ولو تُرك الامر لتحسم فيه اللعبة الانتخابية وحدها، فلربّما تواصل وقتها كل الحماس الديمقراطي وكل الخطاب الديمقراطي في شكل ما يقع تمنيه ولا يقع بالمقابل ادراكه. ذلك ما يقوله الواقع، وما تحدّثت به كل المحطات السياسية الكبرى في تونس، وذلك ما يجب ان لا تنساه اية معارضة للسلطة مهما كانت درجة قربها او بعدها عنها، ببساطة لأن الذي يمتهن السياسة ويحترفها لا يجب ان يحجبه شيء عن رؤية الحقيقة، ولا يجب ان تتحكّم فيه المواقف «التحجرية» حتى من الواقع، الذي لا يمكن اختصاره في السلطة والسلطة وحدها، اذ هي جزء من الواقع وليست كلّه!