بقلم: الدكتور عبد الحافظ الوحيشي * 1 في معنى التنمية في فكر بن علي: إن الهدف الرئيسي من التنمية عند الرئيس بن علي هو تلبية الحاجيات والطموحات الانسانية وهو ما يجعل منها تنمية شاملة تلبي حاجيات الحاضر دون المساومة على قدرة الأجيال المقبلة في تلبية حاجياتهم ومن هنا أكد الرئيس بن علي على ضرورة «التلازم المتين بين البعدين الاقتصادي والاجتماعي» وهذا التلازم يحتوي على مفهومين أساسيين. مفهوم الحاجات والتي ينبغي أن تعطى الأولوية المطلقة ومن هذا المنطلق شملت اصلاحات التغيير «مجالات البنية الأساسية والمحيط العمراني والتربية والتكوين والتثقيف والصحة والسكن». فكرة القيود التي تفرضها الحالة الاقتصادية العالمية وعلاقتها بالوضع الاقتصادي الداخلي ومدى تواؤم هذه الأوضاع مع قدرة البيئة على الاستجابة لحاجيات الحاضر والمستقبل وهو ما يقتضي حسب الرئيس بن علي ان تعمد البلدان الأقل حظا الى «إعادة ترتيب شؤونها وفقا لقواعد القيادة الرشيدة واعتماد سياسات تنموية قائمة على حسن التصرف في مواردها البيئية والبشرية». إن التنمية تتضمن تحولا مضطردا في الاقتصاد والمجتمع وهو ما يتطلب متابعة هذه التحولات سواء على مستوى الاقتصاد من خلال تطوير القوانين والتشريعات الاقتصادية أو من خلال الاهتمام بالمساواة الاجتماعية بين الأجيال وهو اهتمام ينبغي أن يشمل منطقيا المساواة داخل كل جيل وهو ما يجعل الرئيس بن علي يؤكد على أن «التنمية المستديمة شاملة أو لا تكون». ان تحديث المجتمعات وتطويرها يستلزم حسب مقاربة الرئيس بن علي أن تأخذ بعين الاعتبار الاستراتيجيات بعيدة المدى لذلك تتطلب التنمية المستديمة نشر القيم التي تشجع نمطا من التفكير العقلاني والتنويري الذي يسمح بتحقيق حاجيات الجميع دون ان يشعر أحد بالغبن او بالظلم وهو ما يعني ضرورة التركيز على التعليم والتكوين يقول الرئيس بن علي: «نحن ركزنا استراتيجياتنا التنموية على القطاعات الاستراتيجية الحيوية الكفيلة بان تكون قاطرة التقدم، مجتمع المعرفة والعلوم والتقدم». وبناء على ما تقدم واذا أردنا تلخيص معنى التنمية في فكر الرئيس بن علي فيمكن تحديدها في ثلاث نقاط: تحديد مواطن الضعف والنقص في كل المستويات. إعادة تأهيل كل المجالات للخروج بها من الوضعيات المتردية التي كانت فيها في ظل العهد السابق. وضع استراتيجيا تنموية شاملة تتضمن كل مجالات الحياة (الصحة، السكن، التعليم، التشغيل...). وانطلاقا من هذه الشمولية يمكن ان نفهم رؤية الرئيس بن علي الى معنى تنمية الجهات واهميته وأسسه وطرقه وأساليبه. 2 لماذا تنمية الجهات: الدلالات والأبعاد: الدلالات: لقد أولى الرئيس بن علي منذ توليه الرئاسة الجهات أهمية قصوى تجلت في زياراته الفجئية الى المناطق المحرومة وصولا الى وضع الاستراتيجيات القصيرة المدى لاصلاح ما هو عاجل ووضع الاستراتيجيات البعيدة المدى للحيلولة دون العودة الى الوضعية المتردية التي كانت عليها بعض الجهات. ففي العهد السابق كانت بعض الجهات توصف بالمحظوظة على حساب اخرى وكانت بعض المناطق تصنّف على أنها أحزمة فقر تغيب عنها التنمية وهو ما يشجع ظواهر غير سليمة اجتماعيا كالنزوح مع ما يترتب عنه من سلبيات. ومن هنا كان الأساس الذي انطلق منه الرئيس بن علي في سياسته التنموية للجهات. ولكن كيف يمكن اقناع الناس في الواقع الفعلي وجعلهم يتصرفون بما فيه المصلحة العامة؟ الجواب يكمن في: التربية: من خلال إصلاح المنظومة التربوية على مستوى المناهج ووضع أسس بنية تحتية من مدارس ومعاهد في كل جهة مما يقلل من حالات الانقطاع عن التعليم. تطوير المؤسسات: وهو ما يتمثل في مجمل القرارات التنموية التي اتخذها الرئيس في اصلاح البنية الأساسية وتأهيل المؤسسات وكل من يتابع كلمات الرئيس خلال الجلسات الممتازة للمجالس الجهوية للولايات يكتشف جرأة القرارات المتخذة في هذا الصدد فمثلا في جهة صفاقس لوحدها بلغت الاستثمارات في هذا المجال منذ بداية التغيير الى حدود سنة 2001 ألفا وخمسمائة وعشرة مليون دينار وهذا رقم يغني عن كل تعليق. تطبيق القانون: وهو ما نلاحظه من خلال الاصلاحات التي أدخلها الرئيس على النظام القضائي وذلك «صيانة لكرامة الانسان في تونس وفي كل الأحوال والظروف ولأننا نعتبر حمايتها أوكد الواجبات». الأبعاد: ان كل هذه الاصلاحات كان لها اثرها على الجهات بصورة مباشرة (من خلال المجالس الممتازة للمجالس الجهوية للولايات) اوبصورة غير مباشرة من خلال البرامج الوطنية التي تشمل كل الجهات. وتقوم اهداف السياسات التنموية النابعة من مفهوم التنمية المستديمة كما حددناها من قبل في فكر بن علي على الأمور التالية: تلبية الحاجيات الاساسية: العمل، الغذاء، الطاقة، الماء، المرافق الصحية.. تأمين مستوى سكاني مستديم من خلال برامج التوعية الصحية والتنظيم العائلي. دمج مسائل البيئة والاقتصاد في صنع القرارات. ان التنمية في نظر الرئيس بن علي ينبغي ان تكون متكافئة وهو ما يعني ان تتوج نحو معالجة مشاكل الناس من ذوي الدخل المحدود واعطائهم الأولوية اي اولئك الناس غير القادرين على تأمين حاجياتهم الاساسية. يقول الرئيس بن علي: «وسعيا منا الى تعميم تكافؤ الفرص امام جميع ابناء تونس وبناتها واحكام التدخلات على اساس معطيات ادق وأهداف اكثر شمولية قررنا ان يشرع الصندوق الوطني للتشغيل في تمويل برنامج خصوصي لفائدة المعتمديات التي مازالت تشهد نسبة مرتفعة من البطالة في كل ولاية حتى نؤمن لأبناء هذه المناطق حظوظا اضافية للعمل والاستقرار ضمانا للتنمية المستديمة». ان البعد الجهوي حاضر في فكر بن علي لما للجهة من اهمية من حيث قرب المؤسسات المحلية (المعتمديات والبلديات) من المواطن ولتعامله اليومي معها حيث يشعر بحضورها في حياته اليومية وهو ما يعني بالضرورة تحسين الخدمات والتأكيد على اهمية جعل العلاقة بين الادارات المحلية والمواطنين تقوم على الاحترام وعلى تقديم الخدمة وهو ما تجلى في حرص الرئيس بنعلي على ايلاء البلديات الأهمية اللازمة باعتبارها «رافدا حيويا للتنمية الجهوية» وهو ما يتنزل في إطار سعي الرئيس الى توفير المقوّمات الاساسية للحياة الكريمة في كل المناطق وتحسين ظروف عيش المواطنين». ويمكن ان نستشف هذا الاهتمام من خلال التطوّر الحاصل في الاعتمادات المرصودة للبلديات والجهات وكمثال على ذلك فإن بلدية جبنيانة مثلا تطوّرت ميزانيتها لسنة 2000: من 500 الف دينار الى 570 الف دينار في سنة 2002 لتصل سنة 2003 الى 575 الف دينار، برغم الظروف المناخية الصعبة وهذه الارقام تغني عن كل تعليق وتكشف عن مدى التحول الحاصل على مستوى الميزان البلدي وهو ما انعكس على مستوى الانجازات من تعبيد طرقات وتنوير عمومي وتجميل المدينة من خلال استحداث المناطق الخضراء وتهذيب الأحياء الشعبيةالى غير ذلك من الانجازات. وهذا المثال يوضح اهمية دمج وسائل البيئة والاقتصاد في صنع القرارات وهو ما تفطن له الرئيس بن علي من خلال التأكيد على ضرورة العناية بالبيئة والتي شملت اوجه البيئة الحضارية بالمدن من تجميل المداخل والمناطق الخضراء وعناية بالأحياء الشعبية الا ان هذا التوجه نحو هذا النمط من الانجازات لم يمنع الرئيس بن علي من الاهتمام بضرورة ترسيخ القيم الحضارية «فاذا كانت النظافة والعناية بالبيئة مظهرا من مظاهر الرقي والتحضر فإن السلوك المهذب في الشارع والحياة العامة كذلك من علامات التقدم ورسوخ الاخلاق الرفيعة». لقد استهدفت التنمية المستديمة بمعناها الواسع في العهد الجديد الانسجام بين الكائنات البشرية (من خلال تكافؤ الفرص بين المواطنين من جهة وبين الجهات من جهة أخرى) وبين الكائنات البشرية والطبيعية (من خلال الاهتمام بالنظافة وادماج مسائل البيئة في القرارات الاقتصادية الهامة). وهو ما يمكن ان نستنتجه من قول الرئيس: «لقد اعتمدنا تلازم البعدين الاجتماعي والاقتصادي منهجا وتفادينا عوامل اختلال التوازن بين الفئات والجهات حتى لا يتولد الشعور بالمرارة لدى بعض التونسيين». ومن هنا يمكن القول ان سياسة تنمية الجهات في تصوّر الرئيس بن علي قامت على النقاط التالية: بناء نظام اقتصادي يؤمن المشاركة الفعّالة للمواطنين في صنع القرار (الانتخابات البلدية، انتخاب المجالس الجهوية).. بناء نظام اقتصادي قدر على إحداث فوائض ومعرفة فنية قائمة على اسس الاعتماد على الذات من خلال سياسة التأهيل الشامل. بناء نظام اجتماعي يقدّم الحلول للتوترات الناجمة عن التنمية غير المتناغمة وهو ما تجلى في حرص الرئيس على «ألا تفضي التنمية الى مجتمع يتطوّر على سرعتين وانا لا ارضى ان تدفع شريحة اجتماعية دون اخرى تكاليف الضغوطات الاقتصادية والمالية». بناء نظام انتاجي يحترم واجب الحفاظ على القاعدة البيئية للتنمية. بناء نظام اداري مرن يملك القدرة على التصحيح الذاتي وكل هذه الاهداف التي حددناها انطلاقا من الرؤية التنموية للرئيس بن علي يمكن تلخيصها من قول الرئيس: «تحتل الجهة مكانة محورية في مقاربتنا التنموية وقد اوكلنا لها منذ التحول دورا اساسيا في النهوض الاقتصادي والاجتماعي والتربوي والثقافي». الخاتمة الاستثمار في الانسان: ان تونس ليست بلدا نفطيا او غنيا بالثروات الطبيعية ولكنه يملك قدرات فكرية وعلمية مذهلة وهو ما تفطن له الرئيس بن علي من خلال جعل النهوض بالانسان المحور الاساسي للسياسة التنموية وهو ما يصطلح عليه الرئيس بن علي بالاستثمار في الانسان و»عندما نستثمر في الانسان فإننا نستثمر في المستقبل نستثمر في قدرة الشباب على ما هو افضل» وهذا هو الرئيس بن علي كما هو: رؤية شفافة وبصيرة نافذة وقدرة على الانجاز ولا أدل على كل هذا ما انجزته تونس في سنين قليلة يعادل ما انجزه غيرها في عشرات السنين وهذه شهادة الفعل قبل شهادة القول. * رئيس بلدية جبنيانة كاتب عام الجامعة الدستورية بجبنيانة